افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » الفن الرديء بالمغرب مسؤولية من ؟

الفن الرديء بالمغرب مسؤولية من ؟

إن السؤال الذي  لا يخامرنا في الأذهان عموما هو كيف يرانا الأخر رغم الموروث الثقافي الكبير للأمة المغربية .  لا نعرف حدود أهليتنا بالنسبة للأصدقاء وللأعداء كمغاربة ، بيننا قد يكون الأمر واضحا حينما نتحدث عن أنفسنا، عن من نكون ومن أين جئنا ومن هم أقاربنا وماذا يملكون وكيف يعيشون وكيف وكيف .  بيننا الأمر بيين ، لكن بطبيعة الحال الأخر له وجهة نظر أخرى حتى ولو حاولنا تغييرها لا ننجح لأنه ينظر من خلاف ، لم نقم في هذا المجال باستطلاع للرأي العام الدولي لمعرفة كيف يرانا الأوروبيون والمشارقة وبقية الكرة الأرضية .

فقط تجدر الإشارة إلى أن الأمم مهما بلغت من الازدهار والرقي ومهما بلغ شعبها تجذبنا فيها أشياء محددة وهي مقياس كل شيء ، وعندما نفتح القوس سيظهر جليا أن الفكرة مهضومة ومفهومة أكثر من شرحها وتفصيلها بدقة .  فمثلا ، لا يختلف المغاربة حتى البدو فيهم أن العلوم جاءت من الغرب ، الطب والهندسة والاستشراف ، والنهضة والفكر والسياسة والفلسفة أو كل شيء تقريبا جاء من هناك ، وأنه حينما نتجاوز العام المشترك من المدارك لسبر عمق الأشياء هنا يختلف هذا وذاك بين المعرفة التامة  بالأشياء ، ولكن يبقى الرأي العام في فرنسا مثلا من وجهة نظر مغربية محضة أن فرنسا مستعمرة متقدمة تملك كل شيء ويسافر إليها طلبة العلم والسياحة والعمل لأن المال فيها وفير ولأن الحقوق كذلك ولأن كل شيء عكس ما نملك .  جيد .

فالنخبة المغربية درست في فرنسا وتعرف فرنسا أكثر من معرفتها لشوارع الرباط والدار البيضاء ، ولها الحق في عشقها لكل ما هو جيد ، فن مسرح موسيقى أذب وباقي مناهل الفكر وتغذية العقل وما جاورها ، ويبقى حكم النخبة إلى اليوم بأن فرنسا هي الأم الطبيعية لديهم عكس ما قد يسوقه البعض من حبه لمغربه وهو تفسير مغلف بالخطأ ، لأن أغلب تلك النخبة تملك جوازات سفر مزدوجة وتضع نعلا بالمغرب ونعل أخر عند بوابة مطار محمد الخامس كل نهاية أسبوع . معهم الحق فالرقي مبحث الإنسانية جمعاء .

حتى لا نزيغ كثيرا عن ما نريد ملامسته كمغاربة وهو أن الفن الجميل ينتجه شعب جميل في بيئة جميلة ، تتشبع به أجيال تتحول إلى قيادات للبلد الذي أنتجها ، كل أوروبا وما عليه مند النهضة إلى اليوم كان نتاج الفن الجيد ، الفن الذي خلق جوني هوليداي وفريدريك يتايير ولارا فابيان ولو أنها بلجيكية لا يهم ، ولنتوقف قليلا عند علامة فارقة في أوروبا وفي فرنسا بالضبط  المغني الشهير شارل أزنفور مع أنه ارميني الأصل لم ينظر له في فرنسا بغبن الأجنبي ، أنتج هذا الفنان حوالي 100 مليون اسطوانة وألف أغنية ولم ينتج قطعا اغنية ” اعطيني صاكي ” ولا يجوز له .  في مناسبة استطاع جمع مبلغ 150 مليون دولار لفائدة الاعمال الخيرية ، لم يجمعها من ” لغرامة ” ، نحاول قدر المستطاع تبيان عيوب الفن عندنا وهبوطه الذي يمثل انحدار الأمة سواء مغربية أو تونسية أو أيا كانت . ولو أنه يجب أن نتوقف قليلا عند دولة مصر العربية التي انهارت فيها اليوم كل أوجه الحياة ، ولكن رغم كل ذلك فهناك فرق شاسع وواضح على طول تاريخها مند محمد علي حتى نهاية الدولة الخديوية بنهاية  الملك فاروق الذي خرج من دون إراقة دماء امتثالا للشرعية الشعبية التي غمسها السيسي اليوم بمحبرة سلطان القوة  في بلد تميز كثيرا ويجب الاعتراف له بذلك رغم المحن الذي تسوسه .

