افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » سليدر » القصة الصحفية /فضلت الموت على الحياة وانتهى زمن من الحسن على شجرة الكاليبتوس العملاقة .

القصة الصحفية /فضلت الموت على الحياة وانتهى زمن من الحسن على شجرة الكاليبتوس العملاقة .

 

إعداد : صبري يوسف .

كتب لزمن طويل من الحسن أن ينحسر ، فضل الوقت أن يقف هناك عند شجرة “الكليبتوس” العالية التي غرسها جدها الفقيد منذ عقود “با محمد” ، وعلى نسيم الرياح الهادئة في محفل المغادرة جسد سيدة رتب القدر لها كل شيء كي تكون معزولة عن كل الأيادي والأبصار التي يمكن أن تمدها بالحياة .أو تساعدها على مواجهة باقي الأقدار التي كانت ستملأ حياتها  بالمزيد لو قدر لها عمر جديد . ففي ذلك اليوم كانت وحيدة لتجابه كل ما فيها بكل ما تقدر عليه ، ولطالما اختار شيء غريب في الحياة الفرصة لينهي دواة ناس لطالما حلموا بإيجاد الحل ونهاية المعاناة وحيدين بلا معين لأن شيئا غريبا يتخطف محاولة البقاء على قيد الحياة لديهم ولو تجنبوه.

وهي تلعب فوق الأرض ، وهي تصفع وجهها الزهري غير عابثة بأن طاقة الطفولة البريئة  فيها ستلتهمها الأيام شر التهام ، وهي أمام “لعزيب ” الذي بناه جدها منذ عقود وبقي حصنا خرج من كنفه “لعباد” والمتعلمون والصالحون والصادقون في أسرة عريقة مهدها على الربوة حيث اختار الجد الأول المقام هناك . وهي تصنع من عجين الأرض “لفازك ” لعبها وحيواناتها وتشارك إخوتها نفس الطموح ، وهي الجالسة القرفصاء بكسوتها التي طبعت عليها زهور الربيع الملونة الممرغة على الأرض بنكهة التراب ، و”ضفيرتا” شعرها المائل إلى الأصفر تداعب رياح الربيع أواسط شهر أبريل على مرتفعات الأطلس العائمة وسط الضباب والسحاب العابر على البصر بدون جدوى في إيقافه لأنه يمر كل حين وكل عام ولا يزال . وهي التي تجري جريا وراء والدتها التي تهيئ شؤون الدار وتعود من مكان لمكان وتمر عليها مرور الحب الذي يستشعره الطفل أيا كان من والدته .

وهي كذلك، كبرت تلك الصبية التي عشنا معها صناعة الدواب والحيوانات بطين الأرض اللزج ودرست علوم التاريخ والجغرافيا وأصبحت تأتي “لعزيب” في سورة الغريب عن موطنه اللهم الذكريات . فقد غادرت “بنية” الأسرة الكبيرة الربوة التي أنشئ عليها إرث أسرة  “با محمد ” ، غادرت كما العديدون من إخوتها وأبناء عمومتها ، أصبحوا ما أصحبوه في مدن الوطن أساتذة ومهندسون وتجار وعلية قوم وضعاف وبسطاء كل على جهده في دنيا الحظوظ التي لا تأتي كما نريد .

كبرت وقوي عودها وانحرفت هيئتها نحو شطر الجمال الذي لم يكن يتوقعه أحد ، عادت من اللون الزهري إلى الأشقر بشعر أصفر وعيون زرقاء ، واكتملت الأنوثة في جسد هذه الشابة بما اكتسبته من العلوم في التاريخ ، وبدأ بالنسبة إليها المستقبل واضح المعالم كما يبصر الإنسان يديه أمام عينه فلا مجال لإنكارهما سواء باللمس أو بالإحساس .

اسمها زهيرة وغلب لقب “الزوهرة ” على كل الاختيارات  ، صفاء دهنها في بيئة كبرت على القيم من رجال أشداء كثيرون زادها جمالا ، عاشوا بعيدين عن جماعة القرية اللهم في المناسبات أو ما يدعو إلى مشاركة الآخرين أفراحهم وأتراحهم في ثقافة مغربية لا تخرج عن الإجماع في السراء والضراء وإلا فإن الأمر يصبح عداء لا تشق له أرض ولا تجمع فيه أكف أبدا وتلك حالة مغربية صرفة والله اعلم .

الزوهرة الحسناء ، الزوهرة الأميرة تعيش اليوم في المدينة بعدما قطعت كل مراحل تعليمها سنة بعد سنة بنجاح يؤكد أن الغد سيكون أفضل ، لم نكن على بينة كيف هي دواخل إنسانة رسمت على محياها ملامح من الأمل الذي لا ينبغي أن ينقل حزنا من بعد . كانت في المدينة رفقة صديقاتها ، رفقة الباقي من أفراد عائلتها الكبيرة وهم أجيال وراء أجيال ، يسكنون نفس المكان ، الفتيات في شقة والرجال في أعلى البيت ومصروف الدراسة تتكفل به أسرة كبيرة يجتهد أفرادها من الرجال الفلاحين والتجار ومن تعلموا سلفا بدفع تكاليف الوافدين على الجامعة  لا فرق بين هذا من ذاك .

