افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » أراء » العواقب الوخيمة لإقصاء الجغرافيا من سياسة إعداد التراب الوطني .

العواقب الوخيمة لإقصاء الجغرافيا من سياسة إعداد التراب الوطني .

 

تعرف الجهات الوصية سياسة إعداد التراب الوطني بالمغرب على أنها سياسة إرادية شمولية وتشاركية تستهدف تنظيم المجال ،والتخفيف من حدة التباينات الجغرافية بين الجهات وتحقيق تنمية مندمجة ،وذلك بإعادة توجيه السكان والأنشطة والخدمات في المجال .لكن الواقع يؤكد غير ذلك وذلك راجع بالأساس إلى إقصاء علم الجغرافيا من سياسة إعداد التراب الوطني سواء بالمجال القروي أو المجال الريفي .فالسياسة فاشلة بكل المقاييس في المدينة والريف .

يعتبر عمل الجغرافي في تهيئة المجال بمثابة أساس كل الأعمال اللاحقة .فالجغرافي ينطلق من مفاهيم أولية ومعطيات واقعية يؤكدها الواقع الطبوغرافي والواقع البشري ، وهو الوحيد الذي يجمع بين المعطيين في ان واحد ،منطلقا مما توفره له الجغرافيا من تجانس بين الطبيعة والإنسان .وهو القادر على فهم هذا التفاعل والتأثير فيه .وأي غياب لهذا التأثير والفهم فلن تستقيم التهيئة أبدا مهما حاولنا من ارتجال وتقليد .

فقد حاول المغرب منذ السبعينات من القرن الماضي تقليد سياسة ألمانيا في إعداد ترابه وتهيئة مجاله ،محاولا تنزيل “اللاندرز”على الواقع المغربي لكن إقصاء الجغرافي والإرتجال وطغيان النظرة الأمنية كلها أسباب حالت دون تحقيق الغاية المرجوة .في حين عرف البرنامج الألماني نجاحا باهرا في تركيا خلال بداية القرن الحالي .

فقد اعترفت الوزارة الوصية على سياسة إعداد التراب الوطني بفشل هذه السياسة وعدم جدواها في المجالين القروي والحضري ،وهذا ما أكدته الأمطار الأخيرة التي عرفها المغرب ،وخاصة المغرب العميق .فقد أكدت الفياضانات الأخيرة بالواضح الملموس مدى الضعف الذي تعانيه جل ،إن لم نقل كل،المناطق المغربية فيما يخص البنيات التحتية والتهيئة المجالية .فقد أحدثت الفيضانات خسائر فادحة في الممتلكات والأرواح ،خاصة في جهتي تانسيفت وسوس والوسط الغربي بصفة عامة.

ويتضح بجلاء أن الأماكن المنكوبة هي من الناحبة الجغرافية عبارة عن اودية ،وكما هو معلوم فالأودية تتمتع بذاكرة قوية ، إذ تستطيع تتبع سبلها وتدمير كل ما يعترضها من منشات .لكن السؤال الذي يطرح نفسه ،كيف تم إنشاء أحياء ومدن ومزارع في منخفضات الأودية ؟ ومن سمح بذاك ؟ وفي أية ظروف تمت هذه التهيئة الهشة التي تخالف سياسة الدولة ؟ فإذا كان المواطنون المغاربة هم من قاموا بهذه الإنشائات غير المناسبة . فأين هي الدولة ؟ وأين سياستها في إعداد ترابها وتهيئة مجالها ؟ وإذا كانت الدولة هي من تسبب في هذا الخلل المجالي .فقولها بامتلاك سياسة لإعداد التراب الوطني ،هو مجرد ادعاءات باطلة .

وقد تبين ان ضعف التنمية وانعدام البنى التحتية في المغرب العميق هو العامل الذي لعب دورا حاسما في شدة الكوارث الطبيعية التي خلفتها الفياضانات . فبغظ النظر عن كون المنشات التي دمرتها السيول كانت تحتل مجاري الأودية والأنهار الموسمية ،فالدولة تقصر في تدخلها في هذه المناطق . فلو كانت هناك سدود ما حصلت الكارثة .وما ضاعت كل هذه الكميات من المياه التي تحتاجها المناطق الوسطى للمغرب .فسدود أودية درعة وسوس وتانسيفت صغيرة جدا وتملأها السيول خلال ساهات معدودة .ولو طرح المسؤولون في هذا البلد عل أنفسهم سؤالا واحدا فقط ،لماذا لم تحدث فياضانات في وادي ام الربيع ؟ لفطنوا الى السبب الوجيه الذي منع الكارثة عن وادي أم الربيع ،ولم يمنعها في أودية المناطق المنكوبة .الجواب سهل وبسيط ومنطقي ،وهو أن وادي أم الربيع شيد عليه عدد كبير من السدود وصل الى 11 سدا .كما يضم في منبعه بالأطلسين الكبير والمتوسط سدودا تجمع كل سيول الجبال الجارفة أهمها سد “بين اليدان”وهذا ما يغيب في مناطق المغرب العميق أو المغرب غير النافع .

هذا المعطى الطبيعي المتميز بالموسمية وعدم الإنتظام يطرح أكثر من علامة استفهام . لماذا تضيع كل هذه الكميات من المياه ؟ولماذا تدعي الدولة أنها تحارب الجفاف بسياسة بناء السدود ؟فالحقينة الإجمالية للسدود المغربية بالكاد تتجاوز 12 مليار متر مكعب ،موزعة على 135 سدا ،حوالي 30 بالمائة منها تملأها الرواسب .ولنِؤكد مدى ضعف هذه الحقينة فهي تعادل حقينة سد واحد في العراق هو سد الموصل .وهي كذلك عشر حقينة سد النهضة بإئيوبيا .

وتجدر الإشارة الى أن سياسة إعداد التراب الوطني تتجاهل الجغرافيا ورجالها بهذا البلد ، ولا تؤمن بقدراتهم وإمكاناتهم . فالتقسيم الجهوي همش رجال الجغرافيا ،والجماعات الترابية توظف تقنيين لا علاقة لهم بعلم الجغرافيا ،مما يخلق عدم الإنسجام بين الإنسان والمجال الذي يعيش فيه .وهو أمر يعطل البرامج التنموية ويدخلها في فوضى عارمة تتسم بالهشاشة المزمنة سواء في الريف أو في المدن .

بعد فشل سياسة إعداد التراب الوطني على جميع المستويات الإقتصادية والإجتماعية والبيئية ،سار من اللازم على الدولة أن تعيد النظر في سياستها وتدقق حساباتها جيدا .فسياسة التهيئة المجالية ليست مجرد أقوال وخطابات على وسائل الإعلام ،ولا هي مجرد وثائق تملأ رفوف المؤسسات . وإنما هي سياسة شمولية وتشاركية تسعى الى تنظيم المجال والتخفيف من الإختلالات المجالية بين الجهات ،وتروم تحقيق التنمية المستدامة المتسمة بأقصى درجات الحكامة الجيدة .

عبد الهــــــــــــــادي المــــوســـــولي