افتتاحية

  • الدرس الكاتدرائي.

    بقلم : صبري يوسف في الواقع يبدو أن الإنسان مطالب بالصمت كاختيار ليس استراتيجيا، وإنما لأنه تمليه الظ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » أحيانا لا يكفي الريع !

أحيانا لا يكفي الريع !

بقلم صبري يوسف.

مقاربة سوسيولوجية

بالأمس وعندما حل الظلام توجهت كالعادة مشيا على الأقدام على طول شارع محمد الخامس ومن تم إلى شارع الحسن الثاني ، لاحظت عند نقطة معينة تجمعا للناس والباعة ..اقتربت واكتشفت أنه صار فضاء “للافوار ” ، وأن أسرا جلبت أبناءها للفرجة ، وتمضية بعض الوقت وهو شيء جيد مادامت العطلة ، ومادامت ليست هناك فضاءات لاحتضان أحلام الجميع أكانوا رجالا أو نساءا أو شبابا .

اقتربت أكثر وبحكم  استعمال”الملاحظة الذكية ” والمحايدة ، سجلت وقوف الكثير من الشباب الذين لم أتعرف ولا إلى واحد منهم ، ليس المشكلة في السن ، إنما كانوا جماعات متقاربة العمر، بعضهم يترجل من دراجته الناريةC 90 ،  وآخرون يضعون على بعضها الأقفال لتوه ، وبعضهم وضعها من قبل إلى جوار “حارس ” ..تلكم المهنة التي تنبت بالليل والنهار في كل مكان من المغرب بما يوحي أنها ظاهرة  اجتماعية تحتاج إلى بحث وتفسير وتعرية وتطرح أكثر من سؤال .

تجاوزتهم ، وتذكرت عبارة “ترييف” المدينة . وان ابن جرير تعود إلى الوراء أكثر منه تقدما إلى الأمام مقارنة بالماضي، انطلاقا من شكل وهندام وحديث هؤلاء العابر الذي تلتقطه آداني ، لماذا ؟

هنا سنبدأ في تقسيم لهذا المجتمع تلقائيا من خلال معطيات واضحة ..فابن جرير غلبة ساكنتها اليوم باستثناء من يشتغلون بالفوسفاط والسكة الحديد والتعليم  وموظفي الإدارات العمومية  وأسلاكها، وموظفي مؤسسات الدولة ، في هذا المضمار كم تشكل بقية الساكنة ؟ وما هي أنشطتها ؟ توزيعها السكاني ؟ روافدها الاقتصادية ؟ هناك طبعا أسئلة كثيرة تحتاج إلى جواب .

الحقيقة المرة ، أن هناك حالة “ركود ” مجتمعية ؟

فبالنظر إلى مطالب السكان من إنارة وكهرباء وتبليط الأحياء وإعادة الهيكلة وإقامة بعض البنى والمؤسسات لم يتطور المجال ، بقي ابن جرير في جانب مهم من أحياءه هو نفسه . حتى الساكنة نفسها ..تتباين الأعمار فقط ، وتنتج الهجرة من البوادي سنوات القحط “تكثيفا ” لا يصنع مسافة بين الوافدين اليوم أو سابقيهم بعشرات السنين ..بمعنى الغايات القديمة لم تصل والغايات الجديدة هي ذاتها ، ومن يمتلك قدرة على التسلق عليه المحاولة إنما إلى أين ؟

خارج من ذكرناهم يمارس غالبية السكان مهن البناء والنجارة والحدادة ومهن أخرى ، وبعض الأسر تعيش على روافد الأبناء خارج الإقليم، وجهد الآباء الشيوخ الذين يستمرون في الشغل مهما كبروا . تم هناك الباعة الجائلين والمستقرين وباعة الخضروات وسائقوا العربات ذات المحرك والعربات المجرورة ،وفي الأخير هناك حضيض المجتمع ..المتسولين الموزعين بين جميع الأحياء التقليدية في المدينة المشكلة لمعظم السكان .وعليه أين هي الثروة؟  ومن أين ستأتي التحولات التي نريد تحقيقيها في مثل هذا المجتمع  الذي غالبيته هشة ؟

لنعد إلى العام 2008 باعتباره سنة “للأحلام ” ونربطه مباشرة بالعام 2018 ونطرح سؤالا ماذا تغير ؟

