افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » حمار الدوار.

حمار الدوار.

بقلم : صبري يوسف.

في الحقيقة كلما حاولت أو أردت الحديث المستفيض عن التنمية بابن جرير والرحامنة ولو من باب الكذب على النفس ومراوغتها اصطدم بالحمارأمامي.

وفي الواقع لا يمكن التنكر لهذا الحيوان بأي طريقة من الطرق ، فوجوده أزلي ، قديم ، بعض المجتمعات مجدته ، وأخرى اتخذت من وجوده مهرجانا .. مهرجان تحرير الحمار عند اليهود أو ما يعرف ” ببنسك كارلن”، وأحزاب عريقة اتخذته شعارا لها الحزب الديمقراطي الأمريكي ..الحمار موجود في كل النصوص ، وليس عيبا أن يكون كذلك .

هذا المخلوق اللطيف الصبور العنيد ..عاند لقرون ليبقى ، كما نعاند بمواقفنا ليكون عليها الإجماع .

على كل حال ، مصير الحمار سيتحدد بأحكام الأجيال القادمة ، بين بقاءه ركيزة للحياة أو رجوعه إلى الحرية ..حرية حيوان بحكم التمدن وانحسار القرى عليه أن يتحرر من عبودية الشقاء والغباء.

في المقابل ، انتابتني أعداد الحمير بمدينة ابن جرير إلى حد لا يطاق ، بشكل يجعل خطاب التنمية والتطور يعاكس مفردات الواقع وحقيقته . فمعنى التكاثر هو زيادة الطلب على هذا الحيوان ، وبتحليل أعم فإن الوضع ميؤوس منه إلى أبعد حد .

كانت المؤشرات التقليدية هنا بالرحامنة دائما تراهن على زيادة أعداد هذا الحيوان أو تناقصها ، فإن تناقصت فهو خير ، وإن تكاثرت فهو ندير شؤم ..الأجيال السابقة تتذكر أعداده سنوات جفاف الثمانينيات. يوم صار للأطفال بأحياء ابن جرير لكل أمريء منهم حمار أو حمارين ..لا نريد لهذه الأحداث أن تتكرر.  إنما يحضرنا اليوم هو هذا التزايد الذي يفسر أن البدائل غير موجودة ، وأن التنمية تكاد تكون متوقفة مهما حاولنا إيجاد مسوغات وتفاسير ومناهضة الآراء الأخرى الموضوعية .

لسنا ضد الحمار أو العربة أو السؤال المؤرق من سبق من على شاكلة البيضة والدجاجة …هل العربة أم الحمار ؟ إنما فقط أردنا المضي في تفكيك بعض الأفكار التي تنظر إلى الرحامنة وابن جرير بأنها تمشي بسرعة نحو الغد ؟؟ هذا الغد الذي يتكاثر فيه دور الحمار عند أسر كثيرة بمختلف الأحياء ، وهو ما يفسر أن شروط الحياة الاقتصادية صار ضامنا لها على أبعد تقدير ..وأن شرف مهنة “تكرارسيت ” تعد بالخير ولا يرجى غيرها .

ترى لماذا عاد الحمار إلى الواجهة مع عدم إنكار بعض مظاهر  العصرنة هنا ..شيء من النظافة وطلاء الأسوار وتعميم الإنارة والنظافة والأماكن الخضراء ..إنما كله لا يهم ، ما يهمنا أن” صورة نمطية “معلقة على الرجاء في التغيير. بحيث تنظر إلى المجال الجغرافي الرحماني بأنه شديد التعلق بالحمار ليس ترفا اجتماعيا، وإنما لأن هناك ما يدعو إلى الاستحواذ على قلبه وقوته وشقائه ، إنه الخبز بتعبير الكثيرين .

