افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » ثقافة » القصة الصحفية /  انتهى كل شيء لديه فحمل كمانه وقصد سوق الثلاثاء بابن جرير لإعالة أسرته في أرياف الرحامنة …

القصة الصحفية /  انتهى كل شيء لديه فحمل كمانه وقصد سوق الثلاثاء بابن جرير لإعالة أسرته في أرياف الرحامنة …

إعداد : صبري يوسف .

خرج علال قاصدا سوق الثلاثاء بابن جرير ، خرج هذه المرة متأبطا ألته التي أخفاها لسنين بعدما تزوج “فاطمة ” واختفى ماضيه معها إلى الأبد . هذه الليلة هيأ كمانه القديم الذي انتشله من تحت الأرض انتشال لا ينبغي لأحد من بعده  ،  أخرجه من بين متلاشيات البيت المتبقية من أيام والده بخيمة الورثة  التي ظل يسكنها وحيدا بعدما غادرها إخوته جميعا كما تغادر الأفراخ عش الطيور ، لقد كان يصده والده رحمة الله عليه دائما على تلك الآلة ويشتمه ويحتقره ولا يريده أن يصبح موسيقيا بين “عزارا ” الدوار الفلاحين الأقوياء . كان والده يريده أن يكون كهؤلاء ، قتل فيه الفنان ، واستوى عوده ، وزوجه وأنجب عددا كبيرا من الأولاد ، وساعدته سنوات “الصابا” في أن ينال من كل الأقوات ، امتلك رفقة والده الخيل وركب أجودها والحرث  ، ولم ينسى مع كل ذلك لحن الكمان الذي يرافقه كلما شذى الكمان في أي مكان ،لم يكن علال الوحيد في أبناء الدوار الذين كتموا في صدورهم مغادرة الفن مجبرين ، بل كان أقرأنه يشكلون فرقة حالمة سرعان ما طواها النسيان ، تجند لهم آباؤهم وأسرهم نهيا وقهرا وتحريما وتنكيلا فغادروا الفرقة وانقسموا . فقط علال هو من لم ينسى . لم يغفو له تلك الليلة  بصره وهو بقرب فاطمة ينتظر رنة هاتفه النقال الذي اشتراه مند مدة ، كان ينتظر مصيرا جديدا سيعتمد فيه على “الممنوع ”  ، على الماضي ، على آلة الكمان التي رتبها ووضعها  في كيس وأخفاه على أبنائه الكثر الذين لم يعلموا بعد بأن والدهم كان “كومانجيا ” وليس فنانا أو موسيقيا  بالمعنى الحقيقي للكلمة ، بات علال يقلب كفيه تحت وجنتيه طوال الليل ، وأسئلة حارقة تبحث عن حجة الولادة ، كان مقتنع بأن لا مفر من الخروج ، فبهائمه مات جلها ، ومن بقي قد باعه إلى “الكسابين ، ” فقط “حمارة وحيدة هي التي قبل بقائها على مضض  لأنها تسقي الماء وقد يجعها ترحل متى ضاق الخناق أكثر، أو تصبح عرضة للكلاب بعد مسافة من الخمية .

الجفاف كما يردد القرويون عادة هو سعد الكلاب والجزارين ، تصبح الكلاب شرسة في الجفاف وحاقدة على سنوات الجوع التي تجعل منها حيوانات عاشبة تأكل بقايا المرق والبطاطس .وزمن الانتقام مغروس في كل الكائنات تقريبا .

ليت حظ علال سمح له من قبل أن يكون فنانا في الأعراس التي كان قد بدأها رفقة أصحابه لكان أفضل من تجريب الكمان في الجفاف حيث لا يسمع اللحن مع الأمعاء الخاوية  . كان الليل يسرع بخطى إلى فلق الصبح وعلال يتقلب في مضجعه يلتقط الأجوبة المقنعة ويبرر خروجه العلني في السوق على مسافة ساعة سينتشر بعدها الخبر في كل القبيلة  مع أنه لا مبرر لحبس الجوع على التهام صاحبه ، إنه انتشل الكمان الذي منع منه لعقود طويلة ، ووصية والديه أن لا يقترف خطأ  “الكمان ” باتت واهية ، سيخرجه مرغما ليعزف عليه  انتقاما من الجوع ، فحرمة العزف وحاجته إلى المال  لا تستويان أبدا وفي كل الشرائع ، وأيام الجفاف الطويلة والأسرة الجائعة تشرعن كل الأفعال أحيانا وبالنسبة إلي علال وفي تلك اللحظات كل شيء مباح .لا مناص سيخرج ، فاطمة تعرف القصة كاملة ، فالمرأة تصبح سند الرجال حينما يتفق مزاجها مع مزاج الزوج فيما قدر لهما كمصير مشترك ، ولو أنها حيلة قلت في هذه الأزمان ، إذ سرعان ما تهرب الزوجة إلى بيت أهلها ويبقى الرجل وحيد البيت وقد يمت عند الباب في أول محاولة انعتاق من المسؤولية التي تكبر عليه .

