افتتاحية

  • قطار “بوقنادل”.

    بقلم : صبري يوسف . صباح يوم الثلاثاء المنصرم استفاق المغاربة على حادثة انحراف قطار عن سكته مخلفا سبع...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » الحاجة إلى “هايد بارك ” مغربية .

الحاجة إلى “هايد بارك ” مغربية .

بقلم : صبري يوسف.

بالمملكة المتحدة توجد هناك بالعاصمة لندن  حديقة “الهايد بارك “،حديقة على مساحة كبيرة ببحيرات ونوافير ، وفي جزء منها وهو الأهم يوجد فضاء اسمه ،Speakers corner أو بالمعنى العربي “ركن المتحدثين”.في هذا الفضاء يجتمع الناس من كل حدب وصوب للتعبير بكل حرية.. ؟

لإلقاء كلمة أو للنقاش بخصوص موضوع معين  بكل حرية.

ما يهمني أنني كلما فتحت “اليوتوب ” لمشاهدة هذا الفضاء أجد العرب أكثر الجنسيات التي صارت تؤم “الهايد بارك ” . لعلة غياب الحرية والديمقراطية في بلدانهم التي هربوا منها والله أعلم .

الانفتاح على الأخر حتى من غير زيارة الأمكنة والوقوف على الحقائق يدهشك ..يثير لديك “جوقة “من الأسئلة حول قيمة الحرية ، رغبة الناس في الحديث بكل حرية ، الهايد بارك فرصة كبيرة في بلدان الملجأ ،ببريطانيا إحدى الديمقراطية العريقة يتوفر ذلك . ومادامت الدولة هناك تقدم الحرية على أطباق من الذهب لمواطنيها ..فلا يعني أن “الهايد بارك ” هو الفضاء الوحيد للمارسة ..إنما لغاية ما تم تشييد تلك الحديقة على 140 هكتارا وتخصيص ركن للمحدثين ..بكل حرية ، ربما لمعنى الحرية في أحوال الديمقراطيات القوية ميزة وقيمة واعتبار..

لنعد إلى الحالة المغربية ، أتساءل لماذا لا يتم تشييد “هايد بارك” مغربي صرف ؟ لماذا لا يترك لهذا الشعب فرصة إعلاء الصوت ؟ما دام غير مسموح بكل حال من الأحوال لفرص التفريغ ..فرص قول الحقيقة . إفراغ ما لدى الناس من هموم ومشاكل ومشاعرمتباينة بفعل ضبابية الوضع بين الحق والحرية والمسلمات الوطنية ..

لنأخذ مثلا الهجرة السرية هذه الأيام ، قوارب الموت و”قوراب الفانتوم “المحملة بالبشر ، فقد يكون الكثيرون باستطاعتهم تحمل تكاليف وعبء المواطنة بالمغرب والعيش فيه  ، إنما هناك شيء أكبر يدفع الناس إلى مغادرة أوطانها . ذلك أنه على أكثر من مركب وفي لحظة الإفلات في عرض البحر يصبح الفرد “المغامر ” قادرا على البوح والخلاص بما كان بالإمكان أن يقوله على اليابسة .. إنما من سمح له بذلك ؟

ما معناه أن الحاجة إلى الحرية لا تعني بالضرورة ضمانها دستوريا على الورق و”إتعاب” النصوص في الممارسة اليومية لهذا الحق .

وإلا ماذا يعني أن الهواتف النقالة للمهاجرين تعكس الحاجة لديهم لإبداء الرأي قبل ركوب الأمواج العاتية وأتناء الخوض فيها، والتي لن يكون  لهم بعدها سوى بصيص من الأمل لبقائهم أحياء أو الوصول إلى الضفة الأخرى بسلام ..

يوجد في هذا الوطن رجال ونساء كثر، ومن جميع الأعمار يحتاجون فقط إلى فرصة لقول كل شيء بدون خوف . إنما حينما تضيع هذه الإمكانية يلوذ الناس بالفرار هربا ..

ركن الخطباء بالمغرب ضرورة ملحة أكثر منه الحاجة إلى صياغة معاني لظاهرة الهجرة وغيرها من مصائب المجتمع اليوم ، فهناك أوساط مجتمعية تعيش بخير وعلى خير وتهرب بطرقها  بحثا عن الحرية ؟؟ بحثا عن هذه القيمة المجتمعية..على فكرة ستجدون العرب أكثر “المحاجين” اليوم  في “الهايد بارك “، أكثر المتعصبين والغاضبين والمصرحين  بداخله ، أكثر الذين ستشاهدهم على اليوتوب يتناظرون مع أبناء تلك البلدان التي فتحت لهم الباب ..متناسين أن بريطانيا وأوروبا هي التي منحتهم الفرصة لفتح أفواههم بكل حرية ،بدون شرطة آداب ولا جواسيس ولا مخبرين ولا..ومع ذلك لم يسألوا أنفسهم ماذا بخصوص الذي غير حياتهم بين قهر بلدانهم وعصمة بريطانيا من الملاحقة لهم في ركن الخطباء ..؟ وعادة ما ينتبه “الهاربون من الشقاء” لمجرد دخولهم الجنة إلى حجم المعاناة على الصراط المستقيم الذي قطعوه مشيا وهرولة وسقوطا إلا لماما.

“الهايد بارك “فرصة للبلدان التي تكافح بين نصوصها وواقع الحال، مرة بممارسة ليست ديمقراطية ،ومرة بأسلوب مرن يعكس حجم “حظر ” الحرية ، في هذا الخلط والجنون و”اللااستقامة ” واللا نية “واللا غاية “. يمكن لبلدان الجنوب أو البلدان السائرة في طرق ملتوية بين الديمقراطية وبين الاستبداد أن تسمح بفرصة للناس لقول كل شيء بالهايد بارك ، ويقينا ستشفى كل الجراح.  وبالإمكان بعد سماع الخطب أن تكون فرصة لتفعيل التوصيات..فالمغاربة يحبون هذا البلد ويحترمون مؤسساته ، “وقلة الوطنية” ليست إلا مزاج يتحمل فيه بعض السياسيين والمهيمنين على مجموعة من مقادير هذا البلد اقتصاديا تبعات الاحتجاج في “الداخل ” تم الهرب بع ذلك ، “كالسفر في الداخل” الذي دعا له “الوزير اليتيم “… الغالبية العظمى تحتاج فقط إلى أن يسمع صوتها .لأنه لم يسمع لا بالبرلمان ولا بالمجالس المنتخبة ولا بالحكومة ولا بالشارع ولا بالمنزل ولا بغرف النوم المغلقة ..ترى أين سيسمع صوت المغاربة لإنهاء وجعهم .؟

الوطن والمواطن علاقة تتقاطع حد التماهي ..يفسر معانيها الحديث بكل حرية وبكل تجرد ليسمع هذا لذاك ،بدون قوالب للنفاق والمحسوبية والزبونية وإلغاء الأصوات المهمة التي تبقى في قعر الخزان لا يصل صوتها خارجه..حتى ولو طرقت أو قرعت بكل قوتها ، فالأصوات حالتها فريدة ، تحتاج إلى من يسمعها ، يرفعها إليه ، فهي لا تسمع مهما علت بل تجف وتبح ويذهب مضمونها  ..لقد كان لنا في أية غسان كنفاني أكثر من فهم لمعنى طرق الخزان حين يكون ممتلئا بالموت  في جوف الصحراء تحت الشمس  حيث لا تصبح أية قيمة للرجال مهما صرخوا .