افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » ثقافة » القصة الصحفية : العربي من القاع إلى القمة .

القصة الصحفية : العربي من القاع إلى القمة .

بقلم /صبري يوسف .

جرب صاحبنا كل أنواع “البلاوي “. صاع عاريا في الطرقات أيام الصبا . لغط كثيرا على مرأى ومسمع الجارات طالبا ثدي أمه الذي كانت تمنعه عليه وهو الذي أصبح بعض الشيء يقف جيدا على قدميه وأقرانه قد أفطموا .كان يريد بعطشه الزائد أن يشرب حليبا من أمه أكثر من كل مجا يليه . كانت ملامح شخص ذكي ثاقب البصيرة تصنع بين يدي والدته التي ورثت باعا من الجسارة بين نساء زمانها . لن نمر دون الإطلالة على واحدة من سبع أخوات هي أكبرهن سنا . كانت مي خدوج الأكثر بريقا في العينين والأكثر مجابهة للزمان ، وكانت مي خدوج الخدومة لا تغادر البيت . لم تغادر جميع البيوت . بيت والدها وخيمة زوجها التي مات يستند يدها أو قل ذراعها اليمنى،  وكثيرا ما تمنى “با كبور” أن يموت على نفس الحلم ، أن يستقبل مغادرة الدنيا وذراع مي خدوج هي أخر الأحاسيس له بالوجود .

المرأة التي يريد ابنها أن يلتصق بثدييها بين كل الذي افطموا هو شخص يريد أن يزيد من محنتها وسط حزنها العميق بذوبان أهلها من أمام عينيها  مرة واحدة ،وهي التي بقيت وحيدة بعدما غادر الجميع المدينة التي تركها بها والدها يوم أن كان جنديا قدم إليها من الريف . كان يحب العيش في تلك الضاحية التي جلبت عليه أسرة كبيرة بين سبع فتيات كلهن تزوجن . ورجلان” ذادا “بنفس الطريقة واستقرا في اتجاهات متباينة من دروب الحياة . ولطالما جعل المصير أكبر العائلات متفرقة لم تجتمع إلى النهاية .

الصبي الذي عاش مع مي خدوج كان لصيقا بها بعدما طوت ذاكرة النسيان لحظات حبها لزوج اشتغل بنفس مهنة والدها . كان جنديا آثر حب الدفاع عن تخوم وطنه ،وزهقت نفسه في إحدى المرات شهيدا للبلد ، وكثيرا ما أحبت البنات من ذلك الزمان الرجل الفحل الذي لا يهاب الموت ، وكثيرا ما أحبت النساء من ذلك الرعيل العسكريين واختيارات أولياء أمورهم ، وكثيرا ما رفضت بنت بكر أمر والدها المطاع في من سيكون رفيق درها ، وكثيرا ما كان الاختيار صائبا في تلك الأزمان التي بنيت على جودة الرجال وغلظتهم. أكثر من أن يترك للبنت تصويب تعريفة خاصة لفارس أحلامها .

مي خدوج بعد كل شقاوة المهجر والبعاد عن روح زوجها التي رفعت إلى الأعلى بعد الحروب التي دارت في وطنها لنصرة حدودها التزمت تلك المدينة عند ناصية شارع من الأبنية العتيقة التي تشبه السكان . تركها والدها في نفس الحي وبنفس المبادئ التي اكتسبتها عن جنديين أحدهما أبوها والأخر بعلها اللذان غادر بمسافات متفرقة إلى مثواهما الأخير ، وقد تكون كل يوم جمعة تزور قبريهما الغير بعيدين عن بعضهما. القريبين بكل الأحاسيس سواء في الحرب أو السلم التي كانت جمعتهما في حياتهما  ، ولطالما افتخرت بهما وبسطوتهما وكبرياء الرجال الأشاوس الذين لا يخافون جل المقادير.

كانت مي خدوج كلما تذكرت سيرتهما وقفت مرة واحدة وبسرعة ، فزمن ذلك الوطن من الحروب ألهب عقيدة النساء نحو الخضوع  للرجال الشجعان أحياء أو أموات .أما دون ذلك فقلما في تلك الفترة أن التفتت سيدة وضيعة لمضاجعة أحلام رجل تراه من وراء كوب ماء لا تظهر معالمه جيدا . باتت مي خدوج اليوم وابنها الرجل القوي الذي استقام عوده ولم يجد أي شيء يقارع به نفسا تريد أن تشرب وتأكل وتموت مستريحة .

