افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » الريع بالرحامنة .

الريع بالرحامنة .

بقلم : صبري يوسف.

لنتخيل قضية جوهرية بالرحامنة ..وهو أن هذا الإقليم ظل إلى حدود قريبة تقطعه كثبان الغبار كل مساء ، علينا أن تخيل أن” النقاش المجتمعي” اليوم لم يكن ليرى النور إلا بفضل التحولات الأخيرة ..علينا أن نعي جيدا أن أبناء هذا الإقليم يعانون . باستثناء الذين وجدوا فرصة للقفز بأنفسهم من مركب سيغرق حتما بهم،  وهاجروا ليصبحوا نخبا متعلمة وصناعا في مراكز القرار في كل مكان . فأغلبية الشباب بهذه المدينة يعتصرهم الغم والهم وشاخوا وسط ظلام البطالة وجور الزمان ..علينا قبل إلقاء الأحكام التي لا تكلف شيئا ، أن نذرك أن الرحامنة لم تكن سوى براري خاوية وما تزال ..

فهي لا تنتج الحوامض والكروم لتصديرها للاتحاد الأوروبي ..لا تنتج السمك وأنواع الكافيار ،ولا تنتج الفضة ولا النحاس ولا يوجد فيها ما يجعل أبناء هذه الربوع يلومون بعضهم البعض على استفحال النعمة فيما بينهم ..وعلينا أن نتذكر أن الرحامنة كانت ولا تزال ضحية ، ضحية سوء الحظ ، سوء الطقس ، وسوء “الأفكار المكتسبة” أو التي غزت هنا ..علينا قبل السرد “الفقهي ” الذي يلوم الكثيرين أن نقوم بتمشيط الأحياء والدروب زنقة زنقة ..درب درب ..وفرد فرد ، وأن ننظر إلى الوجوه ، وأن نسمع إلى الوجدان ..علينا أن نغادر شوارع ابن جرير المطلية بالألوان وحرص عمال النظافة اليومي كي يبدو كل شيء مرتب ..فلنغادر إلى شمال الإقليم وجنوبه شرقه وغربه ، أن نسأل الناس وننتظر أجوبتهم دون الحرص على قطع الكلام عليهم ..علينا أن نمشي في هذا الفصل وننظر إلى البهائم المتعبة في الحواضر التي تعب فيها من يسمون أنفسهم “فلاحين ” ضدا على غدر الزمان ، وأن نقترب من “مطافيء ” الماء ، ومن الآبار التي تجف ، وأن ندرك أن المساحة 5480 كيلوم متر مربع هي يابسة تائهة في جنون الصحراء إلى حين توقف الجنون ..

هنا لا توجد الوظيفة ، لا تنتج الحقول الثوم والزعفران ، لا تنتج 24 جماعة ترابية شيئا غير انتظار الانتخابات ، وتقلبات الأجواء إن غزاها حب معانقة الفلاحين اليتامى ولو مرة كل 10 سنين ، نحن لسنا في جنة النعيم ..نحن بالرحامنة التي تعطش أكثر مما تغرق ماء ، نحن في امتداد كيلومترات ناضل من أجلها الأجداد لتتسع إنما حتى مع كل ذلك الفضاء الرحب يوجد “اليتم ” الاجتماعي والاقتصادي ..الإقصاء والغربة .

أردت البوح بعض الشيء والعودة للريع ، بالله عليكم إذا لم يوجد ريع بالرحامنة اليوم فماذا سيولد ؟ ماذا يوجد هنا إذا لم تخرج فكرة العطاء تحت المقاعد أو فوقها  ؟ ماذا سيفعل ثلاثة أرباع من الشباب في جزيرة خالية ؟ ماذا سيجني المحتجون  والغاضبون والمحتاجون والذين تعبوا من عرض شبابهم في كل مكان ولم يزف أهميته أحد ..؟ ماذا سينتظر من سيغادر بيته بالصباح يمشط أرصفة الطرقات ويعود إلى بيت هيئت فيه الأم “مرقا ” معصورا بالدماء والدموع ؟

ماذا يمنع الريع بالرحامنة إذا علمنا أن جل أبناءها أبعدوا يوما من ثروة الفوسفاط لأنه قدرهم أن ينظروا ولا يحركوا ساكنا ..وفي عز الحاجة نلتفت إلى الريع ، وقبل النبش في ألوانه علينا تعريفه ..أنواع الريع ، وأن لا ننسى أنه أسلوب دولة في الجبال والبحر والبر وتحت الأرض وفوق السماء ..

