افتتاحية

  • الدرس الكاتدرائي.

    بقلم : صبري يوسف في الواقع يبدو أن الإنسان مطالب بالصمت كاختيار ليس استراتيجيا، وإنما لأنه تمليه الظ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » الأمية والثقة بالنفس .

الأمية والثقة بالنفس .

بقلم : صبري يوسف .

“..كل ما تحتاجه اليوم للنجاح هو أن تكون أميا وواثقا من نفسك ” هذه مقولة للروائي الأمريكي  الساخر مارك توين ، وهو الذي عاش بين عام 1835 و1910 .

هذه المقولة بالنسبة للزمن النفسي الأمريكي كان من المفروض أن لا تكون قاعدة لمجتمع يتجاوزنا بالكثير من السنوات . أمريكا التي قدمت منذ مطلع القرن العشرين صناعات مذهلة ، واختراعات ، وعلوم اجتماعية كبيرة ..إنما يظهر من خلال مارك أنها حتى هي سادت فيها هذه القاعدة التي نتقاسمها معها اليوم على بعد عقود كثيرة .

فتعبير مارك الساخر يجسد بنية المجتمع الأمريكي التي حكم من خلالها مارك توين سلوكيات قوم ينتمي إليهم ..ومع الزمن صارت محددا عاما في الجزء الشرقي الجنوبي من المحيط الأطلسي ووراء غرب أوروبا ..

تكاد حياتنا العامة تسقى من نفس الآنية ، النخب التي يمكنها أن تسهل الحياة عن ساكنة هذا الوطن تنعدم . ويظهر في هذا الفراغ الأميون الواثقون من أنفسهم في كل مجالات الحياة ..تجدهم في الأحزاب السياسية ودورتها، تجدهم في الحياة الثقافية والاجتماعية ويؤطرون المجتمع المدني،  ولا تكاد تخلو بقعة من البقع إلا وسطروها بأقلامهم وأفواههم وسلوكاتهم وجباههم  ..

السؤال المحرج هل سيأتي زمن إذا اعتبرنا 1900 هي المحدد لننتظر مائة سنة أخرى كي نرى غير هذه القاعة مقياسا  . وهي التي تتغذى من عنصرين أساسيين ، الأمية بطبيعة الحال انعكاس لواقع تتداخل فيه البنى الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية  ، هي إفراز لمرحلة بشموليتها ..تم تنظاف إلى هذا العنصر الثقة بالنفس ..يا إلهي من يجعل من الأمي واثق من نفسه . تم كي يتوفق وينجح .

هناك حالة من الاغتراب ، يعيشها المثقفون ، العالمون والعارفون ، وهي التي تحدث عنها غرامشي في دفاتر السجن ..المثقف العضوي الغائب.. لأن عنوناه البارز هو “الترفع ” والاستنكاف عن أفعال مجتمع لا يريد أن ينزل إليه . ذلك الفراغ يغري العامة التي تشعر بإمكانية ملء فراغه . بإمكانية تتويج الفراغ بحضور الأمي الواثق من نفسه لاستعادة الغير متوقع بالنسبة إليه كنجاح داخل حظيرة يصبح بالنسبة إليها المفكر فيه رقم 1 .

في الحالة العربية يهرب المثقفون بعيدا ، ويتبعهم الذين يجتمع فيهم الحس المعرفي مع القدرة على تجاوز (آفة) الوطن بعيدا كذلك . ويبقى أولئك الذين وصفهم مارك بكونهم أميون واثقون من أنفسهم لريادة الجماهير . استحضر هنا غادة السمان حينما صدمت بعد هزيمة حزيران لعام 1967 ،” النكسة ”  فغادرت وكتبت مقالها الشهير “أحمل عاري إلى لندن ” الهروب عوض المواجهة . المثقف العضوي والمستقل يصبح في الزمن النفسي والحركي لمجتمع ما أسيرا لا يمكن معالجة انطوائه الشاذ عن الحالة السيئة والعادية القابلة للشفاء .. هذه الدواعي المزمنة تمنح الآخر المتمثل لنفسه قادرا على المنح والعطاء قوة . لتولية المهمات التأطيرية والتنظيرية ، يؤسف أنني أعرف الكثير من النخبة العالمة التي صارت مع الوقت تهتف وراء “الشعبوية ” ووراء الأميون الواثقون من أنفسهم ، بل وتجتر أقوالهم وتفرح لأفعالهم وتهتم لحركاتهم ..في الحين الذي لا يملأ عادة كرسي أحد غير حيزه الجسدي المركب  ..لم يعد الأستاذ ذلك الذي كنت تريده ، ليس تعميما وإنما الحال ، ولم يعد الطبيب هو ذاك الذي تحلم رؤيته ليس تعميما وإنما الحال ، وواقعه ، ولم تعد نخب أخرى تأتي إلى الكراسي من تفاعلات قوية مكتفة لا تسمح بالانسلال العرضي لأي كان . وإنما من خلال تمحيص شديد ..لذلك فإنه علينا أن لا نغضب ، وأن لا نتعقب السيل للوقوف على بداية الماء الذي نشربه إن كان ملوثا ، بل قد يكون المنبع صاف إلا أن ممرات السيل الطويلة تصطدم بالعفن في الطريق وبالملوثات ..

