افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » التفسير.

التفسير.

بقلم : صبري يوسف.

أتابع جهود مجموعة من شباب ابن جرير الذين يراهنون على وضع لا ينتمي غدا بالانتخابات القادمة إلى أي تيار سياسي.

الفكرة في أصلها جيدة مقبولة ورهان منطقي في ظل حالة “الإغتراب” التي يشعر بها المواطن في علاقته برجل السياسة الذي يصبح بالطبع رجل سلطة مطلقة على الأشياء من أمامه ومن خلفه.

تابعت أكثر من صفحة نشيطة يتمحور النقاش فيها حول بسط أرضية ما تزال غير واضحة المعالم والأهداف والآليات والأفكار التي تحتاج إلى إخراج عمل لا يبدو أنه سهل على اعتبار عدة مستويات، إنما بناءا على نقاش هادف يحمل دلالات رمزية وأسسا مادية لطرحه.

أولها، أن الحياة السياسية المغربية شطب على جزء كبير منها بالقلم الأحمر، وأن التحولات الجذرية على مستوى القرار الأعلى ينتج خطابات في المستويات الأدنى منه ترجح كفة تيارات على حساب وجوه سياسية لم تدفع باتجاه إخراج هذا البلد من عنق الزجاجة، ليس كل التيارات السياسية ؟ هناك أحزاب مهمة في هذا البلد تتوفرعلى طاقات ومؤهلات وتريد الخير للعباد والبلاد إنما بشكل ما لم تتوفر لديها القدرة للخروج من الظل؟

تم هناك الصراع الذي يتطور في “الجموعات العامة “إلى عنف مادي أكثر منه إشارات رمزية، يوضح الهوة التي (تتلاعب) بها الأحزاب في علاقتها المباشرة بمناضليها الذين يمنعون من حسم الخلافات من خلال الرأي والرأي المضاد، بمعنى فشل الأحزاب وظهور حالة “اللاديمقراطية “، واستعباد الجميع. وأن لا مجال مسموح به للأصوات المعبرة، وبالتالي هذا يقبر فكرة التغيير من الداخل، فما بالك بالتحول من الأعلى أو من الخارج المؤسسة الحزبية التي تتمدد وتتقلص بشكل لا يحيد عن منطق الأسرة والعائلة الكبيرة والبقاء و”التأبيد” كما عند “جورج طرابيشي” و(…)

ثالثا، هناك المسافة والهوة التي تتسع وتتوسع بين الأحزاب والمواطن إن جاز التعبير ، ترتكز على “جبرية ” الموقع الذي يصبح موجها بشكل” أحادي” للمهمات وليس تعاقديا أو تشاركيا ! بل اختزالي بمنطق العبد والسيد، فتضيع الأحلام والآمال ، ويصبح الشعور “بالمواطنة ” يعادي بشكل يظهر متقطعا في المناسبات أي شيء يحمل في جوفه اسم السياسة والسياسيين، وتتحول عملية تكافؤ بين مواطن وسياسي إلى مواطن من درجة ألف وتابع أو خديم أو مريد ينتظر الفتات إن أراد صبرا على نفسه ، وتضيع البرامج والأحلام وتتعدد الآهات، ويقل التعاقد الذي بموجبه صوتت الكتلة الناخبة لفلان ، وتصبح الأحكام على الجميع بالفساد معممة كنتائج “إمبريقية ” عملية.

المهم وحتى لا نطيل، أشد بحرارة على الأفكار الموجهة التي تحتاج غدا من كل الذين يريدون خوض الاستحقاقات من زاوية شباب حالم، أن يكونوا واعين تمام الوعي بخطورة المسؤولية التي وضعوا أنفسهم فيها، لأن المبدأ هنا أخلاقي صرف . ولأن إعادة بعث الروح في جسد محلي مثخن بالقتل الرمزي لعقود ليس عملية سهلة ، إنه يحتاج إلى تنزيل لمجموعة من الأفكار، ومشاركة واسعة للنخب “البيضاء” النقية، وإلهام الناس بمراجعة مواقفهم وتليينها ، وإعادة إقناع شارع واسع من خلال التفسير.

