افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » ترات بلادي » الرموز في الثقافة الشعبية.

الرموز في الثقافة الشعبية.

إن المهمة الرئيسية للغة هي خلق التواصل بين مختلف المجتمعات,إلى  الجانب ذلك فهي ذات قيمة وسلطة داخل الثقافة الشعبية,حيث يتعلق الأمر بالتصور السائد حول اللغة والكتابة والرمز بشكل عام,فالكلمات اللغوية لها قيمة  سحرية داخل المجتمع المغربي,والكتابة تعتبر في حد ذاتها ذات منفعة سحرية,ويتضح ذلك من خلال التصور الشائع الذي يعطي أهمية كبرى لحروف اللغة العربية ولبعض الأرقام التي تتميز بنفس الخاصية.

هذا التقديس الذي يكنه الفكر الشعبي للغة يعطي سلطة كبيرة لكل من له القدرة على استعمال الرموز اللغوية المحملة بشحنة قدسية.إن العديد من الممارسات السحرية مثل “التعزام,كتابة الطلاسم,خط الرمل”كل هذه الممارسات تنطلق من التصور السائد حول الكتابة واللغة ومفعولهما السحري,”فالتعزام” الذي يدرج ضمن سحر المحاكات,هو ممارسة تعتمد على المطابقة والمماثلة,حيث يكفي التعبير عن رغبة معينة لتحقيقها,وكأن ذكر الأشياء كاف وحده للتأثير عليها,في هذا الصدد تبرز الأهمية البالغة للتعبير الشفوي في كثير من الممارسات,نظرا للقيمة الخاصة التي يتميز بها الصوت البشري,الذي ينبعث من النفس,ولعل هذه القيمة هي أساس الإعجاب الخاص الذي يكنه الجمهورعادة للخطباء,وكل من له القدرة على التعبير الفصيح والبليغ,فكل ما ينبعث من النفس هو أمر مقدس,لأن النفس هي تعبير عن مكامن الروح,والكتابة تستمد قيمتها وسلطتها السحرية من هذه الخاصية القدسية التي تتميز بها الكلمات المنبعثة من الروح الإنسانية,وفي هذا السياق ندرج بعض الأمثلة التي توضح القيمة الحقيقية للغة وخصوصا بعض حروف اللغة,كسواقط الفاتحة وهي حروف لايوجد أي واحد منها في القرآن الكريم,التي نجدها في الكثير من الطلاسم والجداول.نفس الخاصية تتميز بها بعض الأسماء,وخصوصا بعض الأسماء الخاصة بالأنبياء,واسم الله,وهناك بعض الأرقام التي تستعمل كرموز سحرية,فالرقم 5 توجد حوله موانع كثيرة وبمجرد ذكره يعرض السامع للأذى نظرا لما يتميزبه من فعالية على الحد من الشرور المساوئ,ويتضح أيضا من خلال هذه المقاربة الأنتروبولوجية للغة ووظائفها السحرية,هناك موانع كثيرة تحيط باستعمال الكلمات والأرقام,ولذلك نجد أن هناك بعض الكلمات والألفاظ التي يتجنب الناس النطق بها,ولاسيما تلك التي تعبر عن تقلبات القدر من مثل كلمات خاوي,خالي كما أن العديد من الناس يتجنبون قدر المستطاع كلمات “لا” والعد والإحصاء لأن الاعتقاد السائد لديهم أن هذا الأخير له دلالات سلبية على الذات البشرية “إلي حسبنا يعمى” والسبب في ذلك يرجع حسب الثقافة الشعبية إلى الخاصية السحرية التي تتميز بها الأرقام,إن هذه المقاربة الأنتروبولوجية للرموز والكلمات تجعل من الثقافة الشعبية مجالا خصبا للبحث,يهم قضايا جوهرية في المخيلة المغربية,لم يحظ حتى الآن بكثير من الاهتمام من لدن الباحثين المغاربة,باستثناء ما خلفه الباحثون الانتروبولوجيون والرحالة والسوسيولوجيون حول المجتمع المغربي,من مثل العلاقة بالكتابة والرمز بشكل عام,وعلاقة المقدس بالمكتوب والتصور السائد حول الثقافة والمثقفين الذين يستعملون بشكل افتراضي تلك الرموز اللغوية,وعليه إذا اعتبرنا اللغة والكتابة ذات مفعول سحري في الذاكرة والتصور الشعبي,فيمكن أن نتصور السلطة والقدرة لمن يملك مفتاح استعمال هذه الرموز.

محمد الجويري.