افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » أعظم ساحر !

أعظم ساحر !

بقلم : صبري يوسف.

ليس هو “بربا شاطر”..تلك السلسة من أفلام الرسوم المتحركة التي شاهدناها منتصف الثمانينيات ،يوم كانت التلفزة تشتغل “بالباتري  ” ،ويجتمع الدوار أو جزء من الجوار لمشاهدة “دجيمي القوية” ..ليالي رمضان ،يوم لم يكن للغضب ولا التعصب بالقلوب أي مساحة .

أعظم ساحر..ليس هو “كريس أنجل “..أحد أكبر السحرة الأمريكيين الذين فصلوا الأجساد ومشوا على واجهات البنايات الشاهقة ،وفعلوا أشياء تبين في الأخير أنها لعب ،وأن الهدف منها كان تسلية الناس عبر العالم ..بدون جرح أحد أو نهش لحم أحد أو أكل رزقه .

وأعظم ساحر ليس هو الذي تغنت به” ديانا حداد” في أغنيتها “الريتميك “… شاطر ياعيني شاطر شعر كلامك ساحر..كل أشعارك حلوة ..إلى أخره .

بالعكس ديانا حداد فنانة عربية  كبيرة ،بأغنيتها الخفيفة الظل ،جمعت عشاقا وزوجتهم بعدما كانوا تخلوا عن بعضهم ،وكادوا يموتون بعيدا عن بعضهم البعض ..ديانا حداد وشاطر جمعت ما تفرق في القلوب باسم الإحساس .

“ديفيد كوبر فيلد” ..أو “هوديني” أعظم ساحر في العالم الذي فضحت أساطيره ،وكيف أوهم الملايين بتخلصه من القيود والأماكن المغلقة ..الأكفان والثوابت والأصفاد الحديدية ..استطاع أن يهرب من كل شيء تقريبا .أدى أعمالا مدهشة ليثير انتباه الجماهير فقط ..كل هؤلاء وغيرهم كانت أغراض السحر عندهم متزامنة وبعض ما يدخل في صناعة الفرجة والتفرد المجتمعيين ،وإثارة انتباه المتلقي ،ورسم البسمة وخلق جو من الأسطورة حولهم ..الأهداف والغايات تطول .إنما لا تسرق من أحد رغيفه ولا كرامته .

وكل السحرة ،غير الذين أعنيهم ،هم السحرة الذين يصبحون بين عشية وضحاها أغنياء .

هم أولئك الذين تعرفت إليهم سنوات طوال ..لا يجدون ما يسددون به كأس قهوة ،أو (براد) شاي ،وبين عشية وضحاها يصبحون أغنى الناس ..إنما كيف ؟

تلك القدرات الخارقة لم تكتب “لهوديني” الساحر الحقيقي المارح ،ولا لغيره من السحرة الكبار ،ولم يتصورها خيال “أجاثا كريستي ” الخلاق .

يكفي في السحرة العظماء جولة في محراب السياسة لأيام ،وبعدها أن يصبروا لأعوام ، وبعدها أن يظهروا بين الخلق لإعادة إنتاج مجتمعي من خلالهم.. ومن خلال مالهم ووجاهتهم وسلطتهم وسلطانهم الذي لم يكن لهم فيه قبل زمن أي من هذه الملكات..

بعض السحرة العظماء تعرفهم أنت.. وأنا وغيرنا كثير..يوجدون في كل مكان ،ليسوا استعراضيين،أي لا يلبسون الأسود ،ولا يضعون القبعة والعصا بين أيديهم ،ولا يضربون برأس العصا على جانب القبعة لتظهر حمامة السلام البيضاء ..والوردة الحمراء ،والمنديل البنفسجي…لا يسلمون على الجمهور ..ولا يهمهم الجمهور..ولا يبالون برسم الابتسامة في نهاية العرض ولا يهمهم تصفيق الجماهير.

هم أعظم من بابل وصور الصين ..وتتجاوز خطاهم كل الصعوبات التي عانيتها أنت لأنك تخاف ..وعاطفي ..وإنساني ..وبشر يريد أن يصيب أكثر مما يخطئ..ولا يريد أن يكون ساحرا إلا إذا طلب منه اللعب مع ابنته الصغيرة بإخفاء وجهه ومن بعد الضحك معها .

