افتتاحية

  • تجاوزنا الزمن.

    بقلم : صبري يوسف. أعتبر هذا الرأي ربما الأخير في هذا “الأسدس الأخير” من السنة  الجارية ع...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » الإستشراق والاستغراب بالرحامنة !!

الإستشراق والاستغراب بالرحامنة !!

بقلم: صبري يوسف.

ظهر في الآونة الأخيرة أن الرحامنة تعيش وضعية مغايرة لسنوات مرت على عجل دون أن تحدث “فروقا ” اجتماعية أو اقتصادية أو حتى ثقافية .

في الأشهر الأخيرة هناك “توجه ” ما أكثر من ذي قبل يريد أن يقول للجميع لا يمكن طبعا أيها السادة أن تغيروا من جلودكم ولا من ثيابكم ولا من جذوركم “البشرية ” من غير” استشراق “.

ومعنى الاستشراق هنا ليس ذلك “المفهوم ” الذي ربط الشرق بدراسات ودارسين بين القرن الثامن والتاسع عشر..بالمعنى الانتروبولوجي والاجتماعي والإنساني ، ولا هو ما تضمنته أبحاث “إدوارد سعيد” الفلسطيني عن الاستشراق لفهم السياقات التاريخية بين نشأة الفكرة “الاستعمارية “إلى حدود الإضرار بروح الشعوب وحقها في العيش والتطور من تلقاء نفسها معتمدة على “التفاعل “..

الاستشراق لم يحمل في تلك الأزمنة متغيرات “جوهرية ” أو مظهرية لنظرية “الارتقاء ” بواقع الشعوب المكسورة تاريخيا ..أو المتدرجة بحكم الزمان والجغرافيا في أنماط اقتصادية واجتماعية عادية ..أراد الاستشراق أن يقول “للبدو ” والشعوب البسيطة نحن هنا من أجل عيونكم .

كانت في المقابل الشعوب التي “استضعفت ” تنظر بعين الريبة إلى وصفة “إعادة إنتاجها “بتأويل” الاستعمار والهيمنة ..وبالتالي فهم القصد من الفكرة وباقي التماثلات أو ما يمسى ب”مربع التماثل” عند الاجتماعيين.

بالرحامنة هذه الأيام هناك مجموعة الأفكار الجيدة ، مكاتب دراسات ، تأتي من كل فج عميق أو متسع ، تدرس كل شيء . تدرس جميع أشكال الحياة وأنماط “الإنتاج ” و”الوعي الجمعي الكلي ” ،ولو أنه لا يوجد إنتاج على نحو يسير يعطي للاستشراق سحره بالرحامنة ..التي ستعول بعد أيام على غيث السماء فقط ..عن الدعاء ..دعاء الله من أجل بهيمة الأنعام وسقي الأرض ..

توجد على أكثر من رقعة دراسات ، وبرامج ، ومسودات أفكار..ولقاءات ومكاتب للخبرة ..كله من أجل الرحامنة هذا جيد ، إنما بكم ؟ وماذا تغير إلى حدود الساعة ؟

الإنسان البسيط لا يعي مطلقا ماذا يدور حوله . ولا يعي قطعا لماذا وجد ..؟؟ توجد أحيانا أجوبة جاهزة ، لا تتعدى “التثقيف الجماعي “الآلي التضامني على رأي” إميل دوركايم “و”مارسل موس” ..إنما الآن بالرحامنة تجوب الكثير من المكاتب ..مكاتب الخبرة والدراسات وإعداد التقارير جغرافيا جائعة ، جغرافيا ستبيع “الأسمال ” بعد قليل من أجل الماشية وحفنة شعير ، وماء نقي ، وما إلى ذلك من أغراض “علم الاجتماع البدوي” ..الذي لا يزال وفيا لأبحاث” بول باسكون” و”بن خلدون” ذات الطابع ” الموضوعي العلمي ” ..عدا ذلك ..ماذا قدمنا لأمتنا بمساحة تناهز لبنان أغلب الذي نقوم به اليوم هو دراسة مكلفة ..

في المقابل هناك جملة من “الشكاوى ” التي يرجى الاستماع إليها بحكم التنصيص عليها من لدن وزير الداخلية تنفيذا لمقتضيات الدستور ولا سيما الفصل 156 منه ..انسجاما مع توجيهات ملك البلاد في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية بتاريخ 14 أكتوبر 2016 ، والتي تكرس حق المواطن في تلقي الجواب المناسب عن الشكايات والتساؤلات التي يتقدم بها لدى الإدارة ..