وأن هناك ريعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ، وأنه يتنافى مع مبدأ التنافسية والديمقراطية ، وأن الثروة الوطنية حينما لا تحتكم لأسلوب الإنتاج المادي والفكري يصبح الدخل بالنسبة للدولة ريعا ، بما تملكه من بحار وبترول وما جاوره ..وأن السياسيون ينعمون بالريع وبقية المجتمع من خلال مأدونيات وفرص يعيشون بها ويتوارثونها ، وأن الريع يشبه النوم في العسل ..ومن يكره هذه المواصفات ؟

في الصحراء التقيت مع صاحب مركب بالميناء وهو يعيد بناء سفينة للصيد بالسواحل تكلفتها مليار سنتيم ، ليست” تايتانيك” إنما مجرد مركب متوسط ، حدثني وهو المتمكن من معاني ما يقوله ، أن رخص الصيد في البحر تصل إلى 450 مليون سنتيم ، تخيلوا من يملك مأدونيات البحر يقوم بكراءها مقابل هذه المبالغ  وهو نائم ببيته في أي مدينة مقابل هذه الأموال الضخمة كل عام بالإضافة إلى واجبات الكراء الشهرية ، كنت اسمع عن الصيد في أعالي البحار وفي حضرة ذلك الرجل فهمت ما جعل رقبتي في وجهي ..بالسواحل فقط .

وبالعودة إلى الرحامنة المكلومة فإن جل شبابها لا يملكون شيئا ، ولو قدر لبعضهم اليوم أن يتحصلوا على مبالغ من وظائف حتى لو كانت بطالة “بقناع أو ببرق” فإنه يجب الالتفات إلى ريع الرمال في كل مساحة من هذه الجغرافيا ، إلى غياب مبادئ التنافسية منذ العام 2007 إلى اليوم ..هروب مقاولين كثرا ، وفساد بضاعة تجار ، وانهيار قيمة “الممانعة ” عند الكثيرين حتى ضاق الخناق عليهم في هذه البلدة التي يلزم طرح سؤال بشأنها حول  ..ماذا يمنع بناء مؤسسة استشفائية كبيرة للرحامنة لغاية اليوم مع القتلى الكثر ونزيف الدم  إذا كانت فعلا ساكنة هذا الإقليم تساوي شيئا ؟

قبيل أيام ثانوية التمييز ..نعت في لحظة فاصلة وربما بجرة قلم جهود الأسر الرحمانية  في أن يحظى أبناءها في مدارس وجدت بجوارهم في فرصة للعمر، لتغيير البنى العقلية والفلسفية للرحامنة اتجاه أنفسهم وغيرهم ..تبخر هذا الحلم ..

علينا أن نتذكر حينما نرمي الآخرين بما هو “أتفه ” من تجريب فتحه على النقاش العمومي ، أن الريع مدرسة تؤسس لها جهات ؟؟ وليست قناعة مواطن يخرج للشارع يصرخ ، أو يناجي السماء وفي الأخير يطلب منه رقم بطاقة في الظلام ،وأن يلتزم الصمت وسوف يكون له مثقال حبة من دراهم ..ماذا عليه أن يفعل إذا تعب وفرضت عليه “تقاسيم ” الاهانة أن يقبل بتسوية بهذا الشكل ..مع أنها وضيعة قد يرفضها الذين لا يرغبون في أن يصبحوا بعد حين ضحايا “براء مجتمعي ” ..ومن يقبل بها فإما لأنه مضطر لغاية أكبر من جرد “كبريائه ” ..وفي هذا لا يلام ..تلام منافذ الثروة المسدود عليها ، ويلام الذي فكر في جنح الظلام أن يغرر برجل أو امرأة أو ما شابه لإقناعه بأن 1800 درهم أو ما يزيد ستصبح حقا له في غياب أي تعاقد يرتب علاقة الجهد بالأداء وكفى ..

الرحامنة تحتاج إلى إعادة سؤال من هم ؟ وكيف الخروج بهم من حالة “اللبس ” والتفاهمات “الرأسية  “إلى ا”لتعاقد المدني الاجتماعي” على أساس القدرة والكفاءة وحسن المصير المشترك والكرامة ، بين إرادة وأدوات ..إدارة سواء “بيروقراطية أو منتخبة.. تلك التي توزع المال والسكر و”الشرابيل”  والوعد والوعيد والعهد المحلول في أيام الانتخابات .