افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » “أمراء” الأحزاب بالمغرب.

“أمراء” الأحزاب بالمغرب.

بقلم :صبري يوسف .

لنتخيل أنفسنا أشخاص عاديين؟ تخيل نفسك لا تفهم في السياسة أي مفردة ، وأنك مجرد شخص تائه في هذا البلد ، وأنك لم تدخل المدرسة قط. وأن والدتك جاءت من القرية إلى المدينة لرعايتك بعدما ماتت جميع فرص العيش هناك ، وبعدما اشترى مالك من أهلها ملكهم وهجرهم .تخيل نفسك أنك ركبت في ليلة ماطرة سيارة دفع والدك ثمن حمل متاعكم القليل وسارعت بكم إلى حي “قزديري ” بالمدينة ، وسكنتم هناك ..كبرت أنت بين أقرانك وإخوتك ، وجربت كل شيء من أجل الخبز .

وأن الحياة جمعتك بالناس في أكثر من مشاهدة ، في أكثر من “كتابة بصرية ” ..جربت كل المهن ، إلى يوم أن قوى عودك وفجأة أصبحت قادرا على الاشتغال بشركات الآمن الخاص ..وفي يوم من الأيام اختير الفندق الذي تشتغل فيه أن يعقد فيه حزب مغربي مؤتمره ..على فكرة مؤتمر معد سلفا .. !!معلومة نتائجه ..تخيل وأنت في موقف السيارات ولأول مرة تشاهد بأم عينيك تلك السيارات ..وهي تطحن حصى المواقف تحت عجلاتها طحنا ..وهي سيارات بمئات الملايين ..وأنك لم تشاهد مثلها من قبل إلا لنجوم السينما على البساط الأحمر أو للرياضيين الكبار الذين يلعبون لأندية عريقة بالعالم . تخيل كل ذلك بعدما بات لديك مزيج من فهم سياسة بلدك المغرب إلى أين تمشي ..؟ من يوجد في الأعلى ومن بالأسفل ..تخيل كيف ستؤمن بالأحزاب المغربية..؟ إلى أي مدى ..؟والى أي حد ستتفهم أن السياسة في المغرب تصنع الثروة والجاه والسلطة والنفوذ وكل ما لا يخطر على بالك . تخيل كل هذا وأنت تقطن بحي “قزديري” وليكن مثلا حي “احسيبو” بالدار البيضاء الذي ينتظرك بعد المساء رجال السلطة فيه والقوات المساعدة لحمل متاعك والذهاب إلى حيث تريد ..تخيل أنك ستعود إلى حي احسيبو وعليك أن تصرخ كما تشاء..أن تستنجد بمن تشاء..أن تقول ما تشاء ..المهم عليك المغادرة ولو كنت هناك منذ أربعة عقود أو خمس ،فالوعاء العقاري مهم وعليك مغادرته لأنه سيصبح حيا سكنيا بألف فرصة سكن للذين ينتظرون أن تغادر .

تخيل أن حنان طالبة جامعية جنا عليها الفقر ولم تعد هناك مساحة متشابكة بين الأماني ونصوص كراسي الجامعة وحديث الدكاترة عن “الديمقراطية” والأنسنة” والحكامة والانتخابات ..وفجأة أدركت حياة أن لا حياة لمن تنادي ، وأن الاسم الذي حملته أخطأ فيه والدها .لأنه لا توجد حياة سواء بالجامعة أو بالدرب أو تحت القبر بالنسبة لحياة وهي عينة للملايين من الحالمين بالحياة ..؟ !

تخيل نفسك أنك نائب رئيس جماعة “لكريمات ” بالصويرة ،وأنك تعرف كيف تعد النقود عدا بدون خطأ..وأن 200 درهم فعلا كانت ناقصة من مبلغ 20 ألف درهم رشوة..تخيل كم يجمع وكم جمع رؤساء الجماعات ونوابهم من مجموع الجماعات الترابية بالمغرب والمقاطعات طيلة 40 عاما .؟؟ تخيل أن هذا مجرد نائب الرئيس، أو؟أنه فضح كيف يشتغل الخليفة ..خليفة القائد ؟ولو ترك له عنان الحديث لوصل إلى جهات أخرى متربحة من المقاولين والعقارات والأراضي والامتيازات ..بأسماء أحزاب وما إلى ذلك .

