افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » سليدر » الخيار الديمقراطي الذي نريد.

الخيار الديمقراطي الذي نريد.

إن أهمية الدورة الانتخابية في هذا الظرف بالذات، لم تعد تخفى على أحد. الشعب المغربي في حالة ترقب وحذر وانتظار ما ستسفر عنه نهائيات الاستعدادات القانونية و التنظيمية للاستحقاقات المقبلة.

هذا الحراك الانتخابي، بات يطرح اليوم أكثر من سؤال على كل الفاعلين الأساسيين في الحقل السياسي المغربي. تساؤلات يغديها انقسام مصالح و أراء و وظائف الأحزاب السياسية، في زمن لا يشبه الأزمنة الماضية. زمن لم يعد الوقوف فيه كافيا عند حدود الظواهر السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الفكرية، و إنما يطالبنا جميعا بالربط بين هذه الظواهر بغية فهمها و إدراك العلاقات التي تكونها.

إن العلاقة المناوئة بين الأحزاب السياسية و قواعدها و جماهير الشعب قد تعرف اندحارا لم يسبق له مثيل، اذا لم تقل النخبة السياسية- التي حكمت البلاد منذ عقود- للجماهير المغربية لماذا فعلت ما فعلته في الماضي، و ما رأيها في نتائجه، و كيف تشعر حياله.

ان أي تأخير في الجواب عن هذه الأسئلة، لن ينعش سوى الجدل الشديد الممتد حول الشكوك التي تحوم حول المستقبل. فالديمقراطية كما يقول الأمريكان، تفرض قول الحقيقة.

فرغم تعدد الأسئلة و تشابكها حول الواقع المغربي الموضوعي (التركيب الطبقي و الاقتصادي)، و الواقع الذاتي (قيادات الأحزاب المتعددة)، و تعدد الثقافات و المرجعيات التي غيرت بالفعل حياة أغلب المغاربة، لابد من الاعتراف جهرا بالأخطاء التي أغرقت البلاد في “الطغيان” و الاستبداد و السيطرة و القمع و اقتصاد الريع و البطالة و الجريمة بكل أشكالها و أنواعها..

فرغم كل ايجابيات “الإنصاف و المصالحة”، لا زال المواطن المغربي يتطلع إلى مصالحة أوسع, مصالحة بأبعادها العملية و الاجتماعية و السياسية.

و لئن يبدو من مصلحة الدولة أن تقوم بجهد كبير إزاء حقوق الإنسان، فانه ليس من المقبول أن تبقى أبواب الأحزاب السياسية موصدة أمام المصالحة مع قواعدها و مع الشعب المغربي. الأحزاب السياسية كان لها دور في كل ما حصل بشكل أو باخر، و استكمال المواطنة من أجل ارصاء دعم الخيار الديمقراطي، يمر حتما عبر الوعي بالمصالحة الشاملة و إدراك مضمونها و فهم معناها.

كيف الوصول إلى ذلك في حين أن الأحزاب السياسية لا تريد فتح الحوار مع الشعب، و لا زالت تلجأ إلى توظيف الإيديولوجية و الدين لخدمة مصالحها الضيقة، و تضرب كل إمكانية للتعايش السلمي في المجتمع. كل هذا يعني أن الحاجة إلى المصالحة أصبحت ضرورة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى.

إن أغلب الطاقات الحيوية المدافعة على الخيار الديمقراطي ببلادنا، طاقات و طنية، نشأت و تربت في درب النضال ضد كل أصناف القمع و مخططات القوى الرجعية و طنيا و عربيا، و ضد الامبريالية و الاستعمار، و عبرت عبر التاريخ عن ارتباطها العميق بالمشروع الحداثي الديمقراطي. و اليوم تبرز يانعة في العديد من التنظيمات و الحركات، و تنمو متجهة نحو انبثاق تيار عام يطالب بالالتزام بالتغيير الحقيقي سلميا، و اعتماد الحق في الرأي و التعبير و سيلة أساسية لتحسيس كافة المواطنين بمشروعية الخيار الديمقراطي.