بعد موت زوج والدة العربي ومغادرة الأهل صرفت جل وقتها في تربية ابنها الوحيد . فيما أخواتها غادرن إلى اتجاهات من الوطن وما وراء الوطن ، ولطالما فرض الدهر على الناس ترك أقرب الذكريات إلى قلوبهم .لأنها لم تعد تشفع في أشعة من نهار عار اللهم الحقيقة التي تبقى ولا تبرح المكان . الصبي الذي تحدتنا عنه وهو لا يبرح ثدييها سيكبر غليظا قاسي القلب ولكنه فقير . وأن تجتمع كل هذه الخصال في شخص واحد يعني وللأسف أن الموسيقى والفن لن يعرف طريقهما إلى مثل هذه القامات من الناس .

الرجل الذي بين أيدينا يفعل كل شيء يأتيه بالنقد . لقد جرب مخزون الرجولة في كل المهن . سرق ودخل السجن . باع المخدرات . شهد الزور في المحاكم ضد أطراف لحساب أطراف بمقابل . باع الخضر والفواكه . نام في الشوارع . تجرع كل القيم السيئة في مجتمع لا يعترف بقليلي الحظ ، ومع كل ذلك لم يفرط في والدته التي كسته بمرضاتها على كل الشرور التي تقاسمتها بنيته وجسده وروحه .

العربي وهو اسمه ، وقد اختاره أبوه تيمنا بجدهما الأكبر . كان يتوسم فيه والده أن يكون على نفس الدرجة من علم جده . هكذا كانت دائما تذكره مي خدوج حينما يغضب ويرفع صوته في اتجاه الفراغ الذي لا يجيب ، وكثيرا ما غضبت الأسود وزأرت بدون مبرر وفي فضاء لم يستمع لزئيرها ولم يخف ذلك الفضاء . فالأصوات على حدتها أحيانا يعييها الزمن الذي لا يأبه لأصوات الخشونة  وأصوات الدلال دفعة واحدة .

العربي الشاب الذي يخرج يوميا لملاقاة تجربة بالحياة عمل صباغا وبناءا وبائع خردة و”دلالا” . جرب كل المهن التي تذرف رزقا بالدموع. كان همه أن يعيش ، وحلم أن يصبح كجده عالما مفسرا للقرآن توارى وحلت محله أوراش أخرى يدبر فيها العربي أيامه كما تريد تلك الأيام التي اختارته ليكون ساعدها .

وفي كل هذا العالم القدر الجاف الذي لم يمنحه سترة واقية من الضربات تقمص العربي كل الأدوار . كان وسيما قويا ولكنه جاهل لا يعرف من أين تبدأ الجمل في السطر . الخروج العاري إلى الحياة في قسوة الناس الذين يواجههم جرت عليه نعوتا كثيرة. بأن أصبح هو القاسي وسط ذهول والدته التي لطالما لامت الزمن على حنكته وعدم رحمته . تتذكر منتصف الليل قبل أن يهيما إلى الفراش الذي يتقاسمانه بين غرفتين ، واحدة تنام فيها مي خدوج وأخرى للعربي حيث وضع إلى جوار كنبة دولابا لا يكاد يقف مستويا ، بل يعترض سيقانه الخشبية بقطع من الورق كل مرة يحاول أن يميل فيها الدولاب المثقل بالحوائج  المسروقة والمنزوعة بالقوة والمتصدق عليه بها . فيعيد طي الورق ووضعه كي يصمد الدولاب مستويا . غرفته بين النور والظلام وعلى طرفيها يوجد كل شيء ، مشط وسترات و”علاليق” يضع عليها “بيجامته” التي يشعر بالزهو كلما استطاع أخد حمام ولبسها من بعد . تشعره ببعض الأمل في الحياة . وعلى الرغم من جميع أوضاعه وأمه معه.  كان يميل كثيرا إلى اليقين بأن الغد لن يكون أسوأ من الحاضر . كان حلم بناء الذات ورغبة والته في مضارعة المستقبل بأعين مفتوحة هو الآية السلمية التي لا خطأ لديه في صحتها .