تخيل هذا الأسبوع أن أمينا عاما ..يحركه “شبق السلطة” إلى حد مفرط .. وأنه يريد أن يخلد اسمه في “غينيس” أو في أي مصيبة تحفظ له أن العصر الحديث تساوى فيه أدمي مع آلهة الشمس والنار والبحر والقمر بمصر القديمة ..زد عليه الجاه والسلطة والثروة.وتخيل أنك مرة مرة تبدي كرهك للوطن وتعود لمحبته . وبين هذه المشاعر والمواعيد والخلاصات ، تتذكر المعاناة ..إخوتك الذين قضوا في البحر ، أمك وأمهات قضوا في المشافي بدون دواء ..فرصتك في الشغل والتعليم والصحة تبخرت وها أنت عليك أن تغادر دوار “احسيبو” من أجل الذين يريدون بناء مساكن عليك أن لا تشاهدها..

تخيل أنك أحيانا تتاح لك فرصة سماع الخطب وقاموس من المفردات “السائبة ” من السياسيين في المؤتمرات والندوات واللقاءات التلفزية ..فتبكي معهم ..وتؤمن بكلامهم ..وترعى قولهم الذي قالوه والدمع يفيض في عيونهم .

وها أنت هذا الصباح تحضر حارسا للأمن الخاص بموقف السيارات أمام فندق مصنف ..وها أنت تنظر إلى تلك السيارات تشاهد في زجاجها وجهك المغلوب صافيا بHD ، وتصادف الذين كنت تشاهدهم على التلفزة وتحبهم ، هاهم الآن أمام عينيك لا يلتفتون إليك ..وهاهي أرقي الألبسة والعطور تمر من أمامك ..وأمام عينيك إلى مؤتمر حزب ينتج في الأخير نفس الميزة..التوريث والاستمرار ومقاومة التغيير ..وها أنت تشهد بأم عينيك أن الذين كنت تراهم قبل عقود من خلال التلفزة يتحدثون بدغدغة مشاعر الأغلبية الساحقة هم أنفسهم ..أعينهم..فقط ازدادوا  ثراء ،وفجوة بينهم وبين الذين سمعوا خطابهم قبل عقود ..فيما تلك الأغلبية لا تزال هي نفسها بنفس حالها وأحوالها ..إنهم حقا أمراء الأحزاب ..يتوالدون ويورثون ويغتنون ويتعددون ويحكمون ويلزمك أن تغادر دوار احسيبو.  وأن تهرب إلى البحر كمغلوبو قوم موسى..وأن تنتظر قناصا ليقتلك ..وأن تختار صوابا أخر ..بأن تموت جالسا أو واقفا لا يهم ..

ها أنت تشاهد بأم عينيك كم تغيرت ..كم ازددت فقرا وتعاسة ولبسا وآلما وضغينة وحقدا على نفسك ، شخت وكبرت فيما للأحزاب بالمغرب توريث وتناوب وترتيب من قبل ومن بعد .. شباب بعد مشيب ..تدليك  بعد تعب ومدلكات ..”مانكير وبيدكير “..حمام  و”سوان دوفيزاج” .فيما أنت عليك أن تتق بنفسك وترمي أوراق التصويت  ليتغير حالك ؟؟ لتأتي في اليوم الموالي للوقوف إلى جوار الرصيف وتشاهد نوع وحجم ورفاهية تلك السيارات التي لا تخرج إلى العلن إلا بمناسبة المؤتمرات ..فيما بقية الأيام بكاء مع الراعي ..هذا الراعي الفاقد لكل شي..فلا بأس أن يبكي معه الذئب ..لأنه بليد وقدره أن يبقى بليدا..أن يرمي أوراق التصويت كاملة ..من أجل أن يتحرك بعد لمشاهدة كيف تفعل فعلها في موقف السيارات عند الفندق خمس نجوم ..وكيف انه غير ملزم لها موت حياة ولا واقع دوار احسيبو ..ومن قال ربما قد يكون لبعض أمراء الأحزاب يد في دوار احسيبو وغيره من الوطن.