افتتاحية

  • وزارة الدفء.

    بقلم: صبري يوسف. في الواقع بات اليوم مطلب إحداث وزارة للدفء مطلبا شرعيا، ما دام كل شيء سهل..توفير ال...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » بائعة الحريرة .

بائعة الحريرة .

بقلم : صبري يوسف .

الهدوء الذي نضع فيه أنفسنا أحيانا بحكم الرغبة الشديدة في المشي منفردين ، أو إغلاق باب البيت أو الغرفة للاستماع إلى دواخل تحيلنا على الحقيقة . تلك التي نهرب منها أو تفر منا . على الأسئلة التي لم نتعود طرحها . على التأمل العميق فيما يدور حولنا ..فقط يجب أن نكون قادرين على شرح تلك الحقائق بكثير من الرزانة النقدية المطلوبة .

وسط الضجيج والزحام وصراع” الأنا والهو ” لا يمكن أن ننتج فكرة جيدة ، نحتاج إلى تصويبها من بعد ، أما ونحن صامتون ، منفردون بأنفسنا بعيدون عن كل تأثير هنا يسع الذاكرة والعقل أن يصبحا متقاطعين مشتركين في إنتاج جيد.

في مساء هذا اليوم عبرت شارعا عادة ما يصبح أيام نهاية الأسبوع مزدحما .فالساكنة تأتيه من أجل قضاء أغراضها ، شراء ما تحتاجه ، الالتقاء والافتراق ..المواعيد والبحث عن أي شيء يمر عبر ذلك الشارع .وهو الذي أعادت له هذه الأيام سلطات المدينة لغة النظام التي افتقدها . تلك التي تستطيع أن تمنح الجميع المشي على طوله ..بدون انزعاج أو إزعاج . وفجأة تذكرت سيدة تبيع الحريرة المغربية ..وقلت إنها فرصة للاستمتاع بالجلوس العادي على جنبات الرصيف والاقتداء بالسلوك الإنساني الأول مع الطبيعة دون حواجز نفسية أو مجالية . هرولت إليها، جلست على كرسي ..قدمت لي “زلافة ” حريرة ساخنة أخرجتها من “برمة ” كبيرة أحاطتها بالكثير من الأثواب وكيس بلاستكي أبيض وكثير من الاهتمام .. .نظرت إليها، امرأة في عقدها السادس عليها حياء الأمهات المغربيات ..طيبة القلب والسلوك ، شربت وشرب جواري الكثير من الرجال والنساء ، الفرح يغمر هذه السيدة البسيطة ، تقدم لك حريرة مغربية بأمل أن تشعر بذوقها ، شعرت بأنني محتاج إلى قراءة مفصلية في هذه الذاكرة لأنني وحدي ولا تتزاحم عندي أكثر من فكرة ما دمت بعيدا عن التشويش . ومع الذي عبرته على الشارع ، حيث أولئك الباعة الذين يريدون العيش بكرامة . فقد عبرت قبل الجلوس على الكثير من الوجوه ، أعرف معظمها ، عبرت على ذوي السوابق يبتاعون أشيائهم البسيطة ، وعبرت على الذين كانوا منحرفين ورجعوا إلى صوابهم يريدون الكرامة . وعبرت على محلات تبيع الأفرشة والألبسة وكل مواد استهلاكنا اليومي . وها أنا أمام سيدة تبيع الحريرة المغربية التي أنتجها التنوع المغربي الضارب في القدم ، فالحريرة والمطبخ المغربي أنتجهما رخاء القرون ، ذلك الذي يدع الشعوب تنتج الطعام ، وتنتج الألحان ، والموسيقى . تذكرت أفكارا من السوسيولوجيا. تحكي أن المغرب عاش مستقرا لقرون أنتج فيها فلكلورا كبيرا ، بين السهل والجبل والصحراء هناك مئات الفرق ومئات الأهازيج ، واختلاف الأطعمة والألبسة ، والخيارات . ولا تنتج أمة سقف مجدها إلا في الرخاء .

إلا أنني وأنا أشرب شعرت بأن هناك مفارقات غريبة . هناك مؤشرات تخرج كل يوم تضع هذا البلد في المؤخرة . رغم زخم الماضي ، على الأقل ذاك الزخم أشعل فتيل الإبداع ، فتحولت أطعمة البيوت إلى حرف ، هناك بائعات المسمن والحرشة ، وهناك بائعات الحلوى وبائعات الحريرة . وكل ويبيع شيئا . ليسد باب أوجاع  الدنيا ، ويلتقط الكرامة التي بودنا أن نعيشها دون أن نلتقطها من على الأرض ..

