افتتاحية

  • هجوم القاعة .

    بقلم : صبري يوسف. في أكثر من فيديو يبدو أن أوضاع المجالس المنتخبة سائرة في التحول وليست كلها بخير ؟ ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » أمام الجامعة .

أمام الجامعة .

بقلم: صبري يوسف.

جلست لتوه بعدما قطعت سبعين كيلومترا من مدينة ابن جرير إلى ذلك الكرسي” لبلاستيكي” الأبيض ..الذي تعودت أن أستريح عليه قبل دخول المحاضرة.

توجد محلات أمام الكلية توفر الطعام والشراب والمطبوعات وأنواع الدروس من كل التخصصات العلمية . وهناك يلتقي الطلبة من جميع الجهات المنتمية تقريبا إلى جنوب المملكة .

يتبادلون الحديث والكتب والمعرفة العلمية وشرب الشاي ، وأكل ما جادت به المحلات التي وجدت لأن هناك حاجة لذلك الوجود ؟ ولأن مالا سيربحه المستثمرون هناك على طول ذلك الشارع الذي يفوق فيه عدد الطلبة 30 ألف أو يزيدون .

جلست وأخرجت قنينة ماء من محفظتي التي اشتريتها يوما بالصدفة من محل تجاري ، وبالصدفة وجدت مكتوبا على جيبها هذه العبارات بالانجليزية.

Trust as little as possible in the future be inspired

وأنني كنت بعد شهور من الجهد لم أنتبه فيه إلى ما أحمل مضمونه من المكتوب إلا خلال نهار مشمس وقرأته وشرحته وقلت هذا فأل حسن ، أوكي .. دعوة “تجارية ” بلمسة من “التنمية الذاتية” للوثوق في القادم.

كنت أعد الدقائق وقد وصلت مبكرا ، منتظرا جرس 12 عشر من أجل حصة من ساعتين ستنتهي حدود الساعة الثانية بعد الزوال  ، على ذلك الكرسي  رحت أتأمل حالي ، أتأمل ال44 سنة التي أجر ورائي ، وهذا الزمن ، وهذا المشيب ، وهذه الأفكار المؤمنة بالتعلم ، وهذا الجو الجميل ، وتلك البقع البيضاء في قلبي لكل شيء ينطق معرفة حتى لو كان ورقة تسوقها الرياح إلى الخلاء ..تذكرت “جان فالجان ” في البؤساء الذي يحترق ليعيش غيره  ، تذكرت “مي زيادة”  و”النبي” لجبران خليل و”راقصة المعبد” لتوفيق الحكيم  و”اللص والكلاب” لنجيب محفوظ وغمرتني شعاب الرواية والنصوص والأبطال كما يحدث معي يوميا وكل حين ريثما أخرج من عمل قرأته.  تذكرت لطفي السيد أفلاطون النهضة العربية وتذكرت “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية ” التي أنتجها ضميره سرعان ما تخلى عنها ليهاجم طه حسين بعد حين في قضية “الأدب الجاهلي”   ..أتذكر أي شيء قرأته قريبا بما يشبه “الاستعادة ” ،استرجعت الساعة والنصف بين بيت أمي عائشة ومشاوير التنقل إلى هذا العالم “الغرائبي ” الجميل ، عادتي أن “التقط ” المشاهد أمامي جيدا ، وعادتي أن أدون ولو على قطعة ورقة  منسية ما أشاهده ، وعادة أحب الإشباع البصري لأنه مادة الكاتب ، ورحيق السرد والخيال والرواية ، وأعتقد أن أبطالنا في “الأدب ” نحملهم من الواقع ،منه إلى التراجيديات أو الميلودراما أو الفرجة، ونعيدهم إلى القارئ أبطالا إما مسحوقين أو مبالغ في سحرهم وثرفهم وعبقريتهم .

كنت حيث أنا تمر أمامي السيارات والبشر ، ألفت الكرسي الذي أجلس إليه كل مرة وعندما يتصل بي زملائي الذين باتوا إخوة أجيبهم بهذه العبارة  المقتبسة من مذيع للأخبار  بالفرنسية على شاشة مغربية  لطالما استهل إذاعته ب Même heure ..même endroit فيعلموا أي مكان  أنا موجود.

بينما أعيد سيناريو تقلبات هذا الوجود ، بين الرغبات الدفينة وتلك التي نعبر عنها ، وبين النسيان وجدارة الأفكار المثالية التي لا تقبل أن تسحق ..العتيدة  الملهمة ، وبين الكثير مما يقدمه علم النفس بمختلف فروعه لو أردت اكتشافه. وطبيعة الإنسان المتفاوتة الرؤى والرغبات والحرص والمفاجآت..الحقيقة والكذب وما إلى ذلك من عموم السلوك حتى المخفي منه  .

في هذه الأثناء التفت يمينا ، ورأيت سيدة في عمر الستين  أو يزيد ،متعبة الحال إلى درجة يبدو أن الموت يتسكع في جسدها قبل الموعد ، طويلة القامة ، علاها الجفاف ، واغبر وجهها لدواعي المرض ولو لم تكن قد بخلت عنه بالغسيل . كانت ترتدي جلبابا يميل إلى لون “الجفاف ” كأن لا لون له ، مع الزمن والبحث قدرا يسيرا في الفهم ، تيقنت أن الاقتراب من فقدان الأمل لا يجعل الفرد يهتم إلى الألوان الزاهية ولا إلى قيمتها  للرغبة في الموت بما يعني أن لون السواد لون فعلي للألم  والإحباط.

