افتتاحية

  • الربيع الأسود بالرجامنة.

    بقلم: صبري يوسف. لن يكون هناك ربيع والله أعلم ، وقد حل فصل الربيع قبل أسبوع من اليوم تقريبا ، الفلاح...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » انتزاع المواقف .

انتزاع المواقف .

بقلم : صبري يوسف.

قديما كنا نسمع عن انتزاع الاعتراف بالقوة ، الاعتراف المفضي إلى نتائج وتترتب عنه أحكام قاسية أو قاتلة ..كان حتى عهد قريب لا يزال يتداول المصطلح ..إنما نحن الآن أمام انتزاع المواقف . كيف ؟وما معنى ذلك ؟

لنتفق أن جميع المواقف ليست ذات أهمية حتى يمكن انتزاعها ، الخطأ  الشنيع الذي يوهم الكثيرين أنفسهم به هو أن مواقفهم – مهمة – وهي بالكاد لا تعني سوى هم أنفسهم ، لا تهم أمة أو شعبا أو قبيلة أو مجتمعا لايصنعون فيه تحولا كميا أو كيفيا .

نحن عندما نتحدث عن المواقف تلك التي تصدر عن ذوات عالمة ، مفكرة ، دينامية ، قيادية. أي تلك التي تصدر عن نوع من البشر الغير العاديين.

ليست كل المواقف التي تنتج يوميا بالمدن المغربية وبالأحياء هي مواقف تمشي بالبلد إلى الأمام أو تجعل رأيا عاما متعلقا بها . بل هي ما يمكن اعتباره من “الحديث اليومي ” .سواء حديث للنفس أو للغير أو للبعض ولا تؤثر في رأي عام أكان لجماعة أو لفريق أو لأي كان .

إنما وقبل العصف الذهني لمختلف التحولات التي أعقبت 20 فبراير علينا أولا بالتوقف عند هذه الذكرى . التسليم بأنها لم تحدث تحولا جوهريا على مستوى البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المغربية..لقد سبق الورق الذي شيدت عليه “فلسفة ” الدستور ..دستور 2011 مضامين نصوصه  وفاعليتها على الأرض ، لأنه وبالأمس سحل وضرب وهزمت إرادة مجموعة من بنات وأبناء المستقبل”الأساتذة ” . في ذكرى كان من المفترض تخطي زمنها “النفسي والاعتباري ” لدى شرائح مهمة من الرأي العام المغربي باحتفالية وسلام ،فهي تعني لجيل مهم منه أنها “عربونه ” القويم نحو الشعور بالتحول من داخل هذا البلد وهو الأفضل ، بمعنى أن الشعور العام لما أعقب 2011 كان بالنسبة للمغاربة تغيرا جذريا سينفع في القادم من الأيام ، وأن الآباء سيحدثون أبناءهم وأحفادهم عن رغبة الدولة المغربية منذ كل العصور بالقبول بشرط التدرج لمعانقة “الديمقراطية “، وأن لا خوف على المكتسبات لأنها فعل تراكمي يأتي مع الزمن والرغبة والإصرار وقيمة الدولة في خارطة كونية تشيد على الاستحقاق الذي يتشارك طرفان في إنتاجه بالمساهمة النقدية أحيانا أو استمرارا لكفاح مشترك ، أو بأي إمكانية  تتقاسمها جهتان هما السلطة وباقي مكونات المجتمع..وهذا هو الوصف ربما داخل كل المجتمعات منذ العصور الأولى ..حيث تحتك السلطة بباقي مكونات المجتمع وتبني معه وفق إرادة مشتركة عمودها الفلسفي التنموي على جميع الصعد..نحن في أحضان مونتسكيو وجون لوك وجون هوبز ونخبة أخرى من أوروبا التحولات .

على أي صارت 20 فبراير بعيدة بعقد من الزمن ، وخلال هذه المسافة تراجعت المواعيد عن ساعاتها ، وأغلق باب الحلم .إننا لم نعد نجد تفسيرا لموت السياسة واتهام السياسيين والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني والقوى الحية بأنها ضيعت ورش الانتقال “التعاقدي ” الخلاق .

سيرد من يعتبر موت كل هذه المكونات مجرد كلام عابر ، إنما علينا فقط إجراء بحث في الشارع لمعرفة أن ما أعقب 20 فبراير كان الأسوأ .

ظهور نخب جديدة بشكل “مشوه ” ، تحطيم معنى المثقف ، قتل مفهوم المجتمع المدني المنضبط وتحويله إلى تجربة مجتمعية أخرى مشوهة  وتافهة .

ما أعقب 20 فبراير يعد بالقراءة، ويعطي الانطباع وكأن هناك عنصرا دخل لتفريغ التجربة الإنسانية المغربية من محتواها إلى “التتفيه ” .