في كنف الجامعة تكثر الذكريات والصداقات ويتجدد حب المدرجات على الرغم من قسوة الحياة حينما يكون الطالب من أسرة فقيرة لا تقوى على الالتزامات ،ولكن رغم المعيقات فالأفعال المشتركة المتضامنة  للأكل والطعام وجرعات الحب لا تترك حيفا أو مجالا لمخاصمة المدرجات . هناك يجتمع الكل على شرف تلك السنوات التي تصعب مغادرتها ويتمنى البعض أن لا يبرح سور الكلية ولو بعد سنوات من “السقوط ” . وكثيرا ما شدت شباب كثر وشائج الحب الذي تهز لوعته القلوب فجأة من خلال مشاهدة أومصافحة إلى ركوب قطار الحياة قد ينتهي بزواج  أو يصبح مجرد ذكريات مختبئة من أماكن كثيرة في الجامعة وفي رحابها وما حولها . حتى إذا سمحت الظروف يوما بالمرور على الذكريات يكون كل شيء قد تغير ،ومع ذلك لا يموت الماضي  ،وكثير من تمنى لو عادت تلك اللحظات وعادت بعذريتها وصفائها ولكن في التاريخ الإنساني محاصرة العودة بحكم أن كل شيء يمشي إلى الأمام  .

أميرتنا الزوهرة وهي تدرس التاريخ بلحظاته ووميضه الذي بقي من الحرب العالمية الأولى والثانية والعصور المظلمة من الحرب ضد اليهود ، كانت ترسم تاريخها وتخطه بيدها ، كانت وهي على ذلك النحو ترسم نفس النهاية المأساوية كما كان لبعض المشهورين وصناع ذلك التاريخ . حدث وأن تناولت موضوع عشقها لزميل بالكلية إلى بنت من بنات عمها ، وحدث أن رأتهما معا يمشيان على أرصفة الكلية يحدثان بعضهما البعض ، وحدث أن رمقتهما مرات يتناولان الطعام في أماكن ومحلات على رمش الجامعة أو أقرب منه إلى مقلها ، وحدث أن جن جنونها بالبيت الذي يعيش فيه الجميع من المدينة ، وحدث لمرات أن صدقتها القول بأنه يريد الزواج منها وأنه يدرس التاريخ كما هي ، وحدث كثير من الحكي المباشر وبالإشارة الذي احتفظت به ابنة عمها لا تحكيه أبدا إلا حينما سيأتي موعد حكيه بعدما لن يكون مفيدا .

الزوهرة حصلت على “الايصانص” وتخصصت في التاريخ وأصبحت أستاذة لنفس المادة . أين يا ترى الرجل الذي كان مناسبا في حياتها ؟ أين اختفى ذلك الشاب الأشقر الذي عشقته ؟ أين راح بعد نهاية التاريخ بالجامعة . هي الآن أستاذة لأحب مادة لها ، هدوئها اليومي بالفصل وخارجه يفسر عمق الجرح الذي تعيشه ، والأيام التي ستعقب صمتها المطبق خارج الدرس  ستنزل على محبيها منزلة الاستفهام ، فتغييرا جذريا طبع حالها ، ونهاية بهاء امرأة ربطت أجيالا بها ولو على سبيل الاستحضار لا يمكن إلا أن يفهم بأن شيئا فريدا حل بذلك القلب الذي غير الجثة وغير الملامح ، وكثيرا ما غيرت القلوب بالناس وهم لا يشعرون .

الزوهرة الهادئة المضجرة القلب ، المجهولة الحالة ، الخريجة الجديدة في مادة التاريخ ، الحسناء التي التحقت  بالثانوية تنشد المستقبل بكل ما للكلمة من معنى فجأة يتساقط كل ذلك الشيء الجميل تباعا وتظهر الزوهرة سيدة أخرى منهكة تشكو المجهول .

وهي كذلك وحتى أن عامها لم ينتهي بعد ، وحتى أن كرسيها بالثانوية ليس النهاية فطموحها أكبر ، وحتى أن الكل يحبها ويعشقها ، وحتى أن الأماني أمام عينيها لا حدود لها ، تراه جسد معلق على شجرة الكاليبتوس العملاقة التي غرسها الأجداد للأحفاد يستظلون بظلها . تحولت  الشجرة إلى نحس فجأة وتمنى الجميع بعدما حضروا أن لو أجهزوا عليها منذ أعوام،تنكروا لضلها بسرعة لقد خطفت ابنتهم كما يعتقدون  ، باتت الشجرة العملاقة التي استظل عليها جيل بكامله مثار نحس ، مثار حزن وألم ، بعضهم وهو واقف على جسد امرأة معلق جيدا تمنى أن يبدأ في قطعها من الجذور قبل إنزال الجسد الذي اختار تلك النهاية وبذلك الشكل . في يوم غابت كل النساء عن “لعزيب “، وغاب الرجال ، وحلت فيه الموت ، فقط جسد الزوهرة المعلق على الشجرة وشعرها الأشقر يداعب كتفيها ويسافر مع الريح . انتهت  الحسناء في بضع لحظات ، انتهى حلم عائلة بالاستمرار ، ماذا حدث وكيف ومن ؟ بقي كل شيء معلق فقط الزوهرة وضعت نهاية جميلة عمرت مدة من الزمن وغابت بعدما ربطت حبلا إلى الشجرة التي انتظرتها كي تكبر لتسوقها إلى جدعها سوقا . الحقيقة الغائبة أن أشياء نعيش معها قد تكون نهايتنا على طولها أو عرضها أو عمقها كيفما كانت أشكالها وأوضاعها  سواء ركزنا النظر أو لم نهتم . فالحياة لا تتوقف عند الأفراد وإنما عند الأشياء في لحظات تصبح ذلك البلسم الشافي بالنسبة لمن يريدون وضع حد لنهايتهم ،في حين تصبح الأسرة الغارقة في الفاجعة  وهي تتدارك الواقعة أن لو لم توجد تلك الشجرة أو البئر أو … بالوجود أصلا .

انتهت حياة الزوهرة وعم الظلام بعد نهار انتظر أهلها كي يودعوا جميلة لم يكن بد من تجاوز نهايتها بذلك الشكل لأن القدر شاء .