أذن المؤذن لصلاة الفجر وعلال يتمنى أن يطول الصبح ولا يتنفس على يوم أخر جديد  تمناه سرمدا إلى يوم القيامة ، كان أولاده لا يزالون نياما ، وتكلفة يوم أخر بلا دقيق ستكسر الحياة التي لا يفهم فيها أبنائه معنى الجوع بعد ، ومعنى عاديات الزمن التي خبرها هو وزوجته ، وفجأة رن الهاتف وسمع دوي الجرارات التي ستعبر الرحامنة إلى سوقها الثلاثاء في أول رحلة للكمان بعد سنوات الشرف على جسر الكرامة رفقة الوالد والأنعام والخير والتربة والزرع .

صوت الجرار وسط الدوار ” يكرنط ”  والآذان مرفوع في السماء الفارغة من صوت الأغنام ، فالجوع يملأ الجسد تعبا وصبرا وصمتا كأنه الحكمة ،ولا تخرج بعده أصوات من أي كان ، الجوع يشبه لغة المقابر. هو المقبرة بعينها .

علال غادر بحتا عن القوت بآلة الكمان بعد سنين ، غادر القرية وترك زوجته تنتظر، واقفة عند الباب والدموع تذرف على ضياع الكرامة فعلال لم يخرج يوما كهذه المرة ، كان يخرج بائعا ومشتريا ، تاجرا “كسابا” فلاحا لا يشق له غبار ، والصعود والنزول في الحياة لا تحسب فيه أوقاته ، ولها أن ترثي علال زوجها المخلص الذي انحنى للجوع طوعا وكرها .  وقفت تنتظر دقيقا وخضرا ولحما ، تنتظر بعلا سيعولها وأبنائها في أرياف الرحامنة في الجفاف ، تنتظر كرم الرحامنة في الأسواق  ، في زمن يستبعد الفرد أن تملأ مسامعه الموسيقى في سوق كل من يأتيه من القرويين هم ضحايا مغلوبون ، أو مجبرين على تسليم مواشيهم لآخرين ، الرحامنة قوم شريف لا يقبلون بمد أيدهم وتاريخهم معفي من “التسول ” ، ولحظات الجوع أتمرت في الناس خصلة امتهان كل شيء كي يبقوا على قيد الحياة . علال وصل ابن جرير ، دخل السوق ، انتزع كمانه الذي ستره لسنوات ، أهالي قريته تفاجئوا ، لم يرضوا به ، لم يرغبوا أن يروا ابن كبيرهم يغني كي يأخذ ، ضاع الصوت ، تهدمت الأسنان ، شاب الرأس ، كبر علال ، فاجعة الجفاف أنزلت علال منزلة “الأجرب ” وبات يختبئ “المتسوقون ” من دواره كلما مر عليهم في أزقة السوق ، علال يعزف ، وأهالي بلدته غاضبون ، وليس باليد حيلة ، فالغضب في غير موضوعه لم يعد ينفع ، خرج علال وتاه في مدينة ابن جرير ، وتاه معه حظه ، وتاهت كمانه وسط الأحياء ، و”تهامس “عليه الجلوس بالمقاهي  وتغامزوا ، وسخر منه معظمهم ، بل وتهكم عليه من هم أقل منه شأنا حتى بعدما لم يعد شأنا ، سخروا منه كثيرا ، وعاد من حيث أتى في المساء ، اللهم بعض الدراهم وبعض من قطع اللحم المتباينة ، وبعض رؤوس البصل  والطماطم ، عند باب الدار برز له أبنائه ، علموا بالأمر ، بكوا جميعا بلا افتراق ، فتتوا كمانه ، نقموا على تاريخهم ، ركضوا على صدقات السوق ، قرروا أن يبيتوا جياعا ، وأن يغادروا القبيلة في موسم الجوع الذي لم يعد يهمهم فيه البقاء  ، غادر علال في اليوم الموالي فما نفعه كمانه ولا تاريخ من العزة والسؤدد  بين أهله ، نفعته فقط سيقانه وبلاغة أبنائه الرحامنة الطيبين  الذين لم يرضوا أن يلبثوا في الفقر المهين .رحلوا تاركين ديارهم لهزيع الريح المتوحشة تأكل طينها ، بعدما أكلت أجسادهم أو أوشكت على دلك .