افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » الثلاثاء الأسود بابن جرير.

الثلاثاء الأسود بابن جرير.

بقلم : صبري يوسف.

تعد هذه الفرصة الثمينة قراءة سوسولوجية بامتياز وتطرح أكثر من سؤال حول أهمية السوق في الحياة العامة الرحمانية. حول ماذا تغير في الواقع الموضوعي الملموس ؟ حول تقييم أثار السياسات العمومية  على وضع الناس اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ؟

وعودة إلى الموضوع ،فيوم الثلاثاء الذي أحدث بموجبه سوق ابن جرير الأسبوعي لأكثر من ربع قرن لم يغير من قواعد الاستهلاك شيئا ، لم يمنح الواقع شروطا أخرى للتناول ..ويضع السياسات العمومية وجهود المنتخبين في المحك ..لماذا ؟

لأن التعاليق الفايسبوكية إذا اعتبرناها عينة للدرس تشرح بشكل” خطاب الأزمة “و”خطاب المظلومية” .

هذا الصباح حمل رواد الفايسبوك للأيام وللإضراب الوطني للاتحادات النقابية المرتبطة بالنقل مسؤولية ما جرى ويجري ؟ ليس في الموضوع فهم حول لماذا توقف هؤلاء من أرباب نقل البضائع ؟ وإنما لماذا لم يعقد السوق الأسبوعي الذي تنتظره ساكنة تشكل الأغلبية “المسحوقة “؟ ولماذا استطاع أرباب النقل اليوم التأكيد على أن أهميتهم أكبر من الآلاف “السواقة ” الذين كانوا سيفدون على مدينة ابن جرير لبيع أشيائهم ، منتجاتهم ، تجارتهم” البينية” والعودة إلى الدوار أو إلى المدن المجاورة أو إلى الحي بمدينة ابن جرير”غالمين سالمين “.

السوق الأسبوعي الذي لم ينعقد ويطرح أسئلة جوهرية لأول مرة : من يسبق من ؟ العنصر البشري أم الحاجة إلى المحروقات ؟ وهل هناك وعي جماعي بمعاناة أرباب النقل في مخيلة الفرد المتسوق للسوق ؟ وما أثار عدم انعقاد سوق أسبوعي على السكان وعلى الذين تعودوا زيارة الثلاثاء؟

وما أهمية التنمية القروية بالرحامنة ؟ وما قيمة التحولات التي ينظر إليها اليوم- يوم الثلاثاء – بأنها حصلت ؟ كان يحتاج الوضع استمارة وعينة بشرية لمعرفة حجم الضرر والسخط والحزن لدى ساكنة ألفت “مضطرة ” التعايش داخل فضاء “ماكرو اقتصادي” متعدد الوسائط “التقليدية ” ،وميكرو سوسيو واقتصادي يداوي شروخا مجتمعية لا ترقى إلى مستوى السياسات العمومية التي قد تتبنى خطاب “الإزدهار ” والتنمية ..

عموما سوق ابن جرير أو “ثلاثاء ابن جرير الأسود” الذي لم ينعقد يعيد لدى واضعي مشاريع التنمية أنها مجرد أفعال في المخيلة لم ترق إلى تصريفها على أرض الواقع ، وأن القول بوجود طفرة تنموية لا يعيقها إلا “بعض الرجعيين ” هو خطاب يهندس فقط للاستهلاك السياسي ضد عقيدة تؤسس للمعرفة العلمية بقواعد وأنساق لا تعترف بالعواطف .

سوق الثلاثاء الغير المنعقد بالإضافة إلى جوانبه الكثيرة “للالتقاء ” واللقاء ،والإخبار والتداوي والتشفي والمتاجرة واللصوصية والكسب وجميع الممارسات المقبولة والمرفوضة ،يضع إقليما في الإحراج العام حول ماذا تعني التنمية ؟ وماهي قيمة الفرد داخل محيطه ؟ وما أهمية السياسات العمومية المرصودة للعالم القروي والحضري إذا كان الغضب المعبر عنه اليوم يتجاوز سؤال تلميع بعض ما يفترض أنه غير قابل للتلميع ،على حساب جمهور يظهر أنه اليوم ومن خلال تحليل الخطاب على تدوينات الفايسبوك، وبعض معالم الصور المأخوذة من قلب السوق ،التي تعني بطبيعة الحال أنها ردود أفعال “رمزية ” ذات حمولة  من “الاحتجاج ” حول ضياع فرص للنجاة من فراغ أسبوع بلا خضر ولا فواكه ولا مؤونة ولا هم يحزنون .

