افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » الجزائر المحاصرة بالأنانية .

الجزائر المحاصرة بالأنانية .

بقلم : صبري يوسف .

بحكم الجوار الجغرافي بتنا نعرف بعضنا البعض كمغاربة يفهمون الجزائريين ،وكجزائر تفهم المغاربة وأقصد المستويات الرسمية للدولتين المفروض فيهما أن يكونا شقيقتان متعاونتان منسجمتان يشد بعضهما بعضا . ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن في أغلب الأحيان .

قبل شجب وإدانة ما صدر مؤخرا عن وزير خارجية الجزائر من مس بالمؤسسات المغربية والمقاولات التي تساهم في اقتصاد هذا البلد ، ومس بالشعور العام للشعب المغربي وإيذاء الإحساس بالانتماء إلى جغرافيا  مشتركة ،والانتماء للحلم المغاربي المؤجل ، يجب أن نتوقف للحظة من أجل فهم ذهنية الساسة الجزائريين ، مع وعينا بأن الشعب الجزائري والشعب المغربي “خاوة خاوة ” . فليس حفاوة الحب  بين الشعبين وليدة اللحظة من خلال مواقع التواصل التي أظهر فيها الإخوة الجزائريون نفس الامتعاض من سياسة بلدهم ولكن هي ميلاد عبر عقود من الزمن ..زمن الكفاح بكل أنواعه لدحر الاستعمار ، وربما ما يربط القطرين أكثر مما فرقت فيه سياسة بلد تعامل منذ سنوات بأسلوب أناني اتجاه مد اليد المغربية مرارا وبدون انقطاع .

عندما ننظر إلى الجزائر كبلد جار يقع على امتداد حدودنا الشرقية ويتسع مساحة لأكثر من المغرب وبتعداد سكاني مهم، وبمؤهلات اقتصادية كبيرة من الغاز والبترول الذي تهيمن عليه الشركة الوطنية للنفط “سوناطراك “. الأكبر في إفريقيا.  على أن لا ننسى أن هذا البلد يعد التاسع عالميا من حيث احتياطات الغاز الطبيعي ،وثاني أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا . ولا يسع المجال لسرد المعطيات التاريخية والجغرافية والسكانية والإمكانيات الاقتصادية الهائلة لهذا البلد . والإمكانيات الطبيعية والسكانية والعسكرية . وكونه عاشر أكبر بلد في العالم مساحة ، ومع ذلك يعادي المغرب الذي على كل حال لا يملك ثروة بترولية ولا غازية ولا مساحته تعادل مساحة الجزائر وإنما يظل عقدة هذه الدولة لماذا ؟

تعلمت أنه لا يجوز الارتماء بمجرد قلع الملابس على شط البحر وإنما يجب تلمس البحيرة خشية أن تخفي قوما مندسين في مياهها من أجلك .أو تخفي وراء صفاء أمواجها تماسيح أو عفاريت أو أسماك قرش أو تعابين ..أخذ الحيطة ضروري في الحياة والقناعة الراسخة عندي أنه يجب الاستماع إلى الداخل ومحاولة إيجاد آلية للنقد الفعال ، وطرح الأسئلة أو ما يسمى بالمنهج التحليلي لكل القضايا حتى الخاصة والشخصية .

لا نريد العودة إلى حرب الرمال في شهر أكتوبر عام 1963 ، وقدرة المغرب يومها بمؤهلات عسكرييه الذهاب أكثر مما تصوره نظام  الجزائر .لا نريد العودة إلى مرض الجزائر المزمن من عقدة اسمها المغرب . قدمت للجزائر يد العون إبان محنتها مع الاستعمار . النبش في المشترك على طول القرن العشرين تشهد عليه كتابات كثيرة ووثائق تاريخية ورجال مع الأسف غادرأغلبهم ..السرد فيما كان يجمع بين المغاربة المطالبين بالحرية والجزائرين إخوانهم وأشقائهم هو أكبر من المتخيل ..لن نتحدث عن الجزائر العضو المؤسس في الاتحاد الإفريقي   ، والعضو المؤسس في اتحاد المغرب العربي  وجامعة الدول العربية  ومنظمة الأمم المتحدة  منذ استقلالها ،  والأوبك والعديد من المؤسسات العالمية والإقليمية المفروض فيها أن تتعامل كبلد يحترم الشرعية والمؤسسات ..بحكم انتمائه لغالبيتها.

لن نتحدث عن كون الجزائر عام بعد استقلالها نسيت كل شيء ودخلت في حرب مع الجار الذي مد لها يد العون ..منذ فرنستها إلى يوم الاستقلال ..لم يكن عبثا إضفاء أهمية على القولة المأثورة “إثقي شر من أحسنت إليه” . في قضية الحدود التي تبقى العقدة الأكبر عند الجزائريين ،وشراهة ساستها في امتصاص كل الأراضي التي تقع نصب أعينهم .أقول لولا مجهودات المنظمة الإفريقية في وقف إطلاق النار بباماكو عام 1964 وحده الله من يدري نتائج ما كان سيعتبر حربا مفتوحة على مصراعيها ..

حرب الرمال خلفت حالة من التوتر المزمن ،ولكن ليس المغرب من كان السبب. إنها عقدة الأنانية التي تتملك الساسة الجزائريين كلما تذكروا العنوان البارز لثورتهم ،ذاك حقهم إنما ليس على حساب بلد جار.

