افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » أراء » التعليم بالمغرب بين الواقع الفرانكفوني والحلم الأنكلساكسوني وتغييب الجوهر العروبي .

التعليم بالمغرب بين الواقع الفرانكفوني والحلم الأنكلساكسوني وتغييب الجوهر العروبي .

لعل السفينة التي ركبناها جميعا كانت تتجه الى وجهة غير محددة ، فقد أصبح باديا أننا نخبط خبط عشواء في محيط متلاطم الأمواج . لأن أشرعتنا موجهة عكس رياح التقدم ، ودفة سفينتنا يوجهها ربابنة لا يفقهون شيئا في فنون الملاحة .فأمست سفينتنا واقفة في مكانها تتكسر الأمواج على أجنحتها ، حتى بدأ العقلاء منا يغادرونها ليركبوا سفنا أخرى تمخر بهم عباب البحر .

سفينتنا صنعت أيام الاستعمار الفرنسي ، وأعيد طلائها بلون الاستقلال فيما بعد ، صنعتها سلطات الحماية الفرنسية ليركبها المغاربة قسرا وإذلالا لا طواعية واختيارا .

فرض الفرنسيون استعمارهم على المغاربة ، ومن خلال ذلك فرضوا ثقافتهم ولغتهم وأساليب عيشهم ،لكن يبقى أخطر ما فرضوا على المغاربة أسلوب تعليمهم الذي رسخوا به لغتهم في الأوساط المغربية ، حيث لجئوا إلى حيل رهيبة من أجل الإيقاع بالمغاربة في الشرك ، فقد كانوا لا يقبلون من الطلبة إلا أبناء الأعيان والوجهاء، حتى يكرسوا في مخيلة المغاربة البسطاء قدسية الثقافة الفرنسية . وهو نفس المنطق الذي تعامل به الغزاة الرومان قبل الفتح الإسلامي ، حيث كانوا ينتقون المغاربة الذين تسلم لهم حقوق المواطنة الرومانية في بلد هو وطن للمغاربة .

إبان الاستقلال أصبحت اللغة الفرنسية ومعها الثقافة الفرنسية في متناول جميع المغاربة ، وأهملت اللغة العربية ، ورغم أنه تمت العودة من جديد الى اللغة العربية ـ فإن عملية التعريب كانت مرتجلة وعبثية، ولم تحقق ما كان مرجوا منها ، أصابت التعليم في مقتل ، ثم خرج المعربون من جحورهم ليلقوا باللائمة على اللغة العربية ، محملين إياها فشلهم الدريع ،

اللغة العربية اليوم تحتل مرتبة عالمية أحسن من الفرنسية ، وهذا أكبر دليل على براءتها مما ينسب اليها من فشل وتعثر براءة الذئب من دم يوسف  ، فالفاشل دوما يبحث عن أسباب فشله بعيدة عنه في حين أنها بادية عليه وتلطخ هيئته .

كان المغاربة قد أعلنوا فشل الفرنسة منذ زمن ، ثم عادوا اليوم ليقروا فشل التعريب . ومعاودة إحياء اللغة الفرنسية التي تحتضر في مهدها بفرنسا ، وهذا قمة العبث بمستقبل المغاربة ، ولعل اللجنة المكلفة بإعادة بعث التعليم بالفرنسية واعية بهذا الوضع الراهن لعدم جدوى هذه العودة ، فقد خرج من بينهم من ينادي باللغة الإنجليزية كحل للمشكلة التعليمية .أي زيادة تراكم العبث والارتجال .

ضاعت أجيال وأجيال ستضيع ، ونحن نبحث في مزابل أمم أخرى عن نماذج ننزلها . دون أن نكلف أنفسنا وقفة تأمل واحدة ، نقطع بها الشك باليقين أننا في الطريق الخطأ ، وأن النموذج الفرنسي فرض علينا قسرا ، لذلك لم نستوعبه كما يجب ،هذا فضلا على أنه مخالفا لتاريخنا وهويتنا .

أيها المنظرون قفوا وقفة تامل وتدبر ، قارنوا بين الشعوب التي استعمرتها فرنسا والشعوب التي استعمرتها إنجلترا . لاشك انكم ستلاحظون مدى الفرق الشاسع بينها ، فالأمم الأنكلساكسونية كلها مزدهرة ومتطورة ، وفي مقابل ذلك لن تجدوا أمة واحدة فرانكفونية في طريقها الصحيح نحو التقدم و الازدهار .

العالم يصنف اللغة العربية في مرتبة أعلى من الفرنسية ، ويِؤكد الخبراء أن ثلاث لغات ستغزو العالم هي :الإنجليزية والصينية والعربية . والدين الإسلامي يوصينا خيرا بلغتنا العربية ، لغة القران ولغة أهل الجنة ، والتاريخ البشري كله يؤكد قوة العربية وتاريخها العميق .الدستور المغربي كذلك يؤكد بأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للمغاربة …لكن الواقع المغربي يؤكد عكس ذلك ، فالمغاربة الذين يدعون الثقافة هم الذين يستطيعون التحدث بالفرنسية ، أي كل من يعاني الإستيلاب الثقافي يصبح مثقفا . انقلبت المفاهيم وحل الإستيلاب الفكري محل الأصالة ، حتى أن بعض الأسر أصبحت تعلم أبنائها الفرنسية فقط ، دون علمهم بأنها لغة تحتضر في موطنها .

سأضم صوتي الى هؤلاء الذين خرجوا متأخرين ينادون بإعتماد اللغة الإنجليزية لغة أساسية في المنظومة التربوية ، لكن كم من الوقت يلزما لمغادرة الواقع الفرانكفوني ؟ وكم من الوقت يلزمنا للولوج إلى المستقبل الأنكلوسكسوني ؟ وأين هي الموارد البشرية المتخصصة ؟ وهل تسمح الأم فرنسا بذلك ؟ أم أنها ستمارس ضغوطها المعهودة ؟

أسئلة كثيرة تبدو الإجابة عليها صعبة للغاية ، بل ومستحيلة أحيانا . لكن للأمم الحرة ثقافتها وفكرها الحر النابع من تاريخها وهويتها .ويجب الرجوع الى هذه الأمور لننطلق بشكل صحيح كمعظم الأمم التي اختارت سبل نجاحها ولم تخضع لأحد مهما كانت قوته .فالأمم القوية قوية بلغتها الأم الى جانب لغة قوية تخاطب بها العالم ، وبما أن اللغة الإنجليزية هي لغة العالم ،فإن جل الأمم الناجحة تتخذها لغة ثانية الى جانب لغتها الأم ، مثل اليابان والصين وإيران وتركيا وألمانيا وإسبانيا .بل حتى دول الخليج العربي .

إن ما يعيقنا نحن المغاربة هو مكيال الإزدواجية الثقافية ، فمظهرنا فرنسي وداخلنا أجوف لكن تحيط بنا لغة مشعة ينور الإسلام لا نهتم بها . حياتنا كلها مظاهر فمن يحفظ كلمات معدودة من الفرنسية يدعي أنه فوق الجميع . بل وتدفعه جهالته الى احتقار من هو أكثر منه علما فقط لأنه تعلم بالعربية .

إننا في حاجة الى التصالح مع ذواتنا ، مع تاريخنا ، مع هويتنا ، في حاجة إلى لحطة من التأمل كي نتخذ قرارا شجاعا وحرا يخلصنا من التبعية والعبثية .

عبد الهادي المــــــوســـــــــولي .