افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » أعذروني ف “دماء ودموع” ليس ترفا فكريا .

أعذروني ف “دماء ودموع” ليس ترفا فكريا .

بقلم : صبري يوسف .

أردت قبل حفل توقيع هذا الكتاب أن أقول بعضا من الكلام ، أن أبوح بأشياء ليست من صميم الموضوع ، أن أتقاسم مع القارئ الجو العام الذي شاء الله أن نكتب فيه …

“دماء ودموع “ليست هي العنوان العام المحصور بين الدم والدمع  ، وليست عملا حزينا ، وليست ترفا فكريا أنتجته وأنا “أشرب العصير” .

من جرب أن يكون وراء القضبان في لحظات يستشعر ضمانات الوجود التي تغيب جملة وتفصيلا ويبقى حتى استعراضها أمام البصر ب”الاستحالة الوظيفية “القصوى للذاكرة والمخ  . كنت في الليل العميق أشعر بإحساس يتناسب “ووحشتنا للوطن” ، كنت اسمع العابرين على “حواشي الطريق “وهم ذاهبون إلى السوق ..سوق يوم الثلاثاء ، ويكبر في قلبي الشعور بالضياع كل يوم ثلاثاء  ، كانت صور والدي تلازمني تلك اللحظات ونحن بالسوق ، أو ونحن بالبيت بعدما شاخ وهو يحكي لي عن الإيمان بالله وفرائض الصلاة والخوف من عذابه..

على كل “دماء ودموع” في لحظة مفصلية فكرت في أن أتحدى معها “السجن “، أن أتجاوز القضبان والظلام وبعض  ما يفرضه الضيق ، وملامسة واقع يختلف شكلا ومضمونا عن الحرية ..حتى لو كان أخوك موظفا أو مدير مؤسسة فإنه ليس بإمكانه استشعار أنه يجب أن يقدم لك خدمة “تفضيلية “بمعزل عن الآخرين،  أو أنه باستطاعته أن يجعلك حرا ..القوانين هي التي تصنع الحرية بأحكامها ..الموظفون طيبون ، ويوم الحرية لا ميقات لك  “هناك ” بعد ساعة بروزه من وسط “يومية ” الإحصاء للنهار والليل ..

عندما أردت أن أكتب وجدت المؤسسة بموظفيها وإدارتها في صميم الاهتمام ، مدوني بأقلام ودفاتر ، ومساحة من الإلهام التي يحتاجها سجين لم يتعود على المساس التام بالحرية عنده التي يفقدها الظل كل ألوانها، حتى ولو توفرت شروط الإنسانية وضمنها  أصحاب المكان …

انطلقنا نكتب ونقرأ ، نحمل كتبا كل ليلة بجنون التهامها كلها ..10 فعشرون وثلاثون ومكتبة بأسرها ، ودفاتر وأقلام ..وجنون لا يعادله إلا الجنون ..

تصحيح ،وإعادة صياغة،  وضياع الطفل فينا بين الفصول والأسماء والأحداث في الرواية التي يجمعها “النفق” ..ذلك الذي تقف عنده ريم ..الخروج من العتمة لون الغلاف إلى الضمير الصاحي ..الضمير الوعي المواطن ..إلى الذي كان حالة “سيكولوجية ” للكاتب ..كان بالإمكان أن يكون الغلاف أبيضا  “منافقا ” . إنما لن يكون من السجن ..سأكون كمن بيض حالته ..بل هو السواد إلى النور في النفق هكذا تشكلت الرؤية ..تلك التي لا علاقة لها بترف الكتابة الذي تمنيناه لسنوات طوال ، أن يكون على طرف شط بحري أو في غابة ، أو تحت المطر ، أو بالوادي ، ..حتى الذين قضوا في السجون خرجوا تم تمكنوا من سرد قصصهم . إنما اخترنا نحن بالداخل أن نكتب ، ونقرأ ونبني الذات إيمانا بأنه بمقدرتها أن” تولد” طاقة” بشرية قادرة على غزو الصمت والقضبان والمفاتيح والأحلام الغير مشتركة مع السجين إلا في الخروج ..وعدم قدرة السجان على أن يجد للسجين حلا منذ عهد يوسف النبي أو أقدم .