ستتباين الأجوبة إنما في المحصلة لا شيء ؟

لنعد إلى الصف الأول من الساكنة ، هناك متقاعدون يصبحون جزءا من السكان من الدرجة نفسها التي “ينغمس”  فيها قطاع واسع بحكم الأجور وإعالة الأهل خارج الإقليم أو داخله ، وتقويم الأسرة من خلال التعليم وتكاليفه والإنفاق ، تم هناك جزء مهم من موظفي الدولة التي فيها الكثير من أبناء المدينة الذين يعولون أسرهم وأهليهم بحكم “التضامن الآلي ” للجماعة ، الفوسفاط شغيلته من أبناء المدن الأخرى تنال مدخراتهم وجهودهم مدن مجيئهم في الغالب.المعلمون والأساتذة في الأجيال الأخيرة يعيشون نفس الأسلوب إعالة أسرهم والتابعين من امتدادها ..هناك طبعا قطاعات وموظفون يتنقلون يوميا بين ابن جرير ومراكش ذهابا وإيابا لا يرتبطون بالمدينة إلا بشكل “براغماتي ” ضيق تحدده ساعات العمل  وهذه الفئة لا تعنينا .

إلى هنا جيد .

من مظاهر الركود أن جهود التنمية بين العام 2008 إلى 2018 لم تصنع الثروة . ظل السكان يتزايدون ، وتتزايد المشاكل المرتبطة بالبنية والتعليم والصحة والتنافسية والتشغيل والأفق المستقبلي ، وإلا ماذا تحقق في جانب مهم من تأهيل المقاولة الذاتية أو غيرها؟ كم عدد المقاولين والمقاولات النشيطة ؟ رجال الأعمال الجدد أو القدامى ؟ المؤسسات الاستثمارية ؟ الجامعات ؟ المراكز التأهيلية ؟ فرص الشغل سواء بالمنجم الفوسفاطي أو بغيره ؟ القدرة الإنتاجية الصناعية بالإقليم ؟ الوعي ؟ التطبيب؟ المبادرات الخلاقة ؟ الثروة ؟ الأغنياء الجدد ؟ ..يمكن القول أن جل ابن جرير القديم ظل باستثناء بعض “الروتوشات ” متوقفا كخدمة مواقف السيارات ..يتكاثر “الركن” دون إمكانية مستقبلية لتنظيم الفضاء ..مهاجرون جدد  من القرى والعام الحالي لا يعد إلا بالأسوأ . وبالتالي فالمورفولوجيا الاجتماعية تزيد ترييف الحاضر بمزيد من المظاهر دون إدراك الحد الذي سيكون بالإمكان الاطمئنان على مستقبل هذه المدينة والإقليم الذي صراحة يعاني .

لنترك ابن جرير ونرحل إلى الجماعات الأخرى ، ونبحث في موارد العيش؟الأعمار ؟ الأنشطة ؟ الدخل ؟ صناعة الثروة والأحلام ؟  فهناك  بعض انواع الخدمات والتجارة الى جانب نشاط تربية المواشي ، بيع البيض والدجاج ، فلاحات صغيرة ، الأبناء . أو ما يسمى في نظرية ” اتجاه تدفق الثروة ” أي تحول الثروة من جيل الأبناء إلى الآباء ..وهناك جزء مهم لا يجد حظا في أي مهنة وبالتالي يمارس ضمنيا “الحرمان ” بالقطعة ، أي الاشتغال مياوما في البناء إن وجد أو ببعض الحرف الغابرة .

بعض الدراسات تعتبر أحيانا الجغرافيا عاملا حاسما في التنمية ، والرحامنة قد يكون موقعها غير سيء إلى هذه الدرجة إنما ما مرد “الركود ” ؟

هناك رؤية قد تعتبر المدينة تتحول لكن بماذا وكيف ؟ يجب زيارة جميع الأحياء ودق الأبواب، أو الاكتفاء بالملاحظة الذكية لتأسيس قناعات منطقية حيال مجتمع يعيش البعض فيه مؤخرا بجزء من الريع ، هذا الريع الذي حتى هو لا يكفي ، كيف ؟

ففي غياب مبادرات فاعلة وفعالة سواء لتأطير الناس وإشراكهم وإدماجهم في سوق الشغل لغياب السوق؟  اللهم الأسواق القروية للبيع والشراء العفيف ، تبقى إذن آلية المرور إلى الاحتجاج هي الطريق الوحيد لإمكانية تحدي “الفناء ” ، وفي المقابل وكحلول” ترقيعية ” يعيها هؤلاء الشباب ، تصبح بعض المحاولات حلا لتمكين جزء مهم من رواتب حتى هي هزيلة ، ويصبح الفرد “متلبسا” بين المحافظة على هذا الامتياز والقبول بالخدمة أو الرجوع إلى كهف الموت – الفقر .