هل يا ترى الوضع المعيشي ميؤوس منه إلى درجة أن لا فرق بين الإنسان وهذا الحيوان المتزايد بجل الشوارع ؟

هل هي ثقافة الأجداد وأعتقد العكس ؟

أم هل هي ابن جرير محطة” الترانزيت الاجتماعية” بين دخولها لأول يوم وغياب أي وسيلة للرزق عدا حيوان الحمار الجبار ؟

أم هل عائدات هذا الحيوان التي تتراوح بين 70 درهما و150 درهما بالنسبة للعربات التي تجر بالبغال والخيل هي السبب في غياب إنقاذ اجتماعي حقيقي ؟

هنا يسمح لنا هذا الوضع  “التشخيصي ” بالبحث عن الحلول ؟ وقبله عن “الاختلالات الاجتماعية التي تختفي عند حافر هذا الحيوان الذي يشكل بالنسبة لفئة مهمة أسلوب حياة وبقاء وحق .

وهنا كذلك يطرح سؤال التنمية ؟ !

نعم ، يمكن القول أن بين سماء الرحامنة وأرضها توجد اليوم تحولات كبرى ..مؤسسات ومصالح ومرافق لخدمة الإنسان الرحماني ، إنما بالموازاة تنتشر العربات لتشكل ظاهرة اجتماعية يوجد الجواب عنها لدى أصاحبها عند حدود جيوبهم ..بما يعني أن ما بين السماء والأرض يوجد الإنسان الذي لا علاقة له بالمجال ..المجال الاجتماعي يتطور إنما التنمية البشرية متوقفة يفسرها علميا ورأسا تكاثر العربات “مشيمة ” جزء مهم من ساكنة الأحياء حتى لا نقول الضواحي ،فإبن جرير لا تزال لم ترقى إلى مستوى المدن الكبرى .

نعتذر للمتمدنين والغيورين على هذه المنطقة ، والذين لا يريدون اختصار المنطقة في هذا الجانب، إنما أكثريتهم يجابهون يوميا بصعوبات المرور على متن سياراتهم بحكم تكاثر العربات التي لم توجد من فراغ . بل أوجدها” شرط اقتصادي” يبرهن بأن مهما قيل ومهما سيقال لا تزال الرحامنة وعاصمتها ابن جرير محتاجة “لحمار الدوار ” . بمعنى أن “ترييف ” الأوساط الحضرية يزداد بحكم أن هناك صعوبات في إدماج البشر ، وأن الشغل لا يتوفر ، وأن فك لغز هذه الظاهرة التي لا تنتشر بمدن الجوار على صغرها وباقي المراكز الحضرية المجاورة، يعطي التصويب الصحيح بكون الإقليم ليس إقليما فلاحيا كي يختفي الحمار في البيادر ، وليس إقليما خدماتيا وليس صناعيا أو تجاريا . مادام الحمار يشق في مركز المدينة طريقه بمسيرة للعربات يوميا تجوب كل الفضاءات ..ولا تختفي عن أعين الزوار أو المحليين، يضعنا أمام سؤال أن “إخفاء ” الشمس بالغربال ليس إلا هروبا للأمام ، وأن وضع الرحامنة إلى جانب الصحة  يعني هناك أزمة الشغل ، التي لا تعني سوى مزيدا من إضعاف الثقة في الفاعلين جميعهم ، بحكم أن مواطنا ينهض كل صباح ليضع مرغما ضدا على كبريائه عربة على صهوة حيوان تدور يوما كاملا دورانا على الأرض من أجل 70 درهما يطرح أكثر من تبصر قي المسألة .

يشبه  وضع “سيزيف ” عند الفيلسوف “البير كامو” ،ما بين العبث ومعنى الوجود الذي يعيد من خلاله ألبير احتواء أزمة “سيزيف”، و أنه مهما تعب  في حمل الصخرة إلى الأعلى ولم ينجح إنما هناك معنى لاستمراره بالكفاح.. هو الهروب من العبث في تعبير كامو أي من الانتحار..من لا قيمة الوجود.

اللهم إلا إذا كنا قادرين على احتواء الأزمة ، بجعل الحمار كباقي الثقافات تحويله إلى منتوج “محلي ” ك”الكريدا ” الاسبانية مثلا .أو إجراء سباقات على مدارات أو على أي شكل ..على الأقل سيكون تحويرا لقصة اقتصادية بلبوس “فولكلوري ” يغير نظرة الجميع نحو هذا الحيوان الذي لم ينتج أسباب راحته التي تدخل فيها الإنسان ” المستسلم” كما يعتقد “شوبنهاور” في التراجيديا “المتأثرة عنده بالديانة البوذية  .