مصر ما بعد ثورة 53 وضباطها الأحرار كانت تتفاعل ، وقد خرجت لتوه من عصر النهضة مع الإمام ، محمد عبده وسلامة موسى ولطفي السيد والقائمة طويلة من المفكرين والأدباء والفلاسفة وكبراء هذه الدولة التي حقيقة يؤسف لحالها ، كان فكرها يغزو في كل مكان ، وصل إلى كل الدنيا ، فالفن والفكر والثقافة بكل مفاصلاها تتحول بقدرة قادر إلى ممثل دائم لأي بلد ينتج موطئ قدم صلب وسط دوامة المجموعة البشرية التي تستمع جيدا وتفهم في كل ما هو جيد .

مطلع الستينيات ازدانت سماء مصر كل مساء بسماع أم كلثوم وهي تغني ، كان راديو مونتي كارلو ينقل لكنة السيدة المصرية وهي تشد السماع من الشرق إلى الغرب ، كانت رسول اللغة العربية بلسانها الذي غنى للحرب وللسلام وللحرية ” أعطني حريتي أطلق يدي ” ثمتلات لغوية صحيحة بفعلها وفاعلها وجملها الاسمية ونحوها البليغ ، كان النقاد والكتاب والشعراء والموزعون والملحنون يسهرون جيدا على ترتيب كل شيء لأن وجه مصر في تلك الألحان ، اللائحة طويلة لجرد منجزات مصر في الثقافة والفكر والموسيقى والسينما والمسرح والكوميديا ، وناسف أننا لم نعد نجد لذلك الزمن سبيلا في زمن الألوان.

هناك تعليل علمي راسخ بأن ما تنتجه يعبر عنك ، والمغرب في هذه المرحلة الدقيقة ينتج أسوأ أدب وفن على الإطلاق ، إنها فعلا مرحلة دقيقة ربما أريد للشعب أن يدجن بشكل يتحول فيه إلى حب ” الهيستيريا ” ، عندما يتسيد البلهاء على  أغراض الفن من السينما إلى الدراما مرورا بالكوميديا التي لا يفهم كيف يمجد نجومها ، مع أنها ليست نفس الكوميديا الهادفة النقية ، هناك من يريد للشعب المغربي أن يصبح فاسد دوقه حينما تحترف العاهرات الركح المقدس لغناء العهر ، مع أن مسارح أوروبا في نفس التوقيت الذي تغنى فيه مثلا أغنية ” اتيكا اتيكاوا ” على أنغام القناتين 1-2   لا يمكن أن يسمح مبدعو الأغنية  أو مبدعو الملاحم على مسرح بفاريا  بغناء تلك الأذواق الرخيصة .

من المعروف أن هناك تغذية وهناك تغذية راجعة ،ما أكلته ستقوم باجتراره غدا ، والأجيال القادمة ستكون جوفاء لاتفهم شيئا لأنه في لحضة معينة سمح الجميع بتغريرها ، بأن تسمع موسيقى لا علاقة لها بالموسيقى ،وأن تتأثر بفنانين هم مجرد أشباه ، وأن تلبس وتنام وتتفرج وتقرأ إن كانت القراءة ما تزال رغبة الكثيرين لمنتوج لا علاقة بالمطلق في بلد يريد شراء المستقبل بتعليم أجياله .

ما معنى ” خويا حك لي نيفي ” وما معنى ” اعطكيني صاكي ” وما معنى  ” تيكا تيكاوا ”  من الهبل الذي لا تغدي  كلماته المزاج بل تفتح أبواب السجون والجريمة والشذوذ وتفسد الأجيال وتجعل المغاربة وصمة عار في كل مكان وأينما حلوا .  وهو الجواب الذي أصبح جاهزا مرتبطا بكل مغربي رغم موروثه الثقافي الكبير فإنه أضحى بالنهاية من بلد عرف في الآونة الأخيرة بأنه مصدر إزعاج دولي فقط . يصدر فتياته لكل الدنيا من اجل الرذيلة  حتى ولو لم يكن ، ويمتحن رجاله في كل مكان حينما لا يقبلون بذلك ، والحقيقة أن الفن الرديء وعدم رقابة الدولة أو لنقل تغطية الدولة على الهامش كي يتجدر  فسادا وميوعة باسم حرية التعبير   ، ويفسد الدبور الذي لم يعد دبورا لأنه فقد جميع أسلحة الانتقام . وعليه فهناك مسؤولية تقع على جهة بعينها لأنها اختارت للمغاربة هذا الشكل من الحياة mode de vie  ، عوض أن يكون للمغاربة سقف وأماكن ومستويات للتعريف الصحيح بما أنتجه هذا البلد من الفنون  ومن الكلام الموزون ومن الرجال والنساء والألحان في كل مكان .