افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » ثقافة » القصة الصحفية/ الرجل الخائف.

القصة الصحفية/ الرجل الخائف.

إعداد : صبري يوسف .

الزمن الذي لا يخلق فرصة للنجاة يكون مطلي بالغرق . الزمن الذي لا يترك للرجال قدرة على الإلهام يكون سكونا كالليل الذي  لاينام . هي قصة للخوف ، قصة رجل عاش خائفا وانطوت نفسه لا تبرح باب المعبد خوفا.

هي قصص تمشي مع الزمهرير والمطر حينما يمس صفحة الأرض على الأودية وهدير الربا ومائها الزاحف على الأخاديد يمر على الأرصفة ويدور دورانا مع السواقي إلى النهر حيث يرتطم الموج بالحافات العميقة القاتلة . هي قصص كل البدايات مع الولادة على يدي “قابلة ” تستقبل أول الصرخات قبل الأم دائما.

نرصد في هذه الحقيقة المرة حكاية رجل خاف من كل شيء ، ازداد وكان ميلاده في جوف الرعب كهدير الموج المتسلق على “الشلال ” .كانت ولادته كوجه الذي وقف للعواصف مجابها ، كان الرجل على طول قامته التي لا تزيد عن الرجال الذين عادة لا يصنعون الفرق . كان قصيرا إلى حدود أن لا يظهر له أثر بين الأطفال ، الولادة “الملتوية” دائما لا تبشر بالخير ، والولادة “العسيرة” دائما تكون بنفس المصير . نتحدث في بضع سطور عن إنسان خرج من جوف بطن ولم يكن يريد أن يلاقي المصير المهول ، عندما جن الليل في القرية اختلط صوت الرعد بمخاض والدته “مي مباركة” التي كانت حتما ستغادر بعد ذلك المخاض الذي نال منها . فارقت على وميض “لامبات ” في شهر المطر . الأيام السوداء غالبا تختلط بالبرد والجوع والعطش في الأرياف التي يخرج منها الربيع ويخرج منها الموت العاري . الصور القبيحة غالبا تلامس الليل الذي لا يرحم ، ومجرد التفكير في أعتى النوبات يكون بالليل ، وكما بالليل حياة هناك موت .

ماتت مي مباركة وقد وضعت ابنها الذي اشتق مصيره من تلك الظلمة . من ظلمة كالحة ملأت سماء دوار لا ضوء فيه . فقط قناديل من الزيت المصفى الذي يأتي أهله يوم السوق . خرج ابنها وغادرت الحياة وعلى نفس “الحسرة ” دفنت واستقبل هو الحياة . وجهان أحدهما للموت “نذرا” وأخر للحياة بشارة . وتصعب الدموع أن تنزل على المقل باردة أو ساخنة لأن الوجه لا يقبل “الضدان ” جهة باكية والأخرى حزينة .

على كل استقبل أهالي مي مباركة الابن الذي ازدان فراش الأهل به ، وفي المقابل هناك موت ، موت للثدي الذي سيجعل الابن يشق طريق الرضاعة ، كانت الحسرة أكبر من جبل “تكزيم ” وكان الأمل في فصل ربيع قريب ما تزال بعيدة .

سي عيسى ازداد في منتصف شهر يناير ، كانت السماء على وجهها سحبها الداكنة  يظهر أنها ستستقر لأيام طويلة . وبين عويل الموت ببيت بسيط من التراب والأجور المصوب بالطين ، يعلو صوت بقرات ، وأغنام  تأكل الحشيش المبتل . أما الدجاج القليل فقد فضل تسلق شجرة للزيتون مبتلة هي الأخرى ونام نومه الذي لا يريد أن يتحرك من مكانه أبدا .فبعض المخلوقات في ساعة تفضل الاستماع إلى الأمعاء الخاوية عوض صرف الوقت في أي لقمة طعام ، الاحتجاج صفة ربما تجمع المخلوقات كلها . كانت أياما صعبة على من استقبلوا سي عيسى ، وهان عن الجميع ترك الجنين يصرخ باكيا على ندرة المرضعات في جو المطر ، وارضعوه على الرغم من جفاف الأثداء . واستقام الطفل يكبر ويتجاوز اللحظات التي أثقلت الزمن وأثقلت الحزن بالبيت .