في الطرف الأخر لا تمنح الجامعات المغربية فرصة كبرى إلا لنسبة قليلة وطنيا عادة ، البقية تتوجه إلى (الحراك) أي الشارع من أجل الحق ، وأبناء الرحامنة على محدودية الخريجين تبقى فرص إشراكهم ضئيلة لتصنع “الإرتقاء ” الاجتماعي ، وبالتالي أنت هنا أمام مجتمع لا يمكنه بتاتا أن يترجم أحلام الوافدين أو المقيمين على حد سواء ..ستقول العيب في السياسة ؟

إلى حد معين،  بل محاولات بين عام 2008 إلى الآن لا يمكن اعتبارها إلا “أنموذجا” لو كان بإمكانه أن يقدم شيئا لفعل . بمعنى أنه حتى السياسة وقراراتها لم تشتغل من صميم “تفكيك ” بنى المجتمع الرحماني وإعادة تركيبها على أساس تشخيصي واقعي لبحث الموارد والقدرة على تسخيرهما ،لانتشال قرابة ربع مليون من الفقر إلى العيش الكريم باستثناءات ضئيلة هي القادرة على “تحقيق الذات “.

ترى أين المشكل ؟ وأين الحل ؟ وهل ستبقى المدينة بهذا الشكل من النمو المنعدم ؟

أغلب التقديرات تذهب إلى أن المدينة والإقليم لا يمكنهما “الاتساع ” لحمل جميع الأحلام وتحقيقها ؟ لماذا ؟

لغياب تعليم فعال ، ولغياب وعي جماعي بسبل المشاركة الهادفة داخل الأوساط المسماة مجتمعا مدنيا ، ولغياب مبادرات واقعية ولو جزيا ومناسباتيا ، مثل إشراك المقاولة الشابة ، وإشراك صناع القرار الاقتصادي من مدن الجوار ومنحهم كل الضمانات لانتشال جزء من اليد العاملة كما يحدث اليوم في سيدي بوعثمان ولو أنه يقتصر على السيدات إنما حل واقعي .

علم الاجتماع الصناعي هو الذي أسس لمفهوم الثروة والارتقاء والبيروقراطيات ، وظهور المدن ومشاكلها وامتيازاتها ووسائلها وغايات الناس فيها ، ابن جرير والرحامنة  لا يطاق بعض الأحيان  فيها حتى سلوك البعض اتجاه الجماعة البشرية داخل نفس الفضاء ، نحن نتحدث عن جانب “الحياء القيمي ” من بعض الممارسات التي تؤطرها الظروف” البنيوية “، لماذا ؟

فالسلوك هنا تأثر بحالة “العدم ” ، أي أنه في غياب وسيلة للعيش بكرامة تمكن الفرد من أجل جني بعض الأموال  يقبل بفعل أي شيء ؟

على اعتبار أن الهشاشة الاجتماعية لها “تأثيرات نفسية مركبة “لا تترك للحرية مسلكا ،وبالتالي يتطور النقاش هنا إلى توصيف البعض بالانبطاح و”الفافوريزم” على حساب الكرامة . بينما هي ليست بيعا للضمير أو ما شابه بل هناك الحاجة . الحاجة للمال ، حتى في الانتخابات بما ينتجه السياسيون من الكذب بتعبير “ماكس فيبر” يتلقاها الناس بصدر رحب ، لأن بيع الضمير أو عدمه تتحكم فيه الحوافز أكثر من مؤهلات الولادة الأصلية ومحددات السلوكن العام ومعيارية جلب الخير ودفع الشر ..وإلا لماذا وجد المجرمون عموما ؟

قبل غلق هذا القوس اعتبر أن ابن جرير إلى غاية اليوم صامد مجالها الجغرافي أمام حالة “اللاتحولات ” باستثناءات طبعا على جهة من قطاع الفوسفاط المعزولة . لأنها لا تخصنا من أي زاوية كانت ، بل ربما وجود ساكنة بمجال ابن جرير وتكاثره الديمغرافي كان بالإمكان تفاديه عقودا من الزمن ،لأنه لا يشكل إلا إحراجا لمجال يريد أن يستثمر بدون معوقات سكانية، وبالتالي رفع حنكته بتفادي الانخراط المباشر من خلال مسافة نفسية ومادية قوامها كيلومترات معدودة  .

بل نتحدث عن ابن جرير “المكثف ” !!فواقع الحال لا يمثل سوى مزيدا من استمرار نفي البنيات السكانية و”الجيلية” الهامشية بتناقضاتها وإقصاءها وتكاثرها، وقبول بعضها بأي شيء في غياب كل شيء ..الممانعون سيموتون هلكا ، والمتشبثون حتى ببيع “الكرامة ” بتعبير غرمائهم ..إنما داخل قلوبهم  هؤلاء يوجد جواب مفاده “نحن لا نملك خيارا لأنفسنا ..فإما بيع للرقبة أو موت تحت النعال والأفضل للفرد أن يظل واقفا خشية أن تدوسه أرجل النمل ..علينا فعل أي شيء لأنه لا يوجد شيء بل مجرد أوهام “Illusions”.