تلقب الجزائر ببلد المليون ونصف مليون شهيد بثورة التحرير الوطني التي دامت سبع سنين ونصف، إنما المؤسف في كل الذي قلناه هو أن الساسة الجزائريون من يحكمون رقاب شعب الجزائر مشكلين من عسكريين ومدنيين لا يزالون لم يفهموا أن الثورة يجب أن تبقى ذكراها في الخلف عيدا كل عام فقط ، وأن تبقى في العقول والقلوب ، في أرشيف الدولة الرسمي ووعي الملايين من الجزائريين ..فشعوب الأرض كلها عاشت ويلات الانقسام والاستعمار بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية ،وعاشت حرب الشمال والجنوب وحرب التمييز العرقي ونسيت ذلك. ووضعت يدها على أمور التنمية كي يتساوى الاستقلال بالثمن الذي دفع ليغدق الوطن على أبنائه التنمية التي يستحقون .

عقدة الجزائر أن المغرب تجاوز محنة الاستعمار وحصل على استقلاله وأطلق المغفور له محمد الخامس عبارته الشهيرة “لقد خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”. التي تعني ما تنعيه .ويمكن أن تكون مرجعا أكاديميا للبحث واستنباط معانيها الكبيرة . الجزائر بقيت رهينة ذلك الموقف ، لم يصدق العسكريون أن الشعب تحرر بثمن كبير ، وليس بجهدهم ، وأن الجزائر يجب أن تمضي في إنتاج النخب ، تأهيل البلد اقتصاديا ـ تنمية الإنسان ، إشراك المواطن . هناك قاموس كبير تجاوز الجزائر التي بقيت بجنرالاتها وساستها حبيسة سؤال لا جواب بالنسبة لسؤالهم إلا عندهم ..وهو كيف تمكنا من هزم فرنسا بمليون ونصف المليون شهيد ؟ أما نحن فلنا جواب لا يثير شهيتهم ، إنها تضحيات الجزائريين الذين يجب أن يغنموا بالتنمية من وطن دفعوا دمهم فداءا له .

الجزائر لا تقبل النصيحة ، وتعيش أجيال رئيسها وجنرالاته بحكم قربهم من العام 63 أنانية الأبطال الأسطوريين. متناسين إكراهات  الحاضر بمخلفات ذلك الدم ، والحاجة إلى سلم أهلي وحدودي ، والحاجة إلى المغرب الذي تجاوز الجزائر على كل المستويات . سواء بإصلاح  للإدارة  ولا يزال ، أو من خلال ترسانة من القوانين وتحولات دستورية في كل المستويات ..الجزائر بلد كان بإمكانه أن يعتمد على المغرب وأن يشكل البلدان قوة يمكنها أن تصبح ذات شأن أورومتوسطي وعربي .إنما أنانية المليون ونصف المليون شهيد عكرت مزاج العسكر ،وبعض المنتمين لهذا الجهاز لمزيد من تكريس ذلك الإحساس بالتفوق الحبيس زخم التاريخ ، الذي بإمكانهم من خلاله كسر شوكة أي كان . ووحده المغرب الذي يعنيهم ولا يعنيهم شعب أخذوا جميع تضحياته وثرواته تحت أيديهم ..الجزائر وعقدة الماضي القريب هي المشكلة ..قد يتجاوز الجيل القادم في انتظار فناء عصابة قصر المرادية ..مع الزمن ،أما الإيمان بترك ما في الجزائر للجزائريين فإنه غير قابل للنقاش ..حتى دم المليون ونصف شهيد راح هدرا لأن الشعب الجزائري يعاني .قد يدعي البعض معاناة مماثلة للمغاربة، نقول هناك فرق ..بالرغم من قلة موارد المغرب فيجب أن نعترف أن الدولة قطعت مسارا مؤسساتيا كبيرا بالنظر إلى ما أنتجته العهود الثلاثة من التحولات وصولا عند الملك محمد السادس ، ويعنينا أن المغرب استحوذ اقتصاديا بدون مؤهلات الجزائر الطبيعية على ثقة المستثمرين الأجانب.  وثقة المقاولة المغربية ،وأن وضع مغربي في القرى البعيدة أحسن حال عما نسمعه من سوء حال وآهات الجزائريين ، الذين لا نلومهم فهم إخواننا. إلا أن حظهم لم تنفع معه التضحيات بالملايين من دماء الشهداء وعليهم أن يصبروا .

لذلك لا نلوم هذا الوزير الأحمق ، فهو امتداد لمجموعة من المجانين في السلطة الجزائرية ،الذين يعتبرون المغرب عقدتهم ، وبالتالي فتوجيه خطابه الأحمق هو من قبيل التفريغ النفسي عن أزمات في بلد تحتاج إلى العقل لمداواتها . وليس إلى كلام غير مسؤول يصدر من بلد بصورته الرسمية المهزوزة ..وبطريقة فيها أنانية واستعلاء . مع أن الجزائر تشعر كمن خرجت لتوه من الاستعمار،  فأجيال 63 ما تزال شابة  وهو اعتقاد خاطئ عندهم ،فعمر الدولة لا يقاس بالأفراد .وبالتالي فالجزائر تحتاج إلى إخوتها الأشقاء المغاربة لإعادة مساعدتها في بناء وطنها كما يفعل البناؤون غداة إعادة عمران مهدم بفعل الحرب أو بفعل كوارث الزمن ..وزير الخارجية نسي أنه يطلق كلاما على عواهنه ولا يصدقه إلا أحمق مثله .وهو عار من الصحة وبلده عار من الحماية القانونية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية التي يجب أن يوفرها لمواطنيه ، و يحتاج إلى بلد كالمغرب لسواد عيونه ،بشعبه المتسامح الطيب  وبالتراكم الكبير لهذا البلد الذي يتجاوز الجزائر بمليون عام من القيم المكتوبة في كل مجال وليس بمليون شهيد ..