تخيلت أن الأجداد أبدعوا لنا حلولا ، وأننا في الحاضر نمر على تلك الحلول التي أنقدت أسرا من الضياع ، وأن كل الحرف التي مررت عليها كانت صناعة أزمنة بعيدة في تاريخ المغرب . إلا أن الكرامة استحالت علينا جميعا “هنا والآن ” بالشكل الذي يسميها ، تلك التي ينادي بها الجميع ، وأن لا أهمية للبرلمان وللحكومة بدون إنتاج حلول تقهر الشعور بالمهانة الذي تصيدته على وجوه عبرت وعبرت معها أتخيل قبح الزمن ، أطفال يريدون ما يرونه  بحكم الشهوة إلى الاستهلاك عند الصبي ، إلا أن أبائهم يجرونهم على الشارع  فجيوبهم ليس فيها مال ، تمسك طفل أمامي بمعطف والده حتى فقد عقله ومع ذلك فضل الوالد الذهاب أبعد من رغبة ابنه  ، ونظرت لسيدات قهرهن الزمن ويردن أشياء لا حد لها فيما تكلفت الطبيعة بمنعهن ، رأيت التباين ، وأحسست أن الإنسان المغربي صبور ، ويحب الفرح ، ويراعي ملحمة إسعاد غيره . راجعت الأخبار التي عشناها تلك التي فقدت فيها نساء الصويرة حياتهن . وقلت . كان بالإمكان إكرامهن دون حدوث ذلك . وكان بالإمكان فعل واجب أكبر من تحدي المخاطر . فهن مغربيات بنات هذا لوطن ويحتجن إلى تكريم .لأن المرأة المغربية والرجل في هذا البلد عاشا جنا إلى جنب طبيعتهم مساعدة الأخر ، مساعدة عابري السبيل ليأكلوا ، مساعدة الفقير والمحتاج . وصاحبة الحريرة كانت لتوه قد مدت فقيرا ليأكل من كرمها دون تعليل لجيبه .. فهمته بذكاء أبناء هذا لوطن .

فانتابني الإحساس بأن سؤال التنمية التي تعني الكرامة لا يزال يراجع تفاصيله منذ عهود .

وربطت وضعنا الآمن السليم الهادئ وسط محن الجوع والأبصار الشاخصة أحيانا تداوي إملاقها وندمها الجائع بعقيدة الخشوع . تذكرت ملحمة ألمانيا بعد معاهدة فيرساي. وتقسيم ألمانيا وتغريمها ملايير الملايير ، وربط مصير شعبها بالشرق الماركسي  والغرب  الرأسمالي ، ومصادرة ثروتها وبراءة اختراعاتها الكبيرة جدا  . وكيف أن الشعب في لحظة إعادة لإنتاج كان قادرا على الاشتغال 14 ساعة في جمع وحمل ركام الحرب لسنين ، لتنتهي ألمانيا بعد أكثر من عقدين دولة قوية . هي اليوم رابع اقتصاد في العالم . تذكرت تلك المعطيات التي قرأتها في منشور حول الخدمات الصحية والتعليمية والشغل والسكن والطمأنينة والأمل والسعادة . فتاهت بيا القراءات . أيهما يسبق ؟ هل المواطن يسبق التنمية أم التنمية تسبق المواطن ؟ وكيف أننا إلى غاية اليوم نسدد فواتير سوء التنمية التي تبقى بالنسبة لنا افتراضية . مع أنه لم يخدش تاريخنا  حرب مدمرة ولا حصار ولا مجازر . اللهم استعمار وقد غادر .

عدت إلي ما قرأته من مئات الكتب . بين الفكر والأدب ، بين العلم والتاريخ ، وأنني فيها جميعا لم أتمكن من صياغة جواب عن هذا الذي يغيب علينا . كرامة تدافع عن صبر الذين صبروا لعقود من إلهام الضنك كي يصبح حرفة لها مسوغات أخلاقية وثقافية .

عموما انتهيت من شرب  الحريرة وأديت الثمن للسيدة الكريمة الوقورة المبتسمة .

وقلت في نفسي  لن يكون سهل علي مع إعمال العقل في فصل الأشياء عن بعضها ..فالشرق تأثر ومع الثروة كلها التي لديه لم يكرم فيه المواطن . ومع العلم والثقافة الرصينة الوافدة من هناك على كل الدنيا لم يكرم الإنسان . وأرجات استفهامي ربما إلى يوم لقاء الله . فقد صعب علي إنتاج تفاسير لحالة هي بين العقل ولم أجد لها ملاذا . على الأقل كنت قبل الخروج إلى الشارع قد بدأت أقرأ للطاهر بن جلون روايته Au pays  . فاكتشفت أن هناك شيئا ما يرشدني إلى الطريق في فهم بعض المعادلات …انصرفت بعيدا عن بائعة الحريرة ويجاورني التأمل الذي ينتج نقاشا داخليا ليس له جواب ،وعليه ألف طن من رحلة عذاب إعمال المخ كحرفة تقتل قبل إكمال مشيب الرأس بياضا .