افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » أراء » تعاليا على الحاضر :(في الاتحاد قوة وفي الخلاف ضعف).

تعاليا على الحاضر :(في الاتحاد قوة وفي الخلاف ضعف).

سعيد تيسير الخنيزي 

06/04/2016

عبارة تُسْمعْ كثيراً وتُفْهَم قليلاً. على الرغم من المعنى الأصيل الذي يتجلى في معاني هذه الجملة البسيطة لغوياً إلا أن أكثرنا صُم، بكم، عميٌ لا نتدبر حديثاً آو نَسْمَع قولاً. نسمع وكأننا لا نسمع؛ نفتي ولا نتعظ؛ نرى كُلَّ شيء بِظَواهِره فقط. حالتنا صعبة وحياتنا مملة!

بالأمس صادفت عيناي مقالة بال (Economist) البريطانية تشيد للعالم علناً وصراحة بأن الشرق الأوسط، بالأخص العالم العربي، ليس مكاناً مُوفَقاً ومُثْمَراً لأرسال الطلاب للتعلم والإنتاج والنمو. قام أحد المُعَلِقون على المقالة بِرفْع سَبَبْ منطقي يقول فِيه، لغرق العالم العربي بالمعارك والأحقاد على من هو الأفضل، الأحَقْ، الأقْوم، الأكثر إستقامة، الأصح ديناً، الأكثر جاهً ونفوذاً، الأسمى عشيرةً أو قبيلة، تاركين جانباً قِيَمْ القرآن الذي يزعمون دائماً إنهم سادته وعلمائه، والذي ينطق أنا الإختلاف الحميد والشورى والخَيّر والحَقْ والحُبْ للعالمين ولَسْتُمْ أنتم! وبالتالي تسائلتُ عجباً: هل ماوصلنا عليه اليوم في إبتعادنا عن الحَقِيقَة والحَقْ هو عَدَمِية الإيمان بشيء جوهري مُّبِين آم خَلَلْ في فِهم الواقع بشكل أكثر شمولية آم الجهل بواسعية الْكَوْن ورحابته للجميع آم تَطَايرنا بالرياء الإجتماعي آم إحتقار الفقراء والمساكين وتبجيل الشيوخ والعارفين.. آم هِيَ علاقة مُعَقَدة بين كُلْ ماذُكِرْ!

لاأدري لماذا لا نَسْتَعيّير التجربة الغربية مثلاً في إحترام الأخر المختلف بِغَضْ النظر عن دينه أو حالته الإقتصادية أو الإجتماعية أو منصبه أو فكره أو عرقة. فهذه القِيَمة- آحترام الأخر- هِيَ التي جعلت العم سام اليوم، وبعد ثلاثمائة سنة، الرائد عالمياً على جميع المستويات والأصعدة، علمياً وعسكرياً وقانونياً وتقنياً وطبياً وفضائياً. وهي التي جعلته اليوم العالمي الأقوى والأرْفَع كلمةً بين دول العالم وجعلنا الحمقى بِلا خُطْة في الإنتاج ولا طموح في النمو والحياة. وعندما تُجادِلْ الأَعْرَاب بشيء من هذا حَمْلوا إسلامهم أهوائهم فظلموا إسلامهم وأنفسهم ومن معهم آجميعن.

والعم السام لَمْ يَقُمْ بتبجيل قِيَمْ التسامح والمساواة حباً (فقط) في قِيَمْ التسامح والمساواة. العم السام لا يُيَسِّر أُمُوره ومَصَالِح أُمَتِه من نَوَاحِي عاطفية فَقَطْ كما نفعِّل نَحْن اليوم. حِكْمَة العم سام أدْرَكَتْ منطقياً آن هناك حاجة ماسة في وضع هذه القيّمة العظيمة كقاعدة أساسية لِتَيْسِيرّ عملية النمو وبلورة الدولة وحصانتها من الداخل والخارج. العم سام عملي نَشيطْ لا يَحِبْ الكسل وإضاعة الوقت في أكل الكَبَسَات والنوم بعدها ومن ثم الإستيقاظ مُنْتَظراً على أحر من الجمر آن يَلْقُمُها مرةً أُخْرَى، ليتوه بعد ذَلِكْ في آوهام حور العين التي لاتنتهي إلا بإنتهاء أعراض الكبسة الجانبية!

وبالرغم من رحابة أمريكا لِكُلْ الأعراق والجنسيات إلا إن العرب فَشِلوا آن يَنْضَموا للمؤسسات الإمريكية ويقوموا على تنظيم أنفسهم ضمن أُطُرَها وآبعادها، كالَّذِي يحدث الآن مثلاً مع اليهود أو الأتراك أو الهنود أو الإيرانيون إلى حدٍ ما في الإعلام. فنسبة اليهود في آميركا 1.4% ونسبة العرب 1.14% مئوية، ولكن شتان بين إشراك اليهود في عملية القرار الأمريكي ونوم العرب في مقاهي الشيشة والكوفي شوبز. نحن الأمة الفريدة والوحيدة في العالم تقريباً التي لَمْ تَتَفِقْ على أن تَرْحَمْ إختلافها وبِذَلِك تنمو وتتطور. بَلْ إختلفت هِمَةً وهَدَفاً على آن تَخْتَلِفْ وَلَمْ تََتَفِقْ إلا على النوم والسُبَاتْ. كم عجيبة جنة الأوهام التي يعيشونها هذه!