الصفح فيها أن تبحث وسط أعماقك عن حل” لكينونتك” وتستمر إلى يوم “الفتح ” صابرا متخشعا ..لتتيه مرة أخرى في ترميم من تكون وكيف وماذا؟ وسلسلة أسئلة معلقة تلعب فيها أنت وحدك “دونكيشوت “بعد باب السجن ..وملاقاة الأخر.

“دماء ودموع” ، أردتها وأنا هناك  أن تكون” تصميما “مركزيا في النفس ، بكون الإنسان لديه كل الطاقة لمضارعة المحن ، أردته درسا في التنمية الذاتية ، أردته تجاوزا للخوف والعتمة ، وصمت” الألم” ، و”عطالة الوقت” الذي لا يمر إلا وهو مكثف بالغش و متواطئ ..

في الحقيقة لا يشعر بإحساس سجين غادر لتوه القضبان إلا الله ، أو الذين مروا من نفس الضيق ، في مثل هذه اللحظات تحتاج إلى قوة أكبر” لتني” غلبة الضعف على ضعفك ، وبين الإستقواء بالوقوف ،وتمرد السقوط والنهاية ..تقف الأشياء الجميلة فينا ..قد يكونوا أشخاصا ، أو علامات ، أو أفعالا جيدة قمنا به وأمنت بنا،  هي الركن الذي نتكئ عليه في مواجهة” التصدع الأعظم “ذاك .

“إعادة الاعتبار” والاندماج صعبة للغاية ، و”محو فيض الخاطر” من “إغماء ” تلك الأيام والشهور يحتاج إلى إرادة أكبر من ترتيب لقاءات وتنويه واستشارة وكلام وتصفيق ..

من أجل كل هذه الأسباب، خرجت” دماء ودموع” فيها من الحب والحزن والفرح والقهر وكل الظروف الإنسانية المشابهة لوضع كاتب صنع مجتمعا له داخل مساحة ضيقة وتلاعب بأبطاله،  ورسم لهم آهات ونفحات ومتنفسات ، دون أن يشعر بكونه هو فعلا مقهور وينتمي إلى نفس الجو الباحث عن النفق “الواعي والواعد” ..النفق الذي ينتصر على الضعف ، والحزن والغلبة والجور في مجتمع أبطاله أغلبهم لا علاقة لهم بالكاتب . سوى أنهم نتاج ذاكرة حاولت منذ الصبا أن تصنع مجتمعا افتراضيا ،وهي معززة مكرمة في فضاء الحرية ..إنما لم تنجح ، اللهم نجاحها في غرفة يؤمها  السجين /الكاتب ساعات بعد لحظات الاستراحة لتتبع أي مسار سيرسمه لتلك الشخصيات وأي نهاية ..لمعظمها.

هناك الشرط الفلسفي للرواية ، وهناك الظرف الذي أنتجها ، وتوقيعها هو فرصة لإبراز مؤهلات الانسان في التحدي والصمود ، والإلهام . إلهام الرجال والنساء بإمكانية أن نبدع في الحرية ..مادمنا قادرين على إسماع الصوت وإرباك “القيد ” في “اللاحرية “.

ومن لم يتوصل بدعوة للحضور ولم يحضر فليس العيب فينا ،إنما قد لا نكون توفرنا على طريقة لإيصال ندائنا إليه ، هي ليست “ترفا نخبويا” ، أو مناسبة ما ..هي فرصة لإعادة توظيف القلب والشعور بأن الإنسان لا يجب أن يختفي “وراء الغيوم” ..بل أن نكشف عن هويتنا ، وأن نشرك الجميع في أنه بإمكاننا أن ندخل ونخرج من نفس الباب مدججين بالقوة والقدرة على التماهي مع الواقع دون خدش أنفسنا ، دون إيذاء الآخرين ، وأن نبني معهم بفضل تحدينا مجتمعا لا يلام فيه أمريء كتب عليه أن ينتج في مكان لم يتوقع يوما أن تنتمي إبداعاته إلى فضاءه . إنما ليس عيبا أن نسقط..العيب أن نختفي بجراحنا كي لا يراه الآخرون فيما تؤذينا وتؤذي مع عدم البوح بها قلبا يصبح مفجعا لا يهم في التنمية وبناء الشخصية شيئا .