هنا مربط الفرس، بمعنى أنه علينا أن نعمتد غدا على أسلوب هادئ مرن وجيد، ليس شعبويا طبعا، ولا حالما، ولا خطابا عاطفيا عاصفا، يجب تجويد الخطاب وتبسيطه وجعله يصل إلى قلوب الناس..الشعوب العربية منذ “داحس والغبراء ” في التاريخ العربي تعرف متى تهجم ومتى تساند ومتى تغار ومتى تسالم، بمعنى هناك ذكاء “موضوعاتي” لكل الظواهر الإنسانية المرتبطة بالرأي والأخذ والعطاء. يجب أن نفهم أن المواطن المغربي يفهم كغيره من سكان العالم في الحقوق والواجبات ! إلا أن هناك عناصر يجب تفتيتها، وقبل ذلك يجب تفكيك الوضع بشكل علمي دقيق مناسب وإعادة تجميعه ..أتحدث محليا.

التفسير هو الحكمة التي رافقت “قيس سعيد ” الأستاذ الجامعي في الانتخابات التونسية ، لم يكن لديه برنامج سياسي لأنه يعتبر البرامج مجرد “بيع للأوهام ” والشعب بتعبيره” سئم الوعود ” وهي حالة عامة بالوطن العربي على الأقل في النظم الشبه ديمقراطية التي تعتمد مبدأي (التعددية والتنافسية السياسية ).

قيس سعيد اعتمد على التفسير ،بوسائل قانونية وجاب تونس بسيارته البسيطة وشرح في كل مكان أنه بالإمكان الخروج من هم اللحظة .مع استحضار أن هذا البلد عاش تحولات كبرى ،وتجاوزت المنطقة المغاربية في معنى فهم الحقوق والواجبات بشكل قاعدي متين، وعاش غبنا في غبن منذ العام 2011 . ومع ذلك استطاع قيس سعيد رفع سقف التصويت بطريقة التفسير والصوت والأهلية والمبدأ الأخلاقي المؤسس لكل الأفعال المؤمنة بذاتها.ولو بعد ردة المواطن وحزنه وهوان المشهد بين يديه وكم التضحيات التي ذهبت هدرا. إنما؟

ففي مناظرة تلفزيونية غير مسبوقة قال سعيد “بأن الشباب من هم وراءه ..وهم من يمتلكون برنامجهم “.

راهن قيس على القانون والدستور في حملته التي جعلته يحصد أكثر من 71 في المائة من أصوات الشعب التونسي، إقرؤا جيدا سيرة هذا الأكاديمي الذي غير وجه شمال إفريقيا في معنى الخطاب السياسي الغير المزدوج، إلى خطاب “مقاصدي” برداء قانوني اجتماعي سياسي يراعي الموضوعية لا غير. ودستور المملكة المغربية  وقوانينها تتيح أكثر من فرصة للسمو بكل شيء هنا بهذا الوطن ، إنما يحتاج إلى ذات مفسرة وأخرى مصدقة مؤمنة لا غير.

راهنوا على تفسير الواقع للناس غدا بالاستحقاقات القادمة ، بهدوء وشجاعة وقدرة على الإقناع والأكثر من كل هذا بمسؤولية وضمير.

ليس لأن المواطن لا يعرف على من يراهن ، إنما أصبح يشك ويتخوف من أن يباع رهانه في المزاد من وراءه، أو أن يصبح مرة أخرى ضحية جديدة مهما ابتكر من أدوات الممانعة والحرص ! أعني بذلك أن تكون الجهود التي ستبدل غدا لديها منطق واحد يحكمها وهو المبدأ الأخلاقي، أي أن لا تساق جهود لفائدة شخص أو جهة  لا تستحق ،أو أن ينال منها دو مال أو نفوذ أو سلطة حظه وتنكشف النوايا ويصبح رب فكرة حالمة موضوع “متآمر” في نظر الأغلبية، ويضيع عليه تاريخه وأمجاده، ويوصم بين الناس بكونه أكثر” ظلما” من الذين مروا على هذه الديار لأنه “خان العهد” . و”ضمير الجماعة” والمخيال الجمعي لا يغفر الأخطاء المسنودة بالتواطؤ والنية المبيتة وسبق الإصرار .

راهنوا على الأخلاق لأنها هي الأساس في كل الأعمال الصحيحة ، أما باقي التقنيات والمنهجيات فيوجد في هذه المدينة شباب متعلم وراق ورائع في كل بيت وتحت كل فضاء ومعهم أمهاتهم وآبائهم وعماتهم وأعمامهم وأخوالهم  وخالاتهم  وإخوانهم وعائلاتهم ..فقط عليكم بالأخلاق وصدق التفسير.