أنفق جهده من أجل أن يعيش معا هو وأمه التي ورثت ذكريات لا تغادرها حول الرجال “الأجلاف ” الذين تربت بين أيديهم . كانت مؤمنة بأن المستقبل لن يكون بنفس الضيق وهي التي لم ترضى وصاية أخواتها عنها أو التكفل بمعيشتها حتى بعدما غادروا . بل أحبت وضع يدها في يد ابنها الذي ورث كل الجوانب المثقلة بالصلابة حد النهاية . وكل هذه السنوات التي قطعها يكبر . تحملت فيها مي خدوج الثمن لأنه لم يكن كباقي الأقران . شرب حليبا كثيرا من ثدييها حتى بعدما فات الأوان ، وقد يكون ذلك ما يجعله يحب أمه أكثر من كل الدنيا ، وقد يجعله ذلك قويا واضحا يظهر من بعيد . لم يكن يخجل ولم يخف شيئا،  ولكن قسوة الزمن أغبرت وجهه الواضح المعالم ، وساد غبار على كل تفاصيله،  وقلة الأرزاق والمال يغيب النظارة بعد نعيم الأيام .

العربي الذي طفق يجري جري الذئاب في الدنيا ليغيث أمه الصادقة الوعد في أن ابنها سيكون له شأن هو ما بات يستشعره يوما عن أخر . حتى مع ماضيه المتسخ بالسجون والإجرام والزور وكل الفلتات الكبرى لم يتعب . كان حماسه أكبر من كل العالم . كان لا يبرح تفكيره قيادة العالم مع جهله وشهادة الناس فيه بالبوار ، ومع كل سلوكه ووحشيته وغضباته ، كان مؤمن بعقيدة ما.  لم تترك له فرصة للتراجع عن ما بات راسخا في عقله . وكثيرا ما سنحت الأيام لأفضع الرجال بقيادة العالم لأن القدر أمهلهم تلك الفضيلة أو لبواعث أخرى تظل مجهولة .

العربي المتسخ “السراق “. النصاب . الكذاب.  الجاهل سيقود العالم . كيف ؟ القوة الكامنة وراء العربي لا يعلمها إلا هو . وسط دخان الحياة الكالح تهيأت له الأسباب ليغير من جلده . سمحت له تجارة قريبة من المحرم أن يغتني في ظرف قياسي وأن يصبح عوض ذلك التافه  رجل يحسب له ملايين من الحساب عدا وعددا . العربي ولد مي خدوج سترته الأيام بلحافها ، وعوض أن يبقى “مضيوم” الحال سار رجلا تقام له الدنيا وتقعد ، وكثيرا ما حصل في زمن العربي بنفس الوثيرة أن اغتنى عباد كثر بعد جهالة الفقر عليهم، ولكن معالم الثراء ظلت مجهولة اللهم حديث الناس بين الفينة والأخرى عن مصادر وعن أمور يعلمها فقط أصحابها بين الصحة وعدم الصواب . زمن العربي تحولت فيه الوجاهة للعديدين من الصغار ، وباتوا في نفس الذروة التي تحسسها منذ سنوات ، ترى هل كان إحساسه بأن الغد سيكون بخلاف اليوم انطلق من افتراض الانغماس في شبهة أو عمل يدر ربحا سريعا. أم أن الزمن يعطف أحيانا ويلامس الصواب منطق الألسن على جفافها  . وبين كل هذه الأقوال وحياة العربي الجديدة مسافة ألف عام . هو الآن رجل يملك كل شيء ويشغل كل الناس والجميع يهتف باسمه  . وزمنه الجديد امتلأ عن أخره بنفس النماذج البشرية التي لم يعهد رؤيتها في محافل الكبار .

في زمن الكساد كانت مي خدوج امرأة صابرة لا ترفع صوتها. مع عودة المياه إلى ضفتي وادي الحياة امتلأ صوتها نبرة من التعالي ، وقفت إلى جوار ابنها والتصق هو الأخر بدعواتها حتى خارج المرضاة التي تناوله من رحيقها المختوم بقلبها ولسانها مع فضائع جرائمه كل يوم . أصبح مالكا لكل شيء . أصبح مزهوا بقدرته على قيادة الناس . وكيف لجاهل أن يقود الناس . والى أي مصير سيتجه بهم سوى أنه لا يملك من محاسن الدنيا إلا المال . وهل هناك سطوة أكبر من المال في زمن العربي الذي لم ينفع فيه عقل أصحاب العقول .

