افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » الربيع الأسود بالرجامنة.

الربيع الأسود بالرجامنة.

بقلم: صبري يوسف.

لن يكون هناك ربيع والله أعلم ، وقد حل فصل الربيع قبل أسبوع من اليوم تقريبا ، الفلاحون العاشقون للأرض  يضربون كفا بكف ، فقد تعود الأسئلة الوجودية إلى الراهن ..كيف المفر؟ وكيف السبيل إلى ضمان ما يمكن من السكر والماء وزيارة السوق وغوث البهائم ؟

بين جماعة سيدي عبد الله شمالا والملعب الكبير المتاخم لمراكش على حدود الجبيلات جنوبا، وجماعة بوشان غربا إلى لعرارشة شرقا يقفز سؤال .أي سبيل ممكن لإسعاد القرى التي لن يكون بمقدور نعاجها تذوق الندى في الصباح الباكر  بعد أيام  ؟

إذا أردت أن تعرف البداوة المغربية قم بزيارة أسواقها ، فالسوق هو المضمون الفعلي والشفوي لقراءة الوضع بجميع أسئلته التي يوفر فيها المتسوقون الجواب الشافي  ..جوابا لا يحتمل أكثر من تأويل .

ضنك العيش يعود إلى القلوب ريثما تعجز الجيوب التي يغذيها العام الفلاحي عادة ، ومحصول الأرض الذي كان قادرا على منح الأسر والعوائل الممتدة بما تحتاجه بعد حذف تكاليف الحرث الزهيدة ، هذا العام لا تناقش تلك الاكراهات ولا المحاصيل ولا التكاليف.

الويكبيديا “الموسوعة  الحرة “تعرف إقليم الرحامنة بحدوده وجغرافيته وساكنته وجماعاته وتبقى الفلاحة البورية النشاط المهم والمناخ الجاف أبرز السمات ..دون هذا لا تعكس الويكبيديا فتحا أخر بالإقليم .

لنحاول مثلا أن نجرب “اعتقادا “مغايرا ، أي أن نقوم بافتعال أنشطة أخرى يمكن للسكان العيش بواسطته في غياب الأمطار في مناخ غير واعد …أي أن (نتصنع) وضعا غير الذي نعرفه تمام المعرفة .

ونستحضر مثلا تعدادا سكانيا يتجاوز اليوم 350 ألف نسمة . كل سكانه النشيطون إذا لم تكن هناك فلاحة بورية فهم يشتغلون بالفلاحة السقوية ، وأن جزءا مهما من الأنشطة الاقتصادية زراعات وخضروات وكروم ، وأن هناك إلى جانب الفلاحة تنشط الخدمات وتحويلات العمال بالخارج والمعامل والمصانع التي تشغل الآلاف . وأن الباقي من السكان هم أطفال وشيوخ ،غير قادرين ،يعولهم أقربائهم ورواتب تقاعدهم في إطار” التضامن الآلي “. الذي توفر فيه الجماعة جهدها لإسعاد الباقين من أفراد المجتمع.

وأن جزءا مهما يشتغل بالتجارة المربحة والسياحة وترحيل الخدمات  OFFSHORING والأنشطة المدرة للدخل .

ولنتخيل أن المنطقة  مناخها استوائي تتجاوز فيها كمية التساقطات الحد المتوسط والممكن ، وأن ظروف الطقس غير حارة بل متوسطية بشكل رهيب. وأن هناك معطيات جغرافية رائدة من أجل عائدات للسياحة الجبلية والمنحدرات  .

الواقع لا يمدنا بالقدرة على “الفيك نيوز “، فقد قمت بزيارة مجموعة من الأسواق بالرحامنة مؤخرا  من باب “الاهتمام ” على اعتبار أن أستاذا بالكلية يوما تحدث عن ما أسماه “بالقيمة الانتروبولوجية للسوق ” ، هنا وإن كان المعنى يحيل على مفهوم معين ، إنما بورصة الدواوير والمجتمعات التقليدية هي الأسواق. ويجوز لنا من خلالها معرفة وضع ما ؟ الظروف والأماني والأهداف المعلقة في غياب الوسائل الممكنة ،سواء الذاتية أو الموضوعية.. العيش والطقوس والأحلام والكوابيس أيضا .

بالرحامنة في غياب عام فلاحي أعتقد أن لون الأرض صار أحمرا مائلا إلى السواد ، نظريا لا يوجد حل سوى انتظار السماء العام المقبل  ، أي الخضوع و الصبر على المحنة .

سيقول أحدهم أن المغرب عموما جاف هذا العام ، نعم قد يجوز، إنما الرحامنة ليست كل المغرب ؟ هي فضاء مفتوح سنويا على احتمالين: إما كفاف وعفاف وغنى عن الناس وعيوط وفن وزيجات وكرم ،أو وضع مفتوح على “الجوع ” في انتظار انعطافة أخرى لتغيير مسار الأرض المتعلق بها الإنسان بشكل جدري تام في غياب إمكانيات لبعث اجتماعي واقتصادي بديل .

والجوع هنا هو ما يملكه القرويون من البهائم اتقاء شر العدم  فيصعب إيجاد ما تأكله تلك الماشية التي تعني أكثر من الكرامة في عرف أهالي الدوار. بل هي “السيادة ” الذاتية والمجالية بين العشيرة والأقرباء والأعداء والمتنافسين … وجوع الأرض ، والهواء ، وبعض جوع البدن لغياب أي قدرة في التوجه إلى السوق  لدى الكثيرين وابتياع  كل الحاجيات ..السكر والزيت  واللحم.. إلا ما قد يعول عليه هؤلاء من جعل أبناءهم ضمانة لاتقاء شر ذلك الجوع ، أو توسل الحق في العيش بشكل ما أو الهجرة إلى دنيا أخرى أو الانتظار ..انتظار “غودو” مع صامويل بكيت وبقية القصة معروفة في مشهدي المسرحية .

إنما بالإمكان التحرك بالرحامنة والاستماع إلى الناس ومحاولة إيجاد حلول تبقى ممكنة ، حتى إذا لم تساهم في فتح الثغر باسما ، فإنها قد تكون قادرة على جعل ملامح الوجوه أكثر واقعية .