افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » إعصار ايرما أو “ثورة المياه ” بأمريكا .

إعصار ايرما أو “ثورة المياه ” بأمريكا .

بقلم : صبري يوسف .

تعيش الويلات المتحدة الأمريكية أسوا أيامها ..يضرب إعصار ايرما مدنها وسواحلها وهو يعبر إلى باقي القارة . لا تهمنا هنا دولة الباهاماس ولا باقي البلدان التي سيفتك بها فتكا حينما يحل بها ظلام الليل أو فلق الصبح.

الولايات المتحدة الأمريكية أقوى بلد في العالم ، أكثره تصنيعا ، أكثره اتساعا بين شرقها وغربها ، أكثر البلدان تنظيما ، وأمنا وسلامة ..الولايات المتحدة تسيطر على العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية ..وستصبح القوة الأولى بعد سقوط جدار برلين وفشل “البريروستريكا ” بين يدي الرئيس السوفيتي “ميخائيل غورباتشوف.  أخر من تحمل إرث ثورة روسية منذ 1917 ، وهي تنهل من الاشتراكية العلمية بكل ما حملته من الرجات والأعاصير في العالم حينما انقسم إلى شطرين بين الكرة الأرضية لقرابة قرن من الزمن  .

الولايات المتحدة بعد كل هذه العقود ستقود العالم بسلمه وحربه ، بسلامه وحق “الفيتو ” فيه الذي لا يلزمها رأي باقي المالكين معها لنفس الحق ، الدولة التي تبني العقوبات وتتجاوز قراراتها الأمم المتحدة وأمينها العام والجمعية العامة منذ 45 ، البلد الأكثر ثراءا ، عنفا ، قوة ..البلد الذي يعني ما يعنيه أن يحمل مواطنوه جواز سفره الأقوى بين باقي جوازات العالم قدرة تتجاوز حدود كل بلدان المعمورة بدون الحاجة لتأشيرة .

هذه الدولة العظيمة تعيش اليوم أسوأ حالها ..لكن قبل هذا وذاك علينا أن نفهم شيئا وحيدا،  هو أن الأمة الأمريكية لم تكن من خلال الجرد السابق البسيط تحتاج إلى من يبكي محنتها ..تنقلت بين تعاليق الفايسبوك ..فيديوهات الإعصار وهو يضرب ولاية فلوريدا بعدما اكتسح مدنا أخرى على الساحل ..قرأت تعاليق من هنا وهناك ..استمعت كثيرا لتفاسير الناس حول الإعصار ..حول دماره ..توقعات البعض بنهاية أمريكا ..زوالها ..غضب الله عليها ..محنتها بحكم أفعالها ..هناك شروح دينية وأخرى عفوية وأغلبها في تقديري الخاص لم تسأل سؤالا وحيدا .

ماذا يجعل أمريكا دولة قوية  لحد الساعة ؟

رجاءا ، إننا مع كامل الأسف ننطلق من تحليل نمطي لا يراعي إبداء الرأي الشخصي بقواعد المنطق وحرية في الاختلاف ، نحن نسلم  بشيء اسمه “مركب النقص والدوينة ” اتجاه الأخر بحكم مجموعة من الأمور  ..مصيبتنا أننا لا نتمعن كثيرا في مشاهدة الصورة قبل إصدار الأحكام ، التي تفيد في فهمنا للواقع وتجريده من الغيبيات ..من الكلام الغير منطقي ..إننا لم نستطع إلى غاية اليوم بناء رأي أو إصدار موقف بعيد عن الاتكال “الفكري ” لما يصدره الآخرين ويصبح القاعدة عامة غير قابلة للنقاش ؟؟

على كل ،الولايات المتحدة لحد الساعة لم تطلب عونا من أحد ، لم تطلب مساعدة من أحد ، الأكيد أن رئيسها ملا حقائب من ثروة الشرق الأوسط بأكثر من 400 ملياردولار ..والأكيد أن الأساطيل الأمريكية تحرس الكرة الأرضية جميعها ..والأكيد أن أمريكا تسيطر على بلدان منتجة للنفط من خلال صناديقها السيادية في الأبناك العالمية ..والأكيد أن الدولار العملة التي تحرك العالم وراءها الأسرة المالكة للبنك العالمي عائلة “روتشيلد ” ..والأكيد أن العقوبات والمديونية تتحكم فيها بالتعدي الولايات المتحدة الأمريكية من خلال مؤسسات ائتمانية كبرى تسيدها على العالم .

