افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » البستاني.

البستاني.

بقلم : صبري يوسف.

ارتأيت أن أضعكم في صورة “مواطن حقيقي ” بدون مساحيق ولا أكليشيهات ، بدون أن يعلن عن نفسه في أي مساحة للتباري حول من هو المواطن ومن هو غير مواطن ..؟ وماهي حدود المواطنة وكيف إليها سبيلا ..؟ ارتأيت أن أشترك معكم في ترسيم بعض ما يستحق فعلا أن يثنى عليهم وأن يحتفل بهم ..

إنهم رجال ونساء وشباب وشابات في كل مناحي الحياة يقدمون خدمات جليلة إنما في ظل . في الصمت المطبق ، في كل منطقة من هذا المغرب الذي اعتبر رأيي فيهم خاصا بي وهو كالأتي ..في المستقبل القادم ستتحقق الكثير من الأمنيات في الذين سيصبحون أجيالا ، بالرغم من معارضة هذا الرأي ، فإنني انظر إلى “الحركة الإنسانية” حتى بدون “موجات ” علمية أو ثقافية جذرية ، إنما هناك ما يؤشر على أن “المحاكاة “التي يقوم بها الشباب في ميادين الوظيفة والتطوع والمجتمع المدني والانفتاح على التكنولوجيا يولد الحرية بشكل أو بأخر، يولد الأخوة ويعزز مكانة الفرد في المجتمع .

البستاني الذي هو عنوان هذا الرأي ، شاب في مقتبل العمر حول من فضاء أغبر ، أحمر الأرض إلى منتزه ، هل هو واع بما قام به ؟ هل يدرك أنه يصنع يوميا بنفسه “نظريات “تؤسس لأهمية أن نقوم بما يمليه علينا الضمير في المسؤولية الملقاة على العاتق بدون أن يحركنا “سيد ” أو مسؤول أو ما شابه .

البستاني قصة نجاح تصادف سنة 2019 على الأبواب ، لا يمل ولا يكل ، يشذب الأشجار ويغرس ألوانا من الزهور ، اكتسح المجال الأخضر على يديه مساحة صارت بساتين ، تلك الجغرافيا الصغيرة دليل نجاح الفرد في فهم سياق المواطنة بدون درس أكاديمي ولا أفكار للنهضة، ولا نقاش مع الآخرين، ولا توليد أجوبة من أسئلة . إنه برأيي مواطن العام الجديد إنما تحت الظل . بين الأزهار والخضرة والماء والمسؤولية وحفظ الضمير من التهرب والتكاسل والتخاذل ..إنه رجل هذا العام بالنسبة لي ، كلما مررت بجانبه إلا وأجده منحنيا على أداء الواجب ، الأكيد أن راتبه لا يكفيه ليكون سعيدا في هذا البلد ، والأكيد أنه لا يمكن أن يشتغل بتلك الصورة لأنه “مكتف” اجتماعيا ، والأكيد أن له أسرة وعليه تكاليف ، إنما يشكل درسا في السلوك والمواطنة التي نريدها ..ليس مهما أن تكون الثقافة والموعظة “رأسية” تخرج من أفواه المثقفين والمفكرين ممزوجة بالأنانية كي نعتبر حينها  ، إنما يمكن أن يقدم الأسفل في هذا البلد دروسا لي اليقين أن كل فرد منكم يصادف “بطله “يوميا في كل ركن من هذا المغرب ..

هناك بستانيون كثر ، ورجال نظافة ، وعمال وعاملات ، موظفون وموظفات ، سياسيون وسياسيات ، ليس هناك مساحة لحصر الجهود التي يبدلها الكثيرون الذين ربما قد ننتبه لبعضهم، ويغزونا الجهل لتقييم وضبط لوائح من الكثيرين الذين يقدمون الأجود بدون سؤال ماذا سنربح ؟

هم ليسوا “برغماتيون “، ولا أنانيون ، إنما يشتغلون بفكرة لديهم ، وقد يكون تعرفت إلى بعضهم بحييك ودربك ومدينتك ، هؤلاء أعيروهم الاهتمام ، قدموا لهم زهورا هذا العام ، أحسنوا إليهم ، فلا نعلم بمن تنهض الأمم في الأخير ؟

كانت النظريات المركزية الأوربية الأولى لعصر التنوير تؤكد على أهمية خدمة الفرد من خلال المجتمع .فالمجتمع برأي هؤلاء مجرد وسيلة لتحقيق السعادة الفردية ..طبعا كانت رؤى أخرى معاكسة من التيار المحافظ “الكاثوليكي “..التي تدفع باتجاه هدم هذه الأسس الجديدة على مجتمع جرب كل الأساليب الوحشية ، التي اختصرها تاريخ أوربي طويل في الرق والسيد الحر.

كان هذا التيار الأخير يرى أن المجتمع سابق في وجوده على الفرد ،وأن الإنسان صنعه المجتمع .

حتى لا نتيه في النظيرات الغربية التي قطعت أشواطا من التفكير العقلاني التجريبي التوظيفي وكل المدارس التي أخذ سابقها بنقد لاحقها ، تعالوا إلى ما يشبه جردا لحقيقتنا نحن في هذا المجال ، ليس للمقارنة والقياس مع هؤلاء ، إنما لنلقي نظرة على سعادة هذا الفرد الذي نحن منه ، إلى الجماعة والمجتمع ككل .