على كل هيمن الرجل الذي أصبح في أواسط العمر على مقاليد الدنيا ، وانزاحت الكرامة من على رؤوس عباد كانوا حتى قبل ذلك بسنوات لا ينطقون اسم العربي جيدا . وتغيرت ملامح وجهه وكسته براءة الغنى والفحش حد الرقبة وباتت خدوج  ، تزور المقامات كل عام مع يقينها بأن هناك شكا فيما تقوم به ، ربما لا تنتبه فجيل ابنها غارق في نفس الميزة بدون طرح السؤال هل يجوز  .  العربي في زمنه وجد من كانوا لا شيء وكلهم أراد قيادة العالم من منطلقات وحدهم من يدركون مفاتيحها . كان وقتا عنيدا اختار لقاء هؤلاء في عام واحد .

أصبح بين عشية وبكراها يدخل العربي المدينة وقد أخبر القوم بمقدمه على أميال ، واتسعت جيوشه من البشر الذين لم يكن العبد فيهم يدير إليه طرفه . باتت تحيط به هالة المال المختلطة مع صعوبة نوعه وشكله وضخامة جسده وقلة معرفته التي اشتراها من أصحابها. بأن جعل لمجلسه من يحسنون الكتابة والكلام ودروب الفكر كلها ، وهل يصعب على غني المال أن يشتري كل شيء اللهم من يصعب مقاضاتهم في مثل هذه المجالات .

الأيام تلو الأخرى تجعل من صاحبنا ووالدته رمزا للقاع الذي وصل القمة . رمزا للمهانة التي تسلقت رتب الجدع إلى أعلى مكنونات الثمر . مي خدوج باتت حاجة ، وابنها لبس عرس الدنيا كل يوم وفتحت عليه أشياءها الغامضة التي أغنته ، وهي التي أغنت الكثيرين بصرف النظر عن شكلها . مع أن معارفه يشكون باليقين في أنه من العبث أن يبيت رجل فقير ويصبح غني بهذا المنظر. ولكن حتى تلك الوجاهة ، وذلك الجمال البراق الذي ظهر عليه كل ذلك لم ينسي فيه أنه ابن القاع الذي كان يبيت في الطرقات جائعا مهموما مهووسا بدرهم يشتري به رغيفا لوالدته ويقاسمه معها .

العهد الذي غير من طباع العربي ، إلى شخص يريده الكل في زمن قطع فيه من القاع إلى القمة في رمشة عين هو الزمن الذي قد يغري العديدين إلى انتظار فرصة مجهولة لركوب نفس “العبارة”. التي قد تقل المنتظرين إلى نفس بحبوحة العيش والخروج من الضنك في مسيرة قطعها العربي وتستر برداء العقل من بعدها . مع أنه لا عقل له ، وبلباس الورع والتقوى والكياسة.  مع أن الجميع يعلم فيه سلوكه وقبحه وشططه في كل الأفعال التي تنسب عادة إلى أقبح  المجرمين .

وها أنت تنظر إلى العربي في مجلسه حيث الجميع ينظر إلى عينيه أن تتخطف شيئا يسيطرون عليه قبل أن يأذن لهم ، وها أنت ترى العربي القادم من السفح إلى القمة قد تغير كليا . أصبح بشرا أخر يحلو لهم جميعا أن يسلموا عليه ، أن ينبطحوا أمامه ، أن يخدموه جميعا بكل ما يملكون حتى بأعز ما لديهم  وأقدس ، وهو الذي عاش بينهم مذموما مدحورا . وها أنت تنظر إلى من كنت تظنهم لا يأتون العربي يمشون الهنيهة يجلسون مناصرين لجهله الذي ألبسه  المال حلة العلم ، يفقهون لترهاته ، يمجدون في كل نقائصه لتصبح مزايا إنسان فريد في زمنه الفريد ، وها أنت تنظر إلى كل العيوب وقد أصبحت ورودا في جنان لم يطأها نبات الشوك . العربي الذي يدير رأسه فوق الجميع هو الوحيد الذي يدرك المسافة التي قطعها كي يحيط به كل هؤلاء في زمن صنع منه بطلا ،وصنع من هؤلاء الذين كرهوه كثيرا مجرد أرقام وخدم وحشم . سواء رغبوا أو لم يرغبوا.  فقط لأن العربي أدرك حجم المهانة فيهم،  وعقدة رواية حقيقية عنوانها أن الجميع في كل هذا العالم سيسير طائعا لمجرد أن يصبح اسمك منحوتا بالذهب .