تتفيه كل الأشياء الجميلة التي كان ينظر إليها المغاربة باهتمام أوسع ، تم هناك تفسير أخر أو عنصر ثاني وهو “التمييع ” ..تمييع الحياة الفكرية والثقافية وما يجري في فلكهما ، تشكيل فئات اجتماعية تعيش على الريع ..لا تنتج شيئا بل تتغذى على الريع داخل المجتمع، وتمارس دورا مهما يوميا في تفريغ جميع المحتويات المرجو منها إعادة البناء السليم  أو على الأقل “المقاومة “، ريثما يتسنى لها إعادة البناء التي هي نفسها إعادة الإعمار ..فالبيوت بلا مضمون إنساني ليست ذات قيمة بل هي مهدمة بالأساس.

ظهور فئات متربحة من المشهد لما بعد 20 فبراير ، إخراج أفكار لحيز الوجود بدل “تخليق المشهد السياسي “. لاعتبار أننا ما بعد 20 فبراير التي تعني في الإرث المغربي أننا تحولنا ..وتقدمنا . وأن ما بعد 20 فبراير هو” تخليق استثنائي”  للحياة السياسية ولباقي مفاصل الأفعال الأخرى إلى حدود الفعل الاجتماعي .

إنما حدث العكس ، ظهور “التفاهة” الفكرية ، والبرغماتية ، وما كان ينتظره الكثيرون من أن تمتلئ مقرات الأحزاب  أفرغت ، وأن تنتعش المعرفة والمطالعة ودور الكتب نكست ..وأن يتقاسم المغاربة معيشا وقوتا يوميا يستند إلى مرجعية دستور 2011  بضمان الكرامة ظهر العكس . تنافرت البنى الاجتماعية وتباينت ، خلق فاعلون جدد في كل المجالات ، وفاعلات وتأسست منهجية مجموعة من المؤسسات على نقاش “البرغماتية ” أكثر منه الاهتمام بقضايا الوعي والأهداف والسرعة في الانجاز التي طبعها دستور 2011 بطابعه الذي يعني تنفيذ نصوصه حرفيا” هنا والآن”.

بمعنى أن هناك مواقف كانت موجودة قبل 20 فبراير بعضها يريد أن يكون التحول بالمغرب على قدر يسير من تحقيق الرفاهية المجتمعية والإستقرارالأسري وضمانات التطبيب والشغل  ، وبعضها كان يريد حياة سياسية نبيلة وأخلاقية تدبر الاختلاف على مبدأ الواقعية  ، وسجال كثير خرج بمواقف تلك الساعة تريد من 20 فبراير أن تكون ثورة سامية وسلمية للتغير نحو الأفضل ..يعني كانت النخب والتيارات تريد من لحظات ذلك التاريخ أن يبصم فيها ببصمته .

إنما في الأخير يظهر ويبدو أن المواقف المناقضة هي التي حلت محل تلك الأماني ، مواقف انتزعت ليس بالقوة..لا انتزعت المواقف في تقديري بإسالة اللعاب ” الإشراط” conditionnement كما يسميه النفسيون .

يفسر هذا المشهد ما تعيشه القرى والمراكز السكانية الصغيرة والمتوسطة من ظهور تركيبة بشرية (اجتماعية ) جديدة . مواقفها تعبير عن رأي عام تمثله أو هكذا يبدو ، ولديها إمكانية فعل أي شيء ، وغنيمتها ريع ولو لم يرقى لطعام دجاجة ..إنما هذا التحول القاعدي يشكل هرميا إلى حدود النخبة ارتساما بكونه الغالب .

بيع للمواقف قبل أن تنتزع منهم ، بمقابل أغلب الأحيان لا يتجاوز مثلت ” أبراهام ماسلو ” للحاجيات ..الدافعية الإنسانية Human motivation

لم تعد هناك ممانعة أو الحفاظ على وجهة نظر نقدية مع الفرد الذي يتمتع بقدرة تشكل بالنسبة لمن حوله رأيا يستند عليه ،و يجب أن يقال بصراحة وتجرد وحرية ضمنتها فلسفة 20 فبراير، أو موقفا يقود إلى الحقيقة ، إنما صار سهلا خضوع تلك المواقف وانتزاعها من أصحابها بدون انتزاع .. ولا سلطة ولا مفهوم لاستعمالها .

ما حدث بالأمس للأساتذة المعنفين وما تعيشه بلدات بعينها من حالات مناقضة لمعنى تحولات ما بعد 20 فبراير، يؤكد أن تحريك المياه “الراكدة” أحيانا لا يأتي بالجيد ، وأن بقاء المياه على حالها تمنح فرصة للطيور الجبارة والكاسرة على المشي فوق ذلك الركوض بما يمد البركة  نفسها بالشعور بسموها بين باقي المستنقعات ..إنما قد يكون تحريك تلك المياه الراكدة مصيبة لظهور أعراض وأوبئة وروائح وكوارث تزكم الأنوف ، تجعل عالي المجتمع سافله وتصنع من عديم القيمة وتافه القوم واحدا مما ينظر إلى مواقفه بين الرجاء والخوف حتى لو كانت مواقفه لا تهمه إلا هو ولا تصنع شيئا، أو لاتحرك رمش دبابة تحتسي مع صاحبها على نفس كأس الشاي بالمقهى …إنما حركة البركة تمنح الانتصار الفجائي  للبعض على حساب نقاء المياه الذي هو أصلها في حد ذاته .