افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » الرجال والأفكار.

الرجال والأفكار.

بقلم : صبري يوسف .

كنت بمعية أحد الأصدقاء ..وكالعادة يتطور بنا النقاش من الخاص إلى العام ، من الفكرة الصغيرة إلى النبل الذي لا نملك رؤيته بل نتوق إلى وصف محدداته كل حين .

في هذا السياق الذي غالبا ما نجد أنفسنا نمس فيه الأمثلة تباعا ..نستمد قوتنا الغير متوفرة لدينا من نماذج الغرب الذي حيين معلوماته منذ عصور قديمة ..ولا يزال كل مرة يفاجئنا . مع أن فكرة الشرق والغرب متناقضتان ..وكان الأجدر أن يكون لنا نموذجنا إلا أن الزمن الراهن لا يسعف لاعتبارات تربينا فيها ، وترعرع بين أيدينا الفشل العام الذي جعلنا نلتفت إلى الغرب حيزنا الفكري والنفسي والإنساني الذي تحركه أفعاله المضبوطة في كل شيء .

على كل ، داومنا الاختباء وراء السرديات ..سرد التاريخ الأوروبي بغض النظر أكان أورتودوكسيا أو كاثوليكيا لا يهم ..إنما يعنينا أنه يلبي الرغبات وجفاف دواخلنا .. وفي هذا الخضم والنقاش الجارف،  يخوض بنا من هنا وهناك تذكر صديقي مقالا منذ العام 1996 لأخيه الذي كان يدرس وتخرج حينها من كبريات الجامعات الفرنسية التي لا يدخلها إلا النجباء في كل العصور.

حدثني أنه بعدما عاد أخوه من أوروبا ، طبعا تختلف الدراسة هناك عن طباع التعليم هنا.  بكل مؤسساته لاعتبارات أن البيئة تلعب دورها والتاريخ وو..حيث يستطيع الطالب الاحتكاك اليومي بجمهور يعيش شبه تجانس مع الأفق التعليمي للبلد برمته..هذا بحسب ما يحكيه أخ صديقي لأخيه ذات يوم من العام 96  . فالفضاء الخارجي وراء أسوار الجامعة يعكس قدرة المجتمع الغربي على قياس جميع المؤشرات انطلاقا مما تقدمه أدوات التعليم الرفيع .. والمجتمعات لا تقاس بشيء غير تعليم جيد والبقية لا تهم ..كما كان يؤكده كذلك مزيان بلفقيه المستشار الملكي الراحل أتناء إعداد تقرير الخمسينية وسط معاونيه ممن تولوا معه صناعة ذلك التقرير .

على كل ، كتب أخ صديقي مقالا وبعثه إلى جريدة آنذاك  لنشره تحت عنوان “الرجال والأفكار” .

كان بالنسبة لطالب عائد من غربة “فرنسا ” يعكس نبؤة فكرية مستنيرة تعبد الطريق إلى رؤية القادم ..تلك التي تحتاج جذريا إلى الرجال . وهؤلاء الرجال يعكسون من خلال أفكارهم وضعا متقدما في الاتجاه الصحيح .وبدون أفكار يسلطون الظلام على وضع سيء يعود بهم إلى الوراء .

فنظرة هذا الطالب الذي صار مع الزمن شيئا مهما ، كانت كتابته الاستشرافية التحليلية الواثقة من معطين أساسيين كما يحكي أخوه ، المعطى الأول هم الرجال ، والثاني الأفكار ..قال له بأنهما متلازمين لتغيير محتمل في الاتجاه الذي يتمناه مجتمع يريد بناء ذات فريدة تنظر إلى الراهن من خلال أفكار الرجال القابلة للتنزيل في المستقبل الذي هو اليوم الموالي  وليس رجال بلا أفكار وبلا يوم .

كان المقال الذي أشار إليه صديقي  مهما . مع أنه تمنى لو كان بين يديه اليوم على الأقل لإعادة صياغة مضمون  أفكار شاب مهندس قادم من جامعة ذات وزن في التعليم ..بما مفاده أن الغاية الأساسية هي أن تمتلك الشعوب في نفس المرحلة رجال ومعهم الأفكار ، تلك القادرة على تقدير حجم الحاجيات التي يمكن لمجتمع تناولها بطريقة صحية وهو يتجه رأسا إلى غاية تبرر التزامه مع الأجيال وصرح التنمية .

كان نقاشنا أعمق بطرح الارتباط بين الرجال والأفكار في فلسفة مجتمع عادل ، يعي أهمية الرجل انطلاقا من أفكاره ، وهل هي إمكانية متاحة للاعتقاد في بيئة يتطاول فيها الكثيرون على مزايا وتخصصات وقدرات من يمكن من خلال إشراكهم إحداث فرق في كل شيء ..على كل ما بين التأويل لمعاني الأفكار وربطها العضوي بالرجال وتنزيل هذه النماذج قياسا بالذي نستمد منه قوتنا وقدرتنا على الاستمرار كنماذج بشرية مؤمنة بأن غدا لن يكون كاليوم ..في هذه المسارات تبقى الإشكالية قائمة باعتبارها قاعدة ملزمة خصوصا في مجتمعات تنتمي إلى العالم الثالث غارقة بالمديونية والتخلف ،ولا تتمتع بقيم الديمقراطية والسعادة والكرامة والمواطنة التي تؤسس لقيام شكل يمكن اعتباره حداثي لأبعد مدى،  يلخص أن الرجل المناسب هو من يحتل المكان المناسب كشرط ليس “بشكل دائم” ، وإنما بشكل يدع لنهاية أفكاره طريقا نحو قيادة لبقية الرجال الذين يملكون أفكارا أخرى تضيف للتي سبقتها ..

افترضنا أن الوزراء اليوم والأحزاب السياسية والمجتمع المدني وكل القوى الحية ..لو طبقت هذا “الاختبار ” الفريد من نوعه.  لكان اليوم هذا البلد في نفس المسافة التي تقف عندها القوى التي استثمرت في الإنسان حينما وعدت دوي الأفكار بمنح ما يملكون من المساحة والمسفة والرؤى القادرة على تغيير مستويات عدة في حياة مواطنيهم ..لن يكون الوزير وزيرا لمجرد أن حزبه فاز بالأغلبية ، بل لامتلاكه أفكار ، ولن يكون الأستاذ ولا الطبيب ولا المهندس ولا الفاعل الجمعوي ولا الفاعلون المدنيون يجلسون في أمكنة غير التي كان من المفروض أن يجلسوا فيها باعتبار ما يحملون من الأفكار.  وليس بما يحيط بهم من القرابة والمعارف والمحاصصة والزبونية وغيرها ..إنها فكرة تشبه الرجل المناسب في المكان المناسب ..أو دعها كما سبق في نبوغ طالب خبر فرنسا المتأصلة في مكانة الإنسان بأفكاره الجيدة ..الرجال والأفكار. Des hommes et des idées