أشعر بالغبطة يوميا إلى أن هناك حالة من “التنوير الذاتي ” التي تتشكل لوحدها من دون “الايدولوجيا ” ، بدون وعي جماعي إلى لحظة ولادتها ، أو سياقاتها ،  إنما هناك ما يشبه “الصيرورة التاريخية” التي تلعب فيها عناصر شتى دور “المفعل ” لدى مجموعة من الأفراد والجماعات والأوساط لخدمة الفرد بشكل أخر مغاير للفلسفات التي ندرسها.

يطيب لنا جميعا أنه بالشارع العام ومؤسسات الدولة وفي الأوساط التي كان صعبا أن تجد من يمكنه الحرص على “خدمة ” الفرد تلقائيا بدون البحث عن مبررات “للاخدمة” . هناك الآن حالة اجتماعية و”وعي جمعي” حتى من غير ذكر الأسباب ،ومن غير البحث فيها عن لماذا صارت تتغير الأسس في اتجاه “خدمة الإنسان”المغربي بهذا الشكل .

نفتح الفايسبوك ونلتقي بالكثير من المبادرات في كل مكان مع “قلتها ومحدوديتها “، بات بياضنا جميعا يغلب السواد فينا ، الخير يغلب الشر ، المعروف يغلب اللامعروف ، نحن بصدد مرحلة قد لا يتفق معي الكثيرون بأنها ليست “سوداوية” لأن تعميم وضع معين هو سمة من “الجهل ” .

يوجد اليوم موظفون عموميون ومدراء مؤسسات ورجال سياسة ،وموظفون صغار ومتوسطون وكبار غايتهم خدمة الفرد ، غايتهم تقديم كل ما في طاقتهم ليتغير وضع قائم بالفعل لا بالتنظير ..

وهنا نطرح السؤال بالمقابل ،هل يخدم المجتمع الفرد كما نود ؟ البستاني وغيره كثير وبالآلاف ، أو بالملايين ، سوف لن نبحث عن المؤشرات التي يمليها الواقع ،حول التنمية والدخل الفردي ومعدلات الولادات والأجور والصحة والسكن والتعليم والولوج إلى الخدمات الأساسية، ومؤشرات أمد العمر والتنمية المجالية ، وفرص الشغل ، والاستقرار بالأرياف ، والتعليم ومؤشرات السعادة والإحساس بالانتماء وما إلى ذلك ..سنتناول قيمة الفرد بالمجتمع ؟ أهميته ؟ وهل فعلا المجتمع يقدم “اعترافا” للفرد لإسعاده ؟

هل البستاني اليوم وآيا كان غيره يشعرون بأنهم فعلا في مجتمع يؤسس لقناعات في كل المؤسسات وفي صلب السياسات العمومية  غايتها خدمة الفرد دون التمييز والتوزيع الجغرافي وما الى ذلك ؟

هذا “التركيب الجدلي” يطرح لدي شعورا بالأمل ، حينما أجد أن الكثيرين يقومون بأداء دور الفرد لفائدة المجتمع دون الإحساس بما يمسى ” الانتقام ” أو الردة ، بل بعقيدة الحب الملتزمة ، إنما البستاني لديه أسرة وواقع لا يعلو، ولديه وغيره من الأفراد مليون “حاجة ” ..تبدأ من فجائية المرض والدواء والاستشفاء.. إلى الراتب والتقاعد والضمانات الأخرى للإحساس بأن “المجتمع يؤدي “بون ” الولاء للفرد عند الضرورة ..وبلا ضرورات بل من خلال قرينة الحق.

عموما أترككم مع سنة جديدة يحصل فيها تراكم نوعي وكمي بجهود البستانيون والفلاحون والصناع والتجار والمجتمع المدني والأفراد الذاتيون والاعتباريون ، لبناء” لبنات التنمية” في “سور” يريدونه أن يتمم ، وأن لا يبقى موضع للبنة فارغا ، إنما في الجانب الأخر لجهود هؤلاء جميعا يحتاج المجتمع ، إلى تقييم نظرته إلى الفرد بهذا البلد الذي لا ينقصه سوى بعث روح أخرى ،تترجم مفاهيم الرعاية والكرامة والإحساس بأن يدا تمتد في الظلام الذي يكتنف الفرد في لحظات العياء والفقر والهشاشة والجهل والتخلف والعراء والهامش وكل أصناف “الحكرة ” التي يواجهها  لطمأنته،  حتى لا نلومه في الأخير حينما يضع طاقته كلها فوق “قلبه” للرحيل مدرجا بالعنف النفسي مع ذاته التي غمرتها الحسرة والحزن.. ليترك أسرة “مكلومة “لا تجد على ما تصبح عليه ..تضيع هي الأخرى وراءه ويضيع جهود الأفراد الآخرين الذين خدموا المجتمع ولم يخدمهم هذا المجتمع مع أنهم أدووا واجبهم ، وأنكر عليهم المجتمع كل تلك المجهودات …