أعظم السحرة هم أولئك الذين تسمح لهم المهمات ..مهمات المسؤولية من أصغر منصب سياسي في قرية صغيرة بتعداد ألفي نسمة ..إلى أي مؤسسة فيها رائحة السياسة تدور دوارا على نفسها وعلى بقية الخلق ..إلى مدراء مؤسسات عمومية ..ليس طبعا الكل إنما جزء من الكل ..

بعضهم يعين بمرتب صغير وينتهي عند التقاعد بالملايير السمينة ..وفي سؤال ،من أين لك هذا طبعا عنده الجواب … ! أنا أكثر جرأة في إخراج النقود منك (هكذا جوابه )

السحرة أنواع ،صغار ينتظرون الفرصة ليكبروا ..ومتوسطون ينتظرون الفرصة ليعظموا..وكبارا ينتظرون الفرصة ليستمروا .

لا يكفيك أن تغضب في وجوههم باسم سحرهم ،وصراحتك ..أنهم لم يكونوا شيئا من قبل..ولا يكفيك فضحهم بأنهم لولا “المناصب ” في السياسة لما صاروا ما صاروه ..ولا يهتمون لوعدك ووعيدك ،ولا يسمعون لصراخك ،ولا يهتمون بتصفيقك حتى ولو صفقت معهم .

يصبحون أسيادا ..أصحاب عقارات وشقق ومزارع وراساميل وبنوك ممتلئة ..وخدم ..وملكوت وسيارات .ومن لم تكن له في السيرة الذاتية من قبل “هواية ” أصبحت له بعد المنصب هوايات ..القفز بالمظلة وركوب الصعاب ..والغوص تحت الماء ..وقتل سمك القرش وتدمير الجبال ..وما إلى ذلك .

تصبح لهم نواديهم ..يصبح كل شبر لهم ،بعدما كانوا من قبل حفاة عراة لا شبر لهم ،جوعى عطشى..لا يهمهم التعلم ولا لغات العالم المنطوقة والمكتوبة..بل ما يهم هو ما سحروا به أعين الناس ،فأخرجوا لهم بدل الأرنب ..دموع التماسيح ،حتى تمكنوا وتمسكنوا…هم ليسوا طيفا ولا خيالا ،هم هنا في المجالس الصغيرة والمتوسطة والمجالس الكبيرة ..هم يشتغلون بالليل والنهار باسمك أيها المواطن ومن أجلك أيتها المواطنة ،وفي نهاية المواطنة تجد نفسك أنك باق نفس المواطن أو أسوأ حالا ؟ بينما السحرة العظماء صاروا فعلا هم الوطن .

يصبح لديهم مواعيد خاصة VIP عند طبيب الأسنان ،وطبيب الحنجرة ،وطبيب اللوزتين..وفي صالة “الماساج” والحمامات التركية ..ويسبقونك إلى الحج ،والى زيارة كل مكان ..إلى الشاطئ “الخاص ” ،والمقهى الخاص ،والمطعم الخاص ..والزواج الخاص ..وتتذكر صوتك ومعدتك وقلبك كم نبض خوفا من أن لا يفوز الساحر العظيم الذي كان ساحرا صغيرا ،نفض عنه غبار الجلوس تحت حائط المنازل لدهور..وأعنته بمبلغ لملء استمارة ،وأخذ صورة شمسية ،ومن تم دخل معترك المتعاركين ..وصبر اليوم ،وظفر وأعاد نفسه مرة أخرى وربح رهانك ..

يصبح بين بين ..أي بين العشر سنين من ولايتين أو من تعينين متتالين يكون أفضل ..من منصب سياسي أو منصب إداري ساحر عظيم ..بملايير جلها في البيت ،وبعضها عند الأهل ،وفي حسابات الأطفال الرضع وباسم الكلاب..والحيوان الموجود تحت رحمة الساحر العظيم الذي لم يكن قادرا على إعالة نفسه سنين ،صار قادرا على إعالة حديقة حيوانات “نيفرلاند “كلها .