في ظل هذه الأجواء تناسينا أن الرحامنة بها أكثر من 300 ألف نسمة ، وأن هناك شكاوى لا بد من التطلع لإيجاد حل لها ، وأن الحاجة الملحة أقرب إلى الأرض منها إلى السماء..وأن الحديث عن “استشراق ” لإقامة دعوى “الحق ” ..أي خلق “دينامية ” مجتمعية يأتي عادة برأي أغلب منظري العلوم الاجتماعية والإنسانية من الداخل إلى الخارج، وليس من الخارج إلى الداخل ..في التمثل الثاني لا يعدو كونه مضيعة للوقت والورق والمال العام ومضيعة لجهد محلي يمكنه أن يلغي الكثير من العقبات ..ومن المسافة بين من يريد أن يغير ومن عليه أن يتغير..

كان للاستشراق الغربي أهداف مسطرة عالجها “الاستعمار ” الذي لم ينتبه إلى أن الناس تفهم في “الحيلة ” أكثر من العار..وبالرحامنة يجدر الانتباه إلى أن الأوضاع تزداد سوءا ..

هناك غياب الأفق ، غياب الشغل لفئات تريد أن تشتغل بدون حرق أعصاب ولا عصا ولا جزرة  ، ليسوا كثر بل قلة تبحث عن فرصة لانتشال أهلها من ورطة الفقر “الدرامية ” أو ما أسماها أفلاطون في رده عن ” السفسطائيين” بخصوص “ملحمة هوميروس ” بكونها مأساة وتراجيديا ، لا يليق أن يتعلمها الذين ستسند إليهم شؤون الجمهورية ..كتابه العظيم .

بالرحامنة يضيع الوقت اليوم من الشباب ، ومن النساء والرجال ، والمرضى والآلاف فرص خلق وظائف بتعبير “وتشغيل ذاتي” ، إنما كيف؟ ومن سيحرك حشودا تريد أن تبحث لنفسها عن لقمة عيش يومية بدل انتظار عشرات السنين لمكاتب  الخبرة لحين إجراء فحوصاتها على نبض “المجتمع ” الذي تتهاوى فيه الاعتبارات الموضوعية لمعنى الأزمة ..أزمة الخبز والأجر والمظلومية ..

كان “برنارشو” الكاتب الايرلندي الشهير الذي حاز على جائزة نوبل في الآداب ، يقول بحكم أنه أكثر الذين خبروا “السخرية ” في أعماله المسرحية ،”..عندما يكون الشيء مثيرا للضحك..فابحث جيدا حتى تصل إلى الحقيقة الكامنة وراءه”.

في المناهج العلمية هناك أول الخطوات في” المعرفة العلمية ” وهي الوصف ، تم التفسير ومن بعد ذلك التنبؤ والتحكم ..الرحامنة تجيب عن إشكالها وعن واقعها وصفا وتفسيرا ومعادلة التنمية هي أولا وقبل كل شيء رد الاعتبار بخلق فرص للشغل ، إشراك الناس في أبسط تجليات “الإنتاج ” وإعادة إنتاج وسائل الإنتاج بتعبير ” ليو التوسير” و”كارل ماركس” ..والبحث في الحقيقة الكبرى. وهي أن الاستشراق كتمثل وكمعطى جديد على المنطقة اليوم لا يفيد في شيء..يفيد في قتل الوقت ووجبات الأكل والازدراد ..وتقييم أثر السياسات بشكل غير واقعي ،بحكم أن أهمية المعطى الذي تترجم به “السياسات العمومية يصبح موضوع “مجاملة ” ..لا أقل ولا أكثر ..بين الزوار الغانمين والمحليين الدافعين .

في التاريخ الإنساني حدثت واقعة عندما نهار الاتحاد السوفياتي عام 91 ، قبيل ذلك جاء الدور على رومانيا ..مع تشاوشيسكو ..كان الرجل حالما ، من حقه ذلك ..كان يقضي أيام حكمه مستمتعا “بالبالي ” بالملعب الرسمي بالعاصمة بوخاريست ..فيما كان الشعب الروماني قد تعب جدا ..حتى لاعبات “البالي ” تعبن جيدا من الأداء اليومي المغطى “بالإلزام والإجبار ” ..في الأخير انهار تشاوشيسكو ولم يقتنع بتلك النهاية..؟ كان ينظر إلى رومانيا من زاوية “الشبعان ، “البوليك ” ..الحاكم والثري والمحرك للأشياء إن أرادت أن تتحرك ..

الرحامنة معطى “أركيولوجي ” في جانب منه على تراب الفوسفاط ..ومعطى اجتماعي وتاريخي ونفسي وبيئي ووراثي ..وهناك الجوانب الانتروبولوجية كذلك، والحديث عن حلول وافدة ..لا يجدي نفعا إذا لم يتم إشراك الناس في حل شكاويهم بحكم القانون والاستماع إليهم بحكم أنهم أولى بالضرر والتعبير عنه أكثر من خبرة لا تلبث أن تجامله ساعات على فواجع” أحواله “وتتركه في العراء لسنوات ..إذا كان غير ذلك هاتوا ما يسمى بالمناهج “الإحصائية ” لمعرفة ماذا يثبت العكس !!