بإمكانكم تخيل كم الحاجيات التي يقتنيها الرحامنة من السوق ؟ وبالمقابل بإمكانكم تخيل كم من الحاجات ستخص البيوت ؟ وكم من الأرزاق والجيوب ستنتظر الأسبوع القادم ؟ ولا أتصور ثلاثاء أبيض إذا ما  عبر أرباب النقل  عن استمرارهم  في الإضراب، وإلا فإن الإقليم على رمته قد يضيع وسط “الجوع ” إلا قليلا ما هم سيكونون غير ذلك ؟؟

تم ألم نطرح السؤال حول من يملك القدرة على انعقاد السوق اليوم وغدا ؟ ومن بإمكانه أن يقرر في هذا الجانب ؟

وما هي حدود فهم مدبري الشأن العام بالرحامنة حول ما يقومون به داخل جماعاتهم وأوساطهم الحضرية لتنمية الإنسان ؟ إذا كان سوق الثلاثاء الأسود قد عرى عن كثير من الضيم والحاجة العضوية للإشباع  ؟

يبقى الباب مفتوحا على ألف قراءة وألف سؤال ، حول أين وصلت الرؤية التنموية التي لو توفرت اليوم بمقدار معين لكان بالإمكان أن يعكسها رد الفعل المعبر عنه الذي كنا سنلمس فيه وضوح الرؤية حول عدم “الإكثرات ” أو عدم الاهتمام بما يجري .

فقدرة الفرد الشرائية هي المحدد ، وبدخول السكان في “حزن السوق” ، يفترض بنا اعتبارا من مؤشر الثلاثاء مساءلة الوعود المتكررة والخيارات التنموية، وماذا لو لم يعد هناك ثلاثاء أصلا؟ وماذا يستطيع الإنسان الرحماني شراءه من الأسواق الممتازة لو توفرت ؟ وماذا هو حجم الإنفاق لدى المواطن على نفسه لفهم بقية القصة في حياة هذا المواطن ؟ وماذا وفرت التنمية للعدول عن فكرة السوق إلى “الاستهلاك ” المطمئن ؟

في المحصلة إضراب أرباب شاحنات النقل وضح وضعا يجب أن يعاد النظر فيه على أمل أن يوم الثلاثاء و”سوق الثلاثاء” حتى إذا كان الذهاب إليه سلوكا مكتسبا فقيمة من يذهبون للتجوال والسياحة وشراء أغراض رخيصة هم قلة قليلة ، إنما كم يساهم هذا المرفق في مداخيل الناس من الثروة ؟ وكم هو رقم معاملات السوق ؟ وكم هي مؤشرات التنمية انطلاقا من يوم الثلاثاء؟ سنتعرف أين وصل الإقليم على جميع المستويات ؟ وهل هناك بوادر تنمية في العالم القروي بالرحامنة بقراءة تأثير سوق الثلاثاء وبقية الأسواق لو افترضنا أنها كلها قد لا تنعقد  ؟ وهل هناك استعداد للفصل فيما بين ثقافة الأسواق وبدائل أخرى ؟ وهل بالإمكان في الوقت الراهن الحديث عن “أسواق ممتازة “وغالبية الذين” تعايشوا ” مع ثقافة السوق يخرجون منه بزاد أسبوع إلى يوم السوق المقبل ..فعن  أي مشاريع وعن أي تنمية نتحدث في إقليم تكتسحه مشاهد تحتاج إلى دراسة اجتماعية واعدة موضوعية لفهم أن تسطيح الخطاب يجدر به ملامسة الأرض والعمق قبل تفريغ اللغة من الحروف الغاضبة واستنساخ لغة تبدو قوية بينما مضمونها عليل يطوي الأميال بدون أنساق عالمة تفكر”مستوية ” قبل الصعود بالناس إلى السماء .