افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » الإساءة .

الإساءة .

بقلم : صبري يوسف .

بعض الأحيان لا نعرف كيف سننتج الحروف اللازمة لتبيان كم هم الناس غاضبون ، كم هم في وضع كمن رأسه داخل المشنقة وفرصة الخلاص حتى هي يلزمها  منه تحمل العذاب في فجوة المشنقة تلك..

الإساءة لا تموت ، بل تبقى معلقة في دفاتر التاريخ مهما طال الزمن أو قصر ، تبقى تسيل بالدمع والدم ، لا تتوقف .

الإساءة هي خاتمة لأفعال ترتكب بشكل أحمق في حق الناس ، في حق الآخرين ، في حق الذين وجدوا في هذا الكون من أجل أن يعيشوا هم كذلك” الممكن” بسلام  إلى يوم لقاء الله .

أتحدث هنا عن ذلك الشاب  الكفيف “صابر الحلوي” الذي قضى حتفه ليلة أمس من فوق مبنى وزاري حكومي ..الحادث الذي لقي استهجان المجتمع المغربي ،عبرت عنه مختلف الفئات المجتمعية التي تتضامن على صفحات الفايسبوك ،حينما لم يعد هناك متسع للصبر والبكاء في أماكن أخرى لسماع الوجع من هذا الوطن .

حتى هؤلاء المعطلين المكفوفين باتوا أخبارا . صاروا مواد إعلامية على نطاق واسع ، هذا الوضع الذي يضع الحكومة في الموقف الأكثر إحراجا ..إنهم يا سادة ليسوا أشخاصا بإمكانهم أن يفعلوا غير الذي حدث.

فالذين يصبرون في هذا الوطن بعيونهم يهربون بحرا ، الرجال والنساء والولدان،كلهم يهربون وهم يملكون الطاقة لتجاوز محنة ما على الطريق ..والذي حدث ليلة أمس يعيد القضية إلى عمقها الأصلي ..وهو أن جزءا مهما بهذا البلد لم تعد له حيلة فعل أي شيء..بيع أي شيء..القدرة على أي شكل للتخلص من الألم .

الوضع غير صحي في علاقة هذه الحكومة بفئات المجتمع المغربي” الهش” الواسع الكثافة السكانية  ، تلك التي لا يتوفر لديها درهم لولوج خدمة “خاصة ” ، لزيارة طبيب ، أو لتلقي درس في مؤسسة خاصة لأبنائهم ، لا يجدون مالا من أجل كراء أو شراء سكن ، ولا قدرة ولا طاقة لهم على مليون حاجة كان على الحكومة تقديرها ..

صابر الحلوي ، مات مدرجا بالعبر التي خلفها وراء غيابه بين المعطلين المكفوفين ، وهي أن الإنسان المغربي لا قيمة له . أكان قويا قادرا على شق البحر والجبل، أو كان ضعيفا غير قادر على فعل ذلك ..الدرس “الدرامي ” أن هذا البلد فيه حكومة ، وبرلمان وهناك شعب ينتظر من المؤسسات المنتخبة دورا هاما ، قدرة على تخطي متابعه ، إخفاقه ، علله ،الاستماع إليه وهو صامت ساكن نائم  ، والاقتراب منه وهو متحدث متكلم ..كانت هناك مليون طريقة لفك الاعتصام أو لفعل أي تقدير يمكنه أن يعيد الشباب ذاك إلى بيوتهم أو إلى الأرض عوض الصعود إلى السماء ..

سيقولون بأنهم من وضعوا أنفسهم هناك ؟ وسيقول من يجر في كنف الحكومة أنهم اخترقوا الأبواب وو، إنما كانت هناك طرق كثيرة للحلول دون حدوث ذلك ، تخيلوا مليون اعتبار واحتمال لنجاة شاب يعطي صورة قاتمة عن وضع البلد .

معلوم أن هناك جهودا تبدل بالليل والنهار لتغيير هذا المغرب إلى وطن يسع الجميع  ، إنما هناك من يترجم تلك الوعود إلى حقائق تمشي على الأرض وهم قلة ، وهناك من لا تهمهم سوى هوامش النصوص والتشريعات التي ينتجونها ، ويضعون فيها دسم “السياسة ” ويخرجون للناس في واضحة النهار ، ويقولون بأن الوضع في المغرب أفضل من فرنسا ؟ أي فرنسا هذه ؟ وأين يوجد هذا المغرب .

فالوضع جيد في المغرب لمن لا تحفى قدماه ، ولا تعرى أردافه وعورته ، ولا ينقصه دواء ولا علاج ، ولا يبيت في العراء ، ولا يفكر قيد أنملة في فواتير الكهرباء والماء والغداء والتعليم والسكن ..وكل شيء هنا يقضى بالدرهم .

الذين يقولون بكون “العام زين ” إما أنهم لا يمشون في الأسواق؟ !  أو لا ينزلون من سياراتهم ، أو يلبسون على عيونهم نظارات “الأفاتار ” ذات البعد الثلاثي التي تخفي تجاعيد الأيام على هذه الأرض التي تستحق الحياة إنما …؟؟

الإساءة هي أن يصبح المواطن سليما معافى أو مريضا أو مسجونا أو حرا طليقا أو ماشيا أو جالسا ، أو راكبا أو نائما أو أي وضعية  اختارها ولا يشعر بأنه بخير وأنه  “نسبيا “مرتاح ..ابحثوا عن أصناف الإساءة و”المسيء إليهم” وستجدون أن هناك صبرا ضاق بصر أيوب.  وأن هناك ما لا يجب السكوت عنه حتى في نادي الحكومة ، وأن الوضع لا يجدر به أن يمد وزيرا أو منتخبا بابتسامة خارج اللياقة والأعراف والتاريخ الذي ملأته بدور الإساءة والسوء ،حد السقوط من أعلى مبنى يعرف الذي سقط قبل الصعود رمزيته في نفوس وعقول المغاربة وصندوق التصويت .