افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » التطبيع مع “التفاهة”.

التطبيع مع “التفاهة”.

بقلم: صبري يوسف.

كان أخر ما كتبه الفيلسوف والروائي التشيكي “ميلان كونديرا ” رواية “حفلة التفاهة “، التي مزج فيها كونديرا بين الفلسفة والهزل والتاريخ ، حيث كل شيء يتخذ صورة العبث “اللانهائي “.

“ماذا يتبقى من حياة هذا الإنسان ؟إنها هذه التفاهة بالضبط ، وهي التي تتيح لنا أن نشعر بأننا أقل أهمية ،وأكثر حرية ،وأكثر التصاقا بالأدب من العالم المحيط بنا ..”

ميلان كونديرا كاتب يساري غادر تشيكوسلوفاكيا بعد غزو الاتحاد السوفيتي لبلاده ، ومنع كتبه ،ليحصل على الجنسية الفرنسية ويدرس بجامعاتها ، ما يهمنا هو هذه العبارة من روايته حفلة التفاهة ” أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم ، ولا تغييره إلى الأفضل ،ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام ، لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة ،أن لا نأخذه على محمل الجد “.

هذه العبارات الجميلة وكأن ميلان كونديرا يعيش بيننا اليوم ، حيث لا شيء يغري بالاهتمام ، بل يدفعك كل ما ينتج يوميا إلى أن لا تأخذ الأمور على محمل الجد .

تابعت برلمانيا بجهة ما من المغرب يتحدث إلى بني قبيلته أو عشيرته بلغة حولها مستمعيه إلى شريط على اليوتوب ..ابتكر لغة جديدة وقاموسا مفضوحا فسمى القمع ” قماعة “، وسمى اهتمامه المادي والمعنوي بالاهتمام “معنميا ” عوض معنويا .

التفاهة بكل مكان .الفايسبوك مليء بالتفاهة واليوتوب أكثر تجدرا في ذلك . والقدوة السيئة هي الميزة الوحيدة التي تشكل الرأي العام ، وكأن هناك قوة سحرية تدفع إلى تبني هذه المصائب ، حتى لا يفرض عنك متابعة إحداها ..اكشوان إن وان ، ونجوما جدد ملاؤوا جميع الوسائل التواصلية عندنا وحتى الصماء منها تأذت.

لا قوى مدنية تثلج الصدر إلا قليل منها ، ولا أحزاب إلا تلك التي لا يزال من فيها يقدرون الشعور العام بإنتاج خطاب مستقيم وسلوك على نفس الدرجة من الرزانة ،والمعقولية والانضباط والموضوعية .حتى المدرسة وصلها الوهن ..وهن فيها كل شيء .

ماذا يحدث ؟

في المقابل وضعت نظري على واجهة أخرى يتخذ فيها النموذج الأمريكي طريقة أخرى لاستحضار معنى” القدوة “. الممثلون ونجوم الفن السابع الذين بإمكانهم إيصال رسائل “التحفيز ” إلى غيرهم من طلاب الجامعات في احتفالات التخرج ، أن يتقدموا من أجل ملء هذا الفراغ الذي هو ضرورة لا يمكن أن يقدمها الأستاذ وحيدا ، إنما نماذج ناجحة صعدت من الأسفل إلى الأعلى ، استمعت إلى شروحات في “التنمية الذاتية ” يقدمها الممثل المقتدر “دينزل واشنطن ” مستحضرا توماس أديسون الذي حاول 1000 مرة وفشل وفي المحاولة 1001 اشتعل الضوء بين يديه لينير الكون ..ركز على عبارة السقوط نحو الإمام Fall forward وليس إلى الخلف كي تنهظ.

كان” الدينزل” يتكلم من القلب إلى القلوب بدون “دبلوم ” للتنمية الذاتية ولا هواجس هذا الميدان الذي حتى هو اعتراه مفهوم الربح أكثر من أهمية تغيير أسلوب الحياة هنا عندنا .بحكم أن الأشياء التي تعبر البحر تصير “مشوهة ” أكثر .

كان هذا النجم الذي أخفق عشرات المرات ومن بعد تعدت شهرته كل العالم  يستحضر في نصه “المرتجل” نماذج بشرية  ناجحة ..من غاندي إلى مانديلا إلى كل العظماء الذين بصموا الكون بسلوكهم ونظافتهم وجهدهم وكياستهم وعلمهم ، وكانت أفئدة خريجي تلك الجامعة تهتز تحفيزا لفعل الأحسن غدا .

