افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » سليدر » الضعف المضاعف … كما تحدث عنه أحمد الوردي بابن جرير مرارا .

الضعف المضاعف … كما تحدث عنه أحمد الوردي بابن جرير مرارا .

 

كنا كلما جلسنا جوار أحمد الوردي وإلا استأنسنا بالكثير من مدارك الرجل على غزو الأيام . كان أحمد الوردي الذي مع كامل الأسف ومع كل الأسف لم يوفى حقه .

كل مرة أقف مشدوها مع كل “الاعوجاج ” في بنية بن جرير الثقافية والفكرية . اعتبره واحدا من الذين طبعوا الساحة . سواء من خلال همه كصحفي مقتدر . أو من خلال ممارسته المهنية التي لا يمكن لأي كان أن يزيل ردائها عنه .

أتوقف لمرات  ويمنعني “الحال” من أن أسرد بعض مشاهداتي التي عشتها مع هذا الإنسان ، أحيانا وفي قرارة نفسي اعتبر الكتابة عنه ”  فرض “فيما قد يعتبرها البعض “تكتار ” . لكن الحقيقة أنه لا يحتاج منا إلى الاعتراف. فهو من أوجد الخطوط الأولى للقيم الخبرية بابن جرير كعلم ، وكما كان يسميه  مهنة “العين الاقطة “.

كلما ابتعدت عنه أجدني مشدودا إلى معانقة الجلوس معه ، إلى جواره بأدب التلميذ أمام الأستاذ . أغيب عنه واجتهد منفردا . ومع ذلك أعود جاهلا كلما جمعني معه شاي مقاهي ابن جرير . جلوس فيه أخد بالنسبة لي أكثر من العطاء الذي لا أجدني مع مجهوداتي قادرا على منحه في حضرة الاستاذ . فيه شذرات لا يمكنني إلا أن  أحرص على أخدها قطعا معي كي أعيش بها.

أجد أحمد الوردي غزيرا في بيئة تنظر إلى “الأنعام”  من الخلف على أنها رؤوسا . أشعر بالغبن كلما اعتصر متجهما حزينا وهو يتحدث عن المقاصد الكبرى الفكرية . فيحدثنا عن الضعف المضاعف .

هي اقتباس لشخصية من اليسار على حد ما علمته منه . اقتباس يليق بابن جرير . حيث تتجسد معاني ذلك الضعف الذي يقهر . ويتبعه الضعف المضاعف القاهر أكثر من أصله الأول . فلا يكاد صحيح الطوية يتخلص من الضعف حتى يطل عليه جده الأكبر .

هنا ابن جرير …هنا راديو مونتي كارلو ….وهنا فوكس نيوز كما يتحدث عنها” ليبرمان” كل مساء من امريكا . هنا حيث اعوج إسفين  الحديد في الخشب . هنا حيث لا ينفع القاموس ، ولا المعاجم ، ولا رواية النبي لجبران ولا حتى الاليادة والاوديسة لهوميروس . ولا رسالة الغفران للمعري . هنا حيث تخن الجسد المثقل بالجراح في شيء اسمه الثقافة وأعمدتها السبعة كما كتب لورنس العرب .

هنا حيث يمكنك أن تجتمع مع عابر سبيل يحدثك عن “مادة اليهولي ” التي صدمت الغزالي وهو يبحث عن الله فانصرف هاربا إلى التصوف كي لا يموت أحمقا مجنونا  . هنا بابن جرير يمكن أن يصبح ضعيف النفس وجاهل الأمة عالما في أقل من 12 ساعة . هنا حيث سينزل المسيح لربما لأن كل شيء هلك . على رأي أمل دنقل في لا تصالح .

هنا حيث تقضي يوما كاملا أو أسابيع فارغا من المعرفة خاويا . اللهم ما تقرأه ببيتك . إلى أن تلتقي بالوردي لاستعادة الشعور بأنك تستطيع أن تصدق بأن هناك أشياء تستحق الحياة.

الضعف المضاعف الذي ما فتيء الوردي أحمد عنه متحدثا يهوي بنا كل يوم في بيئة قدرها أن تعيش على موضة “الحشاشين ” التي انتظرت صلاح الدين الايوبي زمنا طويلا كي يقضي عليها .

العودة للتاريخ الإنساني بعض الأحيان تجعلنا لا نكثرت للفوضى وللضعف لأننا نعود لاستلهام اللحظات من أرشيفه الصافي النقي  العارف العالم . حتى لا يكون الضعف المضاعف طاغيا . ومرجعا . يهلكنا قبل أن نهلكه.

على كل سنستمر صابرين مع هذه الوقيعة وليس الواقعة نسمع لهذا “العلج ” ونحاور ذاك المارق ، نستشرف المستقبل الغامض من ذلك الرويبدة . ونتواضع مع ذلك الهلفوت . نجلس مع ذاك القبيح الذي يصبح جميلا بيننا ، ومع ذلك الفضولي الذي يصبح صاحب حاجة فينا . مع ذلك الجاهل الذي كساه الزمان الأعوج رداء المعرفة حتى من غير “ناموسها ” . نقبل أن نسمع ونرى ونسلم ونلمس ونضحك ونغضب ونحي كل الأرقام الخاسرة التي فرضها علينا الزمن عند الانحطاط . بنفس زمن “الظاهر بيبرز ” الذي كان مملوكا فأصبح صانع دولة على مصر .