افتتاحية

  • هجوم القاعة .

    بقلم : صبري يوسف. في أكثر من فيديو يبدو أن أوضاع المجالس المنتخبة سائرة في التحول وليست كلها بخير ؟ ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » أزمة الإيديولوجيا في الأحزاب المغربية .

أزمة الإيديولوجيا في الأحزاب المغربية .

بقلم : صبري يوسف .

طوق النجاة بالنسبة إلينا كمغاربة حتى نتجاوز الأزمات التي ظهرت أو تلك المختبئة ، والتي كان لا بد لها أن تكشف لنا عن وجهها الحقيقي  آجلا أو عاجلا بدون الحاجة إلى قناع للحياء هو سؤال أن الأيديولوجيا نفد مخزونها.

الوضع السياسي في المغرب يحتاج اليوم إلى وقفة حقيقية مع الذات ..تلك الذات الحزبية التي نسيت ميلادها وأن لها ميعادا كي توارى الثرى .

نسيت يوم خروجها لمخاطبة المغاربة من القلب إلى القلوب ، في شأن قضيتهم الكبرى ، تحفيز الروح الوطنية والجسد والقلب من أجل إعادة وضع اختل . بسبب آلة استعمارية فرضت تأجيجا للمشاعر وخطابا واقعيا وعاطفيا لمواجهة الامبريالية الغاشمة . كانت هناك دوافع وأسباب وسياق ومليون شرط للقيام .

ذلك الاستعمار فرض على الوطنيين والنخب المغربية البحث في الثقافة المغربية الرصينة قبل الاستعمار ..المتأثرة  إبان الاستعمار ..كان البحث عن الشرعية لمواجهة قدرنا المحتوم ، لمجابهة استعمار دخيل على ثقافة سائدة لقرون تتفاعل لوحدها بطرقها ووفق طقوسها . تلك الثقافة التي كان لديها قبول قاعدي وعمودي يسمح بتبني خطابها من أجل غايات بررتها الوسائل المادية لمقارعة الاستعمار فكرا وتنفيذا وسلوكا ..الحاجة أم اختراع الايدولوجيا المناسبة ، أكثر منه اختراع صرف .

انتهينا من ذلك الوجع ، فيما كان على النخبة أن تتكيف مع وضع جديد لم يعد فيه “غول ” المستعمر . وإنما أصبح فيه صراع داخلي حول الشرعية . من سيحكم من ؟ ومن يملي على من ؟ ومن له الفضل على من ؟ ومن أخذ بيد من ؟

طيلة أربعين سنة من الوجع المغلف والظاهر كمرحلة ثانية وجبهة أخرى داخلية بنفس العتاد الإيديولوجي .

هنا بتنا نملك أو يتملكنا وضع حزبي صار واعيا ومخضرما ، له شرعيته التاريخية ، كابد ويلات الاستعمار ، ودسائس ما بعد الاستقلال ، ونسي طرف كبير بناء الدولة ..مؤسسات ، قوانين ، إنسان وأرض .

في هذه المرحلة سيتولد مفهوم “الحزب المركب “..ما بين الإيديولوجيا والحقوق المتربية على منخرطيه لفائدة مناضلي صفه الأول ، فدائييه ، سمهم ما شئت ، أو كما يوصف عند البعض “هذه كنيستك وأنت القس أفعل ما تشاء ” ..هنا بدأت الأخطاء .

أحزاب الأمس التي أقنعت الناس في الأرياف بمقارعة المستعمر والقضاء على خدامه والمتعاونين معه ، حيث كان مباحا تصفية الخونة ، تدريب النفس والبشر على رعاية الفدائيين ومدهم ، الأحزاب الوطنية التي خرجت من رحم أنجبتها لمهمة ..تقود ولادة أخرى بدون رحم شرعي . في زمن الاستقلال وما بعده ستكتسي المهمة غطاءا ايدولوجيا معقدا ..متباينا ، متلونا ، ستزول فيه الوطنية وتظهر الأنانية ، وعلاقة السيد بعبد جديد ..علاقة وريث للمستعمر ومستعمر جديد بضم الميم ، علاقة السيد بمريده . بغلاف الايدولوجيا التي حاربت المستعمر ستحارب اليوم نصفها أو كلها الأخر ..في السيادة ..وفي فضاء دولي بعدما باتت الاشتراكية ملاذا أخر أكثر من رعب الاستعمار ..سمه الخلاص الكوني  ، والطموحات العالمية الجارفة .