رجعت إلى “محفز ” اجتماعي جبار لا يكون إلا مارتن لوتر في خطبته  بنصب لينكولن التذكاري  …فصيحا قويا ومتكلما كبيرا غير وجه الحق في أمريكا حتى دانت لأوباما الأيام وكتب أحدهم معلقا The speech still stand today أي أن ما قاله مارتن بقي صامدا إلى حدود اليوم ، لأنه كلام صادق تحفيزي نموذجي، ليس تافها بل خرج من نفس متعلمة وطنية تفهم ما تريده وما تقصده كي تعيه الأجيال التي خاطبها بجغرافيا الأمكنة ووحدة أمة أمريكية لا تقبل التجزيء على أساس اللون أو الجنس أو ما دون ذلك .

توجهت إلى واحدا من زعماء إفريقيا “مانديلا ” بعد نهاية زمن الأبارتهايد ، وهو في حفل بأمريكا بعدما حصل على جائزة نوبل، وتغيرت نظرة الإدارة الأمريكية إلى الرجل من نعتها له بالإرهابي إلى أكبر زعماء السلام ، ففي واحد من خطاباته “التحفيزية ” ، أشار إلى أن أهمية الفرد هي أن يقاتل من أجل  وجوده ، ليس العبثي بتعبير “صمويل بكيث ” في مسرحيته “في انتظار غودو”. الذي ظل كل من “فلادمير”و”استراغون” ينتظرانه ولم يأتي واعتبرت يومها أكبر عمل مسرحي في القرن العشرين على الإطلاق ..لا ليس هذا بل الوجود” الجوهري” بالقيمة المعنوية والاعتبارية للفرد أي ما أسماه بالكرامة في شرطها الوجودي الواعي وليس تلك القيمة “الزائفة ” التي لا تؤثر ولا تصنع فكرة أو قيمة أو إجماعا أو نتيجة مجتمعية تغني بالمتابعة والقدوة والتحفيز من قبل الآخرين على الإبداع .

قبل أن نغلق هذا التطبيع القهري التافه اليوم مع كل أدوات الإنتاج “الإنساني ” الفلكلورية  ..فن وثقافة ومسرح وسينما وما جاورها إلا ما رحم ربك وتجارب  تحارب كي لا تظهر ، فإنه في كل هذا السياق يحصل معنا كما كان يحدث للفنان الايطالي “كارلينيا ” ..

في كتاب “هروبي إلى الحرية “..حيث أنه في الوقت الذي كانت تهتز فيه مدينة نابولي الايطالية من الضحك لعروض الممثل الكوميدي “كارلينيا “جاء رجل يوما إلى طبيب مشهور للسؤال على السوداوية المفرطة والاكتئاب والتشاؤم الذي يعانيه هذا الإنسان، فنصحه الطبيب حينها بالبحث عن المرح والذهاب لعروض كارلينيا المضحكة فأجابه المريض أنا كارلينيا “.

بمعنى أن حالة” الانهزام الشخصي” مهما تعالت وتسامت عن الواقع الذي تمارس فيه ادوار التفاهة يوميا في كل المناحي لإزعاج الآخرين بما تنتجه، فإن هذه النفوس تعاني في صمت كمعاناة كارلينيا في إنتاج المسرح الكوميدي وإضحاك الآخرين ..وانزعاجه هو ولو انتفت قيمة التطابق بين النوعين ..إنما يلتقيان في زيف هذا الواقع التافه بينهما .

التطبيع مع التفاهة يقتل أصحابه قبل الغير، ذلك الغير الذي سيجد ذاته في قصة أو رواية أو فيلم أو مسرحية، أو في الصمت أو يغلق عنه باب بيته أو باب فمه .أو يبحث لنفسه عن ملاذ أو التجاهل إلى نهاية هذا التطبيع ، الذي غابت فيه ميكانيزمات التحفيز وأمثلة حسنة مجتمعيا ،وبقيت حاجيات الصف الأول من مثلث ماسلو ..Basic needالحاجيات الفسيولوجية. فيما حاجيات الشعور بتقدير الذات تبقى بعيدة تائهة لأن التطبيع مع التفاهة لا يولد لا ثقة بالنفس ولا شعورا بالقوة ولا قيمة وسط الجماعة ولا كفاءة ..بل شعورا بالعجز والدونية والضعف.