افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » بيان ضد نفسك .

بيان ضد نفسك .

إلى غاية اليوم لم يجرؤ فرد أو تجرؤ جماعة أو بلدة أو دولة أو أمة على كتابة بيان ضد نفسها تشرح فيه أو توضح فيه عيوبها سلوكها أخطائها مصائبها وجرائمها واعتذارها للجميع .

حتى أنك تجد الرجل الضئيل في المجتمع غارق في أوحال الشتيمة من رأسه حتى أخمص القدمين ومع ذلك يتباهى بانتصاراته التي لا تعدو كونها قمة الجرائم الأخلاقية في مجتمع يغالب نفسه يوميا بأن جميع أفراده صالحون .

تغلب النرجسية على الجميع ويحب الكل ذاته ويتفانى القبيح في إظهار براءته من كل الاعوجاج .

كلهم طيبون وكلهم مغلوبون وكل العالم نظيف وعفيف وصالح ولا يوجد قط على هذا الكون ما يدعو لصياغة بيان ضد نفسه ، ضد أفكاره التي جعلت الكرة الأرضية تنزف دما وجنونا وحقارة ورشوة وموتا ودمارا ، يقود بعض الحكام شعوبهم إلى آلة الفتك كرها ومع ذلك لا يجرؤ حاكم على صياغة بيان يدين فيه  نفسه بأنه أكبر نصاب على وجه الكرة الأرضية، وأنه عرى الشعب ولم يحسن التصرف ، وأنه يلوم نفسه قبل الآخرين،  وأنه يشعر بالخيبة ويطلب القصاص عن جرائمه ويترك في الأخير الخيار للشعب كي يختار لون العذاب الذي سيلقاه هذا الحاكم ” الطاغية ”  ، لا يوجد أحد لغاية اليوم فعل هذا . كلهم يدافعون ببيانات تمدح أفعالهم وسلوكهم  مع أن الحقيقة خلاف ذلك .

في الأسرة وفي البيت وفي المدرسة والجامعة ومرافق الدولة والمؤسسات العامة والخاصة وفي الشارع ترتكب أفعال ساخرة جدا ومع ذلك لم يستطع أحد من كل الذي ذكر أن يكتب مسودة لبيان يوقعه ويتلوه على نفسه أو على من اخطأ في حقهم  ، يتلوه الأستاذ بالجامعة أو الطالب نفسه أو الأب وألام والمدير ، الجميع متواطئ على نكران الأفعال التي لا يجرمها القانون وإنما يجرمها الوازع الأخلاقي في هذا العالم .

يبدو يوميا أن الجميع مستعد لكتابة البيانات ، بيانات الإدانة ضد جهة بعينها وضد مؤسسة أو فرد أو غيره،  ولا يجرؤ هذا الكم من المجتمع على أن يسوغ بيانا ضد نفسه ، ضد أخلاقه وقيمه ، ضد مجموعة من الأفعال الصادرة باسم البشرية وهي لا تمت بصلة لقيمة الإنسان .

مجتمع ساخر حد الجنون تعجبه فقط تلك الإصدارات التي يتناول فيها خصومه بالسب والقذف والتنكيل والإدانة والشجب.  مع أن الأمر يخضع صراحة للاعتراف وكتابة بيان ضد النفس الأمارة بالسوء .

هل يعني هذا أن الجميع سيدخل الجنة وسيصافح  فيها الأنبياء والصالحين وسيشرب من أحواضها ومن عسلها ولبنها وسيرى الله .

إذا كان الأمر كذلك فلماذا الفقر والعدم والمرض والجهل ، ولماذا العدوان والقتل والدمار، ولماذا الرشوة والعداء والحقد والحسد والبغضاء والنميمة ،ولماذا الإرهاب والتطرف، ولماذا داعش ولماذا القاعدة ، ولماذا هذا عدو ذاك ، وهذا خصم الأخر ، ولماذا العقاب ، ولماذا البيانات ضد البعض من البعض ، مع أن”  البعضين” معا لم يتمكنا من قول الصراحة في بيان مشترك عنوانه ” بيان ضد أنفسنا ” أو بيان نفضح فيه عوراتنا أمام الجميع ، بيان نقلل من خلاله ” عرضنا “،  بيان نتصالح فيه مع الأخر ومع أنفسنا ، بيان نشجب فيه وندين دواتنا بأننا لا نصلح ولم نكن نصلح وأننا مستعدون في هذه اللحظة كي نتلقى الجزاء من المجتمع أو ممن أسئنا له كي يتسامح الجميع بلا أنانية وبلا تكبر وتجبر. فالخطأ وارد ولأن الإنسان يمكنه أن يخطأ مع الاعتراف لأنه الفضيلة ، بل يفكر ماكرا في الهروب إلى الأمام  ويتقن فن المراوغة ويصدر بيانا ضد جهة أخرى لم تكن لتتحمل سوء  هذا الجحود وهذا الذي لا يترجم في النفس الآدمية  .

رحم الله حفظة النظام في أثينا حينما تبول مواطن على محكمة حفظة النظام ، فما كان من هؤلاء الحكام  إلا أن دانوا الذي تبول إدانة جماعية أخلاقية قاسية ، بأن طالبوا في بيان لهم بأن تصبح أثينا مهدا للتبول وقلة الأخلاق ، بدل أن تكون منارة للعلم ، فشعر الذي تبول بالخزي وتمنى لو أنه نفد فيه حكم بالإعدام بدل أن تتحول أثينا من عالم للطوباوية والقيم إلى وكر للقذارة والعاذرة  ، شعر بالندم وبالعقاب وتحمل سوء أفعاله أمام محاكمة الضمير بحس المعترف بدونيته أمام نفسه أولا وأمام الجميع في مرحلة ثانية  وهي الحقيقة ” المغيبة ” التي يفتقدها العالم والإنسان في كل مكان اليوم ،  اللهم القليلون الذين يعترفون في السر والعلن بأنهم كانوا في لحظات ضد المسار العام وضد أنفسهم وبذلك يصدرون بيانات شفوية تتصالح وتتسامح مع الأنفس ومع الموضوع  ولكنهم قلة القلة مع كامل الأسف .