كانت تمشي ببطء وتجر وراءها المرض ويجرها كذلك إليه ، وتتكئ على ساعد فتاة تبدو برفق عضلات وجهها أنها ابنتها تصطبر بحكم الأمومة لأمر الله  ، إنما في الجانب الأخر هناك الأمل ، هناك النور الذي سيظهر بين لحظات وسط الزحام ، هناك ما هناك ..وهناك ألف حكاية للحب تصنع في القلب.

لحظات كانت شابة جميلة بلون الورد شهر أبريل ترتمي في أحضان هذه السيدة ، التي جاءت لرؤية كبدها على ما يبدو أو تواعدا بلقاء فيما هاهنا ، ليس هذا فحسب وإنما جلسوا ثلاثة بهن ، وكانوا جميعا أقرب مني إلى السماع،  لأن كرسيي كان محاذيا لأصواتهن ..رنينهن، ولو تحاشيت أن أتسمع أكيد سأسمع . وما أكاد لأبدي لأنهن قريبات من هذا السماع العام بينهن حد إشراك الجميع بما يشبه رسالة “مؤمنة ” عليها طابع الأمومة والطهرانية  والحكمة مفادها إلى الجميع .

قالت الأم لابنتها : كيف حالك ؟

ردت عليها نعم أنا بخير أمي .

وسألت البنت والدتها عن وضعها الصحي ، وأيقنت أنها فعلا تعاني ، وقد تكون طوت ساعات من السفر إلى مراكش ، ووراءنا يوجد المستشفى الجامعي المتعدد التخصصات ، يأتيه المغاربة المنتمين إلى هذه الربوع ، إلى أكثر من جهة يأتيه المرضى..كان الكلام بين هذه الأسرة فياض  ، كانت نبرة الحنان تفيض متمسكة بصوت يخرج متسامحا ، متألما لأنه مريض ، وقويا لأنه يريد أن يقول لتلك “البنية ”  عليك ببدل الجهود فغدا لناظره قريب ؟

تمنعت عن السماع إلا أن السماع فاض ، كان حديثا ذو مواقف تعبيرية تواقة إلى البدل والعطاء والإصرار بالفهم من حيث تدري البنت تلقاء والدتها .

كان الوقت يقترب مني للدخول ، وقد اتصل زملائي بي ، وفجأة وقفت الأم وابنتها التي عند ذراعها الأيسر متمسكة ومستمسكة ، وابنتها التي في الأيمن واقفة ..تعانقا بعنف وبكت عيونهما ، تصافحا كثيرا ، وانحنت على كف والدتها النحيفة مقبلة ،و ريثما استدارت الأم  بدا لي وجهها  بالكامل جامدا مليئا بالوقار والحياء والاستقامة  والدموع، إنما عيناها غابتا في الأسئلة الوجودية لتفسير زحف النهاية ! أو الموت القادم ..أو أشياء من فوضى لحظات الذعر إبان عبث المرض .

وقفت وقد وصل من انتظرتهما ، وأخذت الأم تطوي طريقا” يبسا ” نحو الشرق وابنتها إلى الغرب ، وأنا قد سلمت واسترقت أخر المشاهد ..كانت الأم تلتفت والابنة تلتفت ..ودعا بعضهما وداع من هو مسافر إلى “لبلاد ” وأخر عليه أكثر من مسؤولية .

لم أفهم إلى أين المسير ؟ مسير الأم ولا مسير الفتاة الشابة بما عليها من الجمال واللباس والأناقة وتناقض الصور ..صورة والدتها التي لا تشبهها في الصورة ..أم أن المرض ينزع حلية الصحة وكل القمم عن صاحبه ؟

وأيقنت أن المظاهر خادعة ، وكنت أعلم ذلك قبل نحو من الزمن   ، إنما الذي علمته أن الجامعة مهد الحرية ، ومحاضراتها التي تخرجك من تحت إبط وصاية الجهل يوجد أمامها مستشفى كبير يأتيه الناس من كل مكان  في الضيق.

أيقنت أن التعليم والصحة يجابهان نفس المصير . ولو وفرت الجامعة انتشارا مفاهميا نظريا فالواقع شيء آخر ، والصحة كذلك تجابه نفس التحدي  .وإلا لماذا كان اللقاء على كراسي باردة أمام الجامعة بين سيدة عليلة وابنتها التي لا أدري ماذا تشتغل ؟ ووراء الأم المريضة أكثر من عشرات الأميال  من الطريق ..وعنف العربات والازدحام والتنقل والعرق والعذاب .

تم لماذا لم تدعو الشابة أمها إلى المبيت حتى واللقاء حارق متأزم ؟ أيقنت كذلك أن الكثير لا يجدون مأوى كريما من أجل ضيافة آخرين ولو كانوا أعز الناس ؟ في زحمة المدن والشقاء تزداد تحديات الإنسان السكنية والصحية والتعليمية والعاطفية والإنسانية  ليبقى كل شيء نظري يرثوي من المعاناة فقط في غياب الحلول.