إلا أنه ومهما قلنا فالدولة العظمى في العالم ظهرت أكثر تنظيما ..اتزانا ، مواجهة لقوة تتجاوز إمكاناتها العسكرية والمالية بعقل يبعث على أن هذه القوة لم تحكم العالم من فراغ ..من يستمع إلى حاكم ولاية فلوريدا وهو يدعو الساكنة إلى أن ترحل عن المدينة في نظام وانتظام يعني ما يعنيه . البلد الأكثر نفوذا في العالم بحكم “علوم بالمناخ “استطاع حماية مواطنيه عبرخروج آمن لأكثر من 20 مليون مواطن نحو الجهات الأخرى..نحو الفنادق التي قال حاكم الولاية أنها ستكون معدة لاستقبال الفارين من غضب الطبيعة ..الطرقات الأمريكية high ways استطاعت حمل الجميع على مثنها ..أي نظام هذا .. أي طرق هذه ..أي مؤونة هذه التي وفرتها أمريكا في ولاية فلوريدا لشعبها كي لا يضيع..

إننا ملزمون بمتابعة الأحوال الجوية بأمريكا من أجل قراءة مفيدة لأسباب القوة والعظمة لهذه الدولة بعيدا عن الفهم السطحي ..لأشياء حتى بمنطق من اعتبروها عقابا لا تجوز .لأنه الغيب ..والغيب من اختصاص الله  والعقاب كذلك .

أمريكا ضربتها أعاصير منذ عقود ، وشعبها وساكنتها لاقت لسنوات مصائر مهولة من جراء أعاصير كثيرة ..”كاترينا “يوم أغرق ولاية “نيو اورلينز” ، وهارفي وو ..لكن النتيجة الأهم .هو أن أمريكا تبقى دائما قوية وتتصدر العالم وتحكمه وسيطر عليه .

تخيلوا بلدانا على الكون تعيش لمرة واحدة إعصارا كايرما ؟

تخيلوا بلدانا من التي تتفرج ويتفرج مواطنيها على شوارع فارغة من ولاية فلوريدا تركت لغزو الماء ..لرياح الماء ..زوابع الماء ..لصوت الرعد والبرق ..تخيلوا مثل هذا في قطر من الأقطار ؟

إعصار أمريكا امتحان للبلدان المتخلفة كي تعرف أن الفرق بينها وبين هذه الدولة يتعاظم في الأزمات  ..أمريكا تعتبر حقوق الإنسان والمواطنة أولى من الشوارع وناطحات السحاب . لذلك قبل وقوع الكارثة وفرت كل شيء لنزوح آمن حتى تنتهي العاصفة ..تم تتكفل هذه الدولة التي يهمها الشعب أن يبقى على قيد الحياة ببناء الباقي ..أمريكا توفر الحماية لشعبها …حقوقه في الغداء والتغطية والسلامة والأمن ..أمريكا دولة ديمقراطية لا تميز بين مسلمي فلوريدا ويهودها ومسيحييها وسيخها وبودييها ووثنييها ..كلهم مواطنون أمريكيون في السراء والضراء  سواء ..أتعجب لمن يعتبر الأمر عقابا وينسى أن الله في كل مكان ..وحتى بمنطق “العقيدة ” أن هناك أمريكيون مسلمون وأكثر صفاءا من الذين يصدرون الأحكام ويتمنون مزيدا من الصواعق..

أتذكر مقطعا لناس الغيوان وهو ما نختم به “…ما هموني غير الرجال إلى ضاعوا أما الحيوط  الى رابو كل يبني دارو “..مجموعة أسطورية سبقت تاريخ العقل العربي في نقده بسنين  ..لذلك لم يأتي المخرج الكبير “سكورسيزي” في العشرية الأولى من هذا القرن  من أجل الاحتفاء برواد العقلانية الكبار .

فالإنسان هو المهم ..هو الحضارة ..هو سلطان الأرض ..أما الزلازل والأعاصير فإنها لا تؤدي كبريائه أكثر مما يؤديه إجهاض الحرية والحقوق المعتبرة تنزيلا  قبل أن تصبح لدن البعض تأويلا وهنا يكمن الإعصار الأكبر ..أو المعصرة الكبرى .