إن هذا التيار يتبلور في العديد من الجهات، و يعمل جاهدا على رص صفوفه من أجل مطالبة الأحزاب السياسية بفتح حوار جاد و مسؤول مع الشعب. فلا يكفي أن نكون اشتراكيين أو إسلاميين أو سلفيين أو ليبراليين، لنتهرب من المساءلة و المحاسبة. و لا يكفي اللغو اللغوي و الشعبوية السياسية و الإعلامية لإظهار الصفاء و النقاء و استلهام نموذج “السلف الصالح”.

من حق كل مواطن تواق للحداثة و الديمقراطية أن يطالب الأحزاب السياسية بإبراز المضمون التاريخي لشعاراتها، ومنظورها الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي لمغرب الغد الذي نحلم به. لقد أن الأوان أن تقدم الأحزاب السياسية مشاريعها المجتمعية و مقترحاتها للنقاش الديمقراطي أمام الشعب. لا يجب أن تكتفي بتقديم البرامج السياسية المنسوخة و الممسوخة.

لكن في غياب عمل مشترك بين القوى و الشخصيات الوطنية و الديمقراطية من أجل الضغط عليها و مطالبتها بذلك، سوف لن تقدم الحساب للشعب.

إن الجهل هو العدو الأساسي لشعبنا، حيث يتم التلاعب بإرادة المواطنين و مصيرهم و تحويل جزء عريض منهم إلى خادم للرجعية و الظلامية و لأصحاب النفوذ و المسيطرين الاقتصاديين و السياسيين.

فماذا يعني أن يكون لدينا اليوم في المغرب، أزيد من ثلاثين حزبا؟ ماذا يعني أن يكون ثلثها اشتراكي (يدعي أو يؤمن بها، أو كتبت عليه كما كتبت على الذين من قبله!)؟ ماذا يعني أن يكون ربعها ليبرالي ( و أية ليبرالية؟)؟ و أخيرا، ماذا يعني أن تقول أحزاب أنها إسلامية أو تستمد مقوماتها من الإسلام؟ و الباقي من هذه الأحزاب لا يعرفها المغاربة و لا يهتم بها المهتمون و علماء السوسيولوجيا و السياسة.

كما أن المغاربة من حقهم أن يتساءلوا عن ماذا تعني الكتلة اليوم؟ و في نفس الوقت، ماذا يعني حكومة تجمع بين الاشتراكيين و الشيوعيين سابقا و السلفيين واللبراليين- أو الحزب الإداري كما كان يسمى أيام أحمد عصمان-، و حزب الحركة الشعبية الذي تبنى في مؤتمره التأسيسي عام 1959 ، الاشتراكية الإسلامية و اليوم لا نعرف أين نصنفه، و قبول أطر من هنا وهناك لولوج وزارات و مؤسسات كبرى باسم هذا الحزب أو ذاك؟

من حق المغاربة أن يتساءلوا عن من أرغم هؤلاء للقبول بهذه اللعبة، ومن واجب الأحزاب المشاركة في هذا “الكوكتيل” أن تشرح للمغاربة كيف قبلت تحمل المسؤولية و أزيد من 70٪ لم يصوت عليها؟

إن الشعارات السياسية، و دغدغة العواطف، والتبجح بالمشروعية الوطنية و التاريخية و الدينية لم يعد مقبولا. كما أن النضال من أجل الديمقراطية لم يعد موضوع احتكار من طرف طبقة سياسية معينة دون سواها. الجميع يجب أن يؤدي واجباته للشعب. نعم للمحاسبة و المراقبة و المساءلة من أجل بناء المستقبل و مصلحة المجتمع.
باختصار، إنها محطة تاريخية تريد أن ترى فيها الجماهير الشعبية امتدادا لنضالها من أجل العدالة الاجتماعية و الكرامة الإنسانية. وهذا لن يتأتى إلا بتعميق الوعي الوطني و الديمقراطي، بعيدا عن جو الإرهاب الفكري و السلفي. انه الخيار الديمقراطي الذي لا محيد عنه.

المصدر : هسبريس.

المريزق المصطفى.