مي مباركة الأم غادرت وزوجها ترك العالم وتكاسل فلا فائدة ترجى بعد موت “عضده ” كما كان يسميها . البهائم كثرت والحرث استقام زرعا والأيام تمر وسي عيسى يكبر . وجه هذا الشاب لا ترافقه فيه سوى إعلانات البؤس . توفي والده بمرض صعب فيه الشفاء من بعد . وتبعته بناته الواحدة تلو الأخرى بمرض معد . وغادر سي عيسى القرية وجمع زادره الخشن من بعض الملابس وبعض الصور وبطاقة تعريف كان قد صوبها على عهد والده . انتقل مسرعا إلى المدينة للبحث عن مصير يكون على غير التعاسة التي قتلت جميع آله أمام عينيه وهو يكبر. أغلق باب البيت للمرة الأخيرة وباع البهائم أو تصدق بها . وامتطى أول حافلة متوجهة إلى الدار البيضاء وسط المغرب لتغيير السعد  ومناورة السوء بشوارع  “لمعاريف” عله يتخلص منها في نواصي إحداها .

حينما يكبر الإنسان ولو يكن ما يكونه في جو يرافقه فيه “الحزن ” يصبح خائفا مع ما قد يكون تحت يده من المال والجاه . عيسى في المدينة وقبل أن يصبح وسط أحيائها كان الخوف قد بدأ يدب إلى جلده ولحمه ودمه . لقد فارق الأمل لأنه فقد الجميع ، وفقدان الأهل كالأطراف في الجسد حيث لا يبقى منه سوى رأس يشتاق هو الأخر للمغادرة .

على الرغم من سوء السعد وغمة الخوف التي تكبر ككرة اللهب في الجوف ، كافح هذا الإنسان من أجل أن يعيش ولو على كل تلك الواجهات الصامدة جورا في حقه . كان يشتغل بين بائع للخبز وموزع ، ومساعد في كل المهمات .كان من الذين اثروا أنفسهم للقمة العيش على ضراوتها بعيدا عن الفكر والطمع في غد كبير وكريم . لقد شعر عيسى أن لا أمل له في الحياة الجميلة منذ الولادة العسيرة . البدايات المائلة استمرار للحظ الغير مستوى ، وأحيانا لا تطاق الدنيا رغم شساعتها .فقط لأن الحظ أسوأ ما يكون في تلك اللحظات  وجيها لا يرحم .

عيسى لم يكن قاتلا ولا مجرما ولا بائعا للضمائر ، كان قدرا فريدا يمشي على الأرض ينتظر نحبه فقط لأنه كتب عليه أن لا يسعد يوما واحد . وطوال الرحلة المزروعة شوكا لا تطاق الحركة ، ومع كل تلك المصائب وذلك الحزن اللامع في عيني شاب قوي البنية مليء بالخوف مطارد بالمصائب إلى لا نهاية.  كان يمكن على الأقل في بعض اللحظات أن يتنفس الصعداء لعل السماء تسمع دقات قلبه . وما يفعلها ..وليته فعلها .

استمر عيسى بين دروب الحياة الملتوية يقاسي وحيدا في بيت مهجور من سطح فرن منحه إياه رب الفرن واستغله أبشع استغلال. مقابل سرير بال ودولاب ملابس خشبي أكلته الفئران لحظات الجوع وامتلأ صراصير عن أخره . كان صاحب الفرن حلقة مفقودة هي الأخرى في الاستغلال الجهنمي في الدنيا قبل الآخرة لهذا الإنسان الذي غاصت حياته عن آخرها حزنا .

الخوف الذي لا ينتج الثورة عادة يجعل القلب صامتا كل الزمن . صمت عيسى إلى غاية هذه اللحظات ،وهو اليوم قد أشرف على  العمر يقاسي ، لا يزال يقاتل وحيدا بلا أولاد ، وبلا عائلة . ولا يزال في نفس الموقع ونفس الأثاث، بنفس الفرن ينتظر عقرب الساعة أن يدور كي يذوب معه تحت الدقائق والتواني .

ومع كل صورة الألم حد العذاب ، ومع كل جنون سوء الحظ يكافح اليوم عاديات الزمن على الأرض انتصارا لقيمة الصبر التي ربح مشعلها منفردا في غياب أي قصاصة إخبارية أو شيء يتحدث عنه . فقط وحيدا كغيره من الأبطال بهذا الشكل الذين يولدون من أجل أن يموتوا مجهولي الهوية .

لا يزال عيسى يقاوم نظرة الظروف التي وضعته أمام أعينها لتتفرج عليه بلا شفقة ، ومع إيمانه بمعادلة الحياة مقابل الموت يكسوه الخوف من الرأس إلى أخمص القدمين ،وولد فيه هذا الشعور الطاعة العمياء ورؤية العالم بلون وحيد كسر القاعدة العامة بوجود الضوء والظلام وشيء بينهما . عيسى لا يرى إلا لونا وحيدا من الحياة اسمه الشقاوة الأبدية المؤدية إلى خوف سرمدي من أي شيء يأخذ منه لحظاته . عجبا أن يكون للخوف مرادف اسمه الحياة وحب الحياة .