لن نتحدث عن ما حصل إلى غاية 1991 وتحطم الاشتراكية على أسوار برلين ..لن نقول سوى ما يهمنا من كون الأحزاب المغربية هناك كان عليها أن تنتهي ، أن تهدم نفسها من أجل بناء جديد ، كما يسميه السوسيولوجيون . وهو أفضل طريقة ..الاستمرار كان خطأ فادحا ، فقد ماتت إبانه معظم الايدولوجيات في تلك التنظيمات يسارية أو يمينية أو ليبرالية أو علمانية أو حداثية أو حتى” نيو ليبرالية” قبل أن يهدم الصرح بكليته .فقد ماتت “أسباب ” الخروج ..أسباب الولادة . لم يعد ينفع ما يطلق عليه إعادة الإنتاج ..إعادة الصياغة . الحركات التصحيحية التي نسمعها اليوم ..فكلها فاقدة للجاذبية والقوة .

ستقول لي كيف لنا أن نفرط في إرث سياسي مهم فيه التراكم .  ترى ، ماهي أهمية التراكم على أنقاض المباني الآيلة للسقوط . فهناك أزمة أيديولوجية لم يعد هناك من باعث لبقاء روافدها الأولى . فالمستعمر اندحر ..والاشتراكية زالت ..وسلطة الدولة جسدتها مع الزمن ، ببناء مؤسسات وأسباب نظام حكم واع بدوره . فيما الذين كانوا يتصارعون معه لم يعد لهم من دور؟ هم خارج التاريخ .

هنا ستأتي دينامكية الحزب الجديدة كافتعال للتحولات الحزبية مع الزمن والحاجة  ..إذ تحولت كلها إلى مؤسسات ..منتجة للخواء ، مانحة للمناصب للريع والمحسوبية والفساد . كله محشو داخل هالة التأطير والتربية السياسية  وداخل التاريخ (الرمزي والشرعي )لها ..هنا أصبح العيب بارزا لا تمحوه الأكليشيهات ، والحل في ما أكثر من الإصلاح ، والإصلاح تكمن جودته في الهدم . لم تعد الأحزاب المغربية تستطيع التعايش ، أو تحيط نفسها بالقدرة على إنتاج نموذج من خلال فكرة الفوضى الخلاقة التي أبدعتها “كوندوليزا رايس” في الشرق الأوسط الكبير …فالتحولات الأخيرة في المشهد السياسي  المغربي تعني أن طرفا يحمل معولا ويهدم من أجل إعادة البناء رغم ما لهذه الوصفة من نتائج عكسية كبيرة ، وبالرغم من  ذلك لها ما يبررها ولو من جانب واحد . ومحاولة السياسيين البقاء على السطح من المراكب التي تغرق محاولات يائسة..وممارسة الجبن والغباء بإخفاء الرأس وترك الجثة خارجا كلها محاولات يائسة كذلك .

ترى كيف سنهدم ونبني ؟ تلك قصة أخرى ..إنما لو اقتنع الجميع بهذه النتيجة سيقف المغرب على رجليه مرتكزا إليهما لا يستند إلى حائط . مع الحاجة إلى إيديولوجيا تحدد أدواتها وتقرأ حاجاتها انطلاقا من الإجابة على ضروريات الوضع الراهن . الأخلاقية قبل سؤال ماذا سنصنع غدا للعالم كي يرانا..؟

وفي وضع كهذا الذي نعيشه بمحاولات سخيفة من أشباه الإيديولوجيين العجزة لإيقاف نخلة آيلة للسقوط ..لا ينتج سوى الإحباط . ومع الوقت وفي غياب عقائد سليمة ..وطنية ، جديدة ،مؤطرة عالمة . يصبح الفراغ الذي تكرهه الطبيعة قادر على خلق عقائد وجيهة بعيدة عن المأمول والممكن ..تنهل من أدوات ستبتكرها ..في هذا للوضع سنكون أقرب إلى  الإفلاس التام ليس السياسي وحسب، وإنما الإفلاس على جميع المستويات ..سنجد أنفسنا جميعا خارج السرب . وخارج عربة التاريخ ..فالمراكب التي غرقت منذ بداية عصر السفن لحد الآن لا يسعنا في التقصي والتحقيقات العلمية الرصينة  حول كوارثها سوى أن  نضع التخمينات والمحاكاة العلمية لغرقها ..إنما لا يسعنا غير ذلك ..ولا شهادة واقعية لدينا على الأسباب الوجيهة لتلك الكوارث.لأن المراكب بكل بساطة غرقت بمن فيها  في زمن واحد ولحظة واحدة ذابت فيها إمكانيات كيف وماذا حصل بالضبط ؟