نحتج اليوم على العنف في الشوارع ، عل كثرته بين الأبناء ، والأطفال ، نغضب للانحرافات الحاصلة في مجتمعنا ، للاستغلال ، ، لأوجه الاختلالات التي أصبحت تخيفنا .وننسى أن هناك شرخا حصل في العملية برمتها ، وان البناء التراتبي للمجتمع وهرم السكان فيه خلل في نقطة ما ..لم تترك المعلم يقوم بدوره ولا رجل الدين يقوم بمهمته ولا أيا كان يفعل المنوط به ..

هذا هو الأمر الاستحالة..لا يمكنك أن تنتظر من الأحزاب ولا الهيئات المدنية والمجتمع أن يقدم لنفسه النصح بنفسه . يحتاج الجميع إلى استعادة التوازن القيمي للأشياء . أن تحمل المعاني معانيها وليس العكس . أن يوسم الأمي بأنه أمي ويقبل حضور الصراحة ، ولا عيب في أن يتطور ، وأن يقبل السياسي المتحجج “بالثقة” في نفسه بدون معرفة أن عليه العودة للخلف لاستحالة استمراره ، وأن نقدم الأجود ، فطبيعة المثقفين والعارفين أنهم “يحبون ” الحجاب ، أن يتوارون إلى الوراء بوجود العامة  . تلك علاقة سرمدية بينهم والمجتمع . لذلك لا عيب أن يوضع الناس في أماكنهم الحقيقية .

وإلا فإننا في الزمن القادم سنعيش أطوار الأفلام التي لا نحب أن نراها إلا على الشاشة ، تلك الصور المأساوية التي تقتل القيم ، لا نريد يوما أن نكون “حالة ” في قاموس مارلون براندو وآل باتشينو في فيلم “العراب ” god father  ، حيث يغلب مفهوم العنف والعصابة على مجتمع اختار بنفسه قتل الاسمي فيه . كما لا نريد أن نرى أنفسنا في البكاؤون the wailers  للفنان الكبير “بوب مارلي ” ، ولا نستسيغ أن نرى العبث في حياتنا كجرعة أفقدت روح الأمل في حياة إيقونة الغناء العالمي “ايديت بياف ” وصوتها القادم من الحزن في Ne regrette Rien ..أو أن ندفن حزننا كما فعل فنان قدير اسمه جاك بريل وهو يغني عرقانا Ne me quitte pas   مع أنها العاطفة.  ولكن كل شيء يخرج من العواطف ويعود إليها سواء كان حزنا بحب أو قرحا بجريمة ، ولا نريدها أحزان مجموعة وهي تغني بصرف النظر عن أزمة وطن آنذاك ، أغنية تعني في القاموس الإنساني العام أن المهمين والملهمين ليسوا بالسهل نسيانهم ..”أش بيك دارت لقدار ..” للظاهرة الغنائية جيل جيلالة.

نريد مستقبلا إنسانيا يعيد للأرقام روحها ، ويزعزع الثقة بالنفس التي منحها مارك توين للذين هم أشباه المثقفين والعارفين والمتفيقهين الذين ملئوا الدنيا كالسراب في جوف الصحراء يحسبه الضمان ماءا ..فيضيع في الموت من كل جانب .