وآخر المطاف يُحَمِلُون أوباما كلْ ذُلِهِم وتقسيمهم وضِعْفَهم ويُكَفِرون ويشتمون الجميع. كَأَنَّ الرئيس الأمريكي مثلاً كالطاغي العربي يقوم بإصدار القرارات وحيداً بشكل إعتباطي ومبعثر وفي قمة السريالية. لعلنا نَدْرِك آن العم سام ليس أوباما، بَل بجانِبْ أوباما الكونغرس الأمريكي الضَخْم الشائك بالإيديولوجيات والمَصَالِحْ الفئوية المختلفة، وهنالِكَ أيضاً المحاكم العليا والشركات التجارية الضخمة المؤثرة والجماعات الضاغطة والأحزاب، وكلٌ في فلكٍ يسبحون. وماذا يفعل لنا العم سام مثلاً إذا لم نَقُمْ نَحْنُ بِتَفعيلْ أنفسنا أولاً؟ وهل يستطيع شخص آن يقم بِتَفْعيل شَخْص آخر إذا لم تعمل الحوافز الداخلية والإرادة الحقيقة المُنْغَمِرَة في ذَلِكَ الشخص الآخر على التغيير؟

طبعاً هَذِا لاينبغي آن يكون دعوة لتقليد العالم الغربي بكل ماجاء به ودَب، وإن كَانَ من كَانْ يعتبره تقليداً، فيا ألْفَ مَرْحَبَةً ومَسْهَلة بهذا التقليد. وَلَكِنه دعوة للإبداع والتعلُّم من تجارب الدول الأخرى والخروج من الأُطُرْ المرسومة مسبقاً لنا والتقرب أولاً وأخيرا وظاهراً وباطناً إلى فطرة الإنسان التي فُطِرَ عليها في العمل على القِيّم الإنسانية من العدالة والحريّة والمساواة وإحترام الأخر المُخْتَلِفْ وإعطائه حَقِّه ونُصْف.

ولا أعتقد آنِنَا من المُمْكِنْ الوصول إلى الرقي الإنساني الذي حازه المجتمع الغربي اليوم إلا بخلق آصالة في الحِسْ والإدراك والفكر والوجود. لِنُشَجِعْ المختلف والأصيل من نوعه ونَرْحَمُه وتستجيب له. لنَتَعَلم آن نُخَصْخُصْ حُصة واسِعَة للفَوارق البَشَرية على إنها عنصر صُحي وفعال لعملية النمو والتطور في المجتمع لا على أن تكون سبباً في القتل والإقتتال والتشاجر كالأطفال. فاتحاد الإختلافات والتفاوتات الفكرية والنمطية قوة كبيرة لِتَيسيّر نَهْضَة شمولية البُعْد والأفاق، وإضعاف تماسكها ورِباطِها ضَعْف شَدِيد إلى حَصَانَة الدّولة والمُجْتَمَعْ. ليس سهلاً على الأمَدْ القصير آن لا ننحاز لمحدودية عقولنا الضيقة في إلقاء الأحكام على من هَبّ ودَبْ، ولكن أرْحَب وأوسع لنا النتائِج على الأمَدْ الطويل أن نعطي الحرية لإنسانيتنا وإنسانية غيرنا في إغتنام فُرَصْ تَحْرير الذّات التي تَهَبْ كَهُبُوبْ الرِيِّحْ في البِلادْ.

فلن تكون هناك قفزة واضِحَة المعالم والبُنَى على كافة مستويات المجتمع إلا بإعادة هيكلة ثَقَافَة حَديثة من نوعها في إنتمائها وآحترامها للحُريات بالدَرَجَة الأولى، وأقصد هنا جميع الحريات.

فلَنْ يكون للحُرِيات السِياسِية آي دور رائد ومُؤثر إذا لم نَتَعَلَمْ نَحْنُ أفراد المُجْتَمَعْ أولاً على إعادة صِياغَة أدبياتنا في تقديرنا للحريات الشخصية والوِجْدانية والإدْراكية من ضغوط المُجْتَمَع المختلفة، في إما التتطابق او التنافر؛ وإما أسوداً أو أبيضاً؛ وإما معي أو ضدي. لانُريد ضَمَاناتْ أو إفْتائات أو وزَعَامَات على من هو عَالِم العُلوم في صِراطْ الدُّنْيَا المُسْتَقيم للبَشَرْ، فصِراطَات الدُّنيا مُتَفَرِعَة ومُتَفاوِتة ومُتَباينة ورَحِيبَة للكُلْ ولا تنتهي إلا بإنتهائنا نَحْنُ، الطبيعة البشرية.