افتتاحية

  • انتزاع المواقف .

    بقلم : صبري يوسف. قديما كنا نسمع عن انتزاع الاعتراف بالقوة ، الاعتراف المفضي إلى نتائج وتترتب عنه أح...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » السياسة والفن .

السياسة والفن .

بقلم : صبري يوسف .

إلى غاية اليوم لا يزال الكثيرون من ممارسي السياسة يعتبرون مغادرتهم مناصبهم تحت أي ظرف شكوى تحتاج إلى طب كل العطارين حيث يعجز الأطباء ..بل أن بعضهم لو كان بإمكانه أن يرتقي إلى السماء لمعرفة الأسباب لفعل ..يقل الإيمان عند هؤلاء بأن دورة الحياة فيها البداية والنهاية . فيها الشباب والقوة ولحظات الضعف التي لا تنفع معها صباغة الشعر ولا صالونات التدليك لاسترجاع غمرة الشباب ..

فالفنان كذلك ، ينتهي حيث انتهي ، فقط يعيش على الإرث الذي خلف للقادمين ، يصبح احترام العالم له من خلال ما أنتجته قريحته طوال سنوات مجده . فالحظ أيها السادة يلازم الفرد تم يتركه يمشي إلى حدود أن يتعب من الحركة ..أحيانا يتعذر على تلك المواكبة أن تسافر مع الجميع ..فيكون لدينا تعيس الحظ وواسع حظه..إلا أن السياسة والفن يلتقيان في التقاعد.

يتقاسمان نفس الأريج أو نفس النتانة ، الفنان كالسياسي لا يلتفت إلا لسنوات مجده أو يتصدى لعقود خسائره بالنسيان والتجاوز المكتظ بالعتاب الداخلي  ، هنا حيث أصاب وحيث أخطأ ، إذا كان بياضه أكثر من سواده فاز ، وإذا قلت النظارة عاش البقية من عمره مختفيا يلوم عضلات وجهه وحبال صوته التي أخرجت الأسوأ ما فيه ..

العبرة بالخواتم وبالنتائج ، الفرقة الموسيقية التي رافقت مثلا موسيقيا تصبح في الزمان والسماع إما حاجة يميل إليها الجيل وراء الجيل لتكريس ثقافة يعود إلى منابعها من خلال الأداء المنسجم والكورال الذي ملأ الكون فرحا .أو شؤما لا يرتبط في الأذهان إلا بالمواجع . قرأت” لغرامشي “ووجدته في “دفاتر السجن” أنه يولي أهمية لإرث أي أمة ..من خلال ما ينتجه عقلها في لحظات من التاريخ ..وبالتالي فالسياسي الناجح المبهر نتاج لمرحلة بعينها ، لطريقة إبداعه حلولا لا أنصاف حلول ، للأشياء الثمينة التي حركها في بنو جلدته ، للخروج من الأزمات التي وفر على شعبه فواتيرها ..أما السياسي الرديء فهو الذي يجعل شعبه فقيرا ، منحوسا ، يتيما ، وفي الأخير يلقي به في حرب تأكله ويصر على البقاء ويطل من تحت الأنقاض بدون حياء  ..كذلك الفنان ، لي اليقين أن العشرات من الفنانين حينما انتهت سنوات الشهرة وجلسوا لسماع موسيقاهم شعروا بالانكسار مما أنتجوه ، خيب آمالهم أنهم صاروا منبوذين  ، منهم من كره سماع معزوفاته الحقيرة فور نية سماعه الأخيرة المدققة في الضمير الذي يفرز بين الجد والهزل ، ساعات الجلوس الأخير قبل الوداع ..السينمائيون والمسرحيون إما يموتون حتى وهم أحياء  بفعل ما أبدعوه وليس بكم ما جمعوه من المال والشهرة ، وبقدر منزلة ما أنتجوه بقدر ما يتسع العالم لحمل إبداعهم .الفن الرديء والسياسة الرديئة كأساليب الغش الموسومة في كل الثقافات بالكراهية حد الرفض التام والعام .

إن الفن والسياسة يختلفان في الأساليب والرؤى ، والتفاصيل ، ولكن النتيجة واحدة . إما صواب ،وإما حزن . كيف  لا ونحن لغاية اليوم لا نزال مشدودين لأغاني ما نسميه الزمن الجميل ، من شرق الكرة الأرضية إلى غربها ، نحب سماع الألحان التي تهتف بالعمق الساحر للبشر وتدغدغه ، ونفر من الألحان التي غاضت الآلة التي غنتها ..نحن منتوج بشري بالرغم من الاختلافات الشاسعة ،والثقافات المتباينة إلا أنه يوحدنا و يجمعنا كل شيء جميل ، سواء كان في الفن أو في السياسة ..لا يزال البريطانيون اليوم يتذكرون زعيمهم “تشرشل” بفخر كبير ، ولا يزال البشر يثني على معزوفات بيتهوفن وباخ وفاغنر.  حتى الذين لا علاقة لهم بتفاصيل ما كان يجود به فكر هؤلاء ..إنما عليهم أن يسمعوا السيمفونية  الخامسة لبتهوفن ليسبحوا في السلام والأمان ..خارج دورة الفوارق الثقافية التي تزول في الفن الجيد ومع السياسي الملهم أينما وجد .

من أجل ذلك ، ليس مهما أن يغضب بن كيران ، أو علان و فلان ، ومن أجل نفس الأسباب ليس على الموسيقيين حرج فيما أبدعوه ..إنما وجب أن ينتظروا وقتا ليسمعوا هم كذلك ما أنتجوه . وليرى السياسيون أفعالهم في الذين صوتوا عليهم . تم بعدها سيجدون الطريق السليم للتصالح مع أنفسهم أو تمني أن يغرقوا في الأرض موتا حتى بغير إبان للفراق  .

وفي الأخير فالبرغم من السنوات لا تزال أغاني عبد الوهاب الدكالي تطربنا ..لا نزال مشدودين عند  سماع “مرسول الحب” و”كان يا مكان” وما أنا إلا بشر” ..لم يكن مطلوبا من هذا الفنان القدير أن يدافع عن فنه كل الوقت ..بل فنه اليوم يدافع عن أمة مغربية في العالمية ..فيوم أنتج انتهت إمكانية أن يعيد تدارك ما أنتجه لو كان قبيحا ..إنما أبدع فنا عظيما عاش وما يزال وسط نفس العظمة والتقدير ..كذلك السياسي إما وإما..العبرة بالسماع  عند الآخرين ..هم من سيأسفون على غيابك أو سيحمدون الله أن مسحك من بينهم …إلا إذا كان الفنان والسياسي بلا أذنين لسماع دقات قلبه فهنا معضلة أخرى ليس لدي لها جواب . سيكون هذا نوع أخر من البشر الغير العاديين ..إما حمقى أو أنهم مجانين.