الساحر العظيم لم يظلم أحدا ،وإنما لم يستحي أحدا ،ولم يراعي لأحد ،دخل من أجل مهمة أسندت إليه وخرج بمهمة أسندها لنفسه ..من أجل نفسه .

تتعب الدولة المسكينة في إعداد الملفات والسجون واللجان ،ومع ذلك باسم المصلحة الخاصة والحنث العظيم ،أن المال ماله ..أرادوا باسم الحسد والغيرة سلبه إياه ..ويصبر على سجنه ويبكي لفقدانه ..ويدعي براءته ..ويحكي ألف حكاية بأنه في الأيام الأولى اشتغل للناس ومن أجل الناس ،وفي عملية يعجز “إينشتاين “عن جمعها ..كان يشتغل باسم الجميع لنفسه وأهله ..

أعظم السحرة ..هم هؤلاء ،وليسوا أولئك الذين جربوا الغوص حقيقة في أسفل المحيطات ..ومع الثعابين وناموا في القبور ..لو بقي “هوديني” وزارنا لعلمه أصغر ساحر في جماعة صغيرة كيف عليه السبيل إلى أن يعزز سحره على الجميع بحكمة أكبر ..وجور وظلم وقتل للمروءة ،وسفك للواجب وبعائدات تقيه شر الفقر ومر الوقت ..وتقلب الأيام .

المصيبة أن هؤلاء جميعا يتذرعون بأنهم كسبوا تلك الأموال بجهدهم ..ويعلمون أنك لا تصدقهم..وأن هذا البلد لا يصدقهم ! ومع ذلك يستمرون بعفا الله عما سلف ..وينظمون مواعدهم ،وتصبحوا لهم مكاتبهم وسكرتيراتهم ..ويتكلمون بهدوء..يحافظون على الغابة ونظافة الجوار بهدوء ..ويسلمون سلاما لينا بهدوء..

وينظرون بهدوء..يسافرون بهدوء ويشربون الماء بهدوء ..وتزدحم عندك ترجمة سلوكهم وتقسم أنهم أفضل حال  في مؤامرة” الهدوء”.

لا يمشون في الأسواق إلا إذا كان ما يزال بالأسواق حشد من الناس عليهم بغوايتهم وسحرهم في موسم للاستحقاقات هو قادم ..وكانوا يشعرون أن أرصدتهم ما يزال عليها بعض الوقت لتسمن مرة واحدة كما يسمن خروف العيد ليخرج به مالكه إلى السوق ..فإنهم يعودون إلى تلك الأسواق ويلبسون لباسهم الأول ..ويعطفون ويبكون ويشكون ويعدون ويتوعدون..يصرفون ينفقون ..وبمجرد نيل المراد ينتهي كل شيء وتعود العامة إلى ديارها المصعوقة بسحر أعظم السحرة الموجودين في كل مكان .ليس تعميما إنما جزء مهم من هذا النوع يعرفهم فيه الناس ،أقربائهم معاونيهم كتلتهم التي أوصلتهم ،أو إذا كانوا موظفين مرموقين كالذي ضبط بالمقهى وهو يهم بأخذ ناصية 12  مليون سنتيم رشوة ..ومليار وأكثر ببيته ..بعدما جمعه وعرف كيف جمعه وعده وتوعد بالإضافة عليه .

يوجد من هؤلاء بباب السياسة كثير وبباب المناصب كثير..هذا يشتري عقارا ليشيد عليه تجزئته باسم جدته أو أمه أو عمته انتقاما لفقره ..والأخر بشراء هكتارات وتحويلها إلى مزرعة ،باسم أي حيوان من الحيوانات الأليفة ،لأنه عليه أن يختفي فيها صونا للعرض..ذلك العرض الذي إذا فضح فإنه لا يستر..إلا الذين أغناهم الله من فضله..وجاؤوا من أسر غنية وماض فيه جهد وكفاح ،فإن كل شيء هنا لا يجرح السماع …لشاطر شاطر يا أعظم ساحر بل نسمعها معه باسم الطرب والحب والإحساس.