افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » خديجة مريضة.. !!

خديجة مريضة.. !!

بقلم: صبري يوسف.

بالأمس مساءا عندما تزيد ساعات الذروة بشارع محمد الخامس الذي يخترق حي “جلييز” بمراكش العامر بالناس والألوان والأمزجة واللغات واللهجات  ..هناك أشياء تحتاج إلى الانتباه ، وبينما أمشي مختلطا كذلك بالبشر ، وعند جادة مقهى “عصري” مشهور جلس إفريقي وبين يديه طفل  في عمر العامين تقريبا ،تعلم أن ينام في حضن والده بشكل محترف، مصداقا “لتربية ” معينة يستجيب لها المارون  على الرصيف المحاذي للمتاجر ومحلات المأكولات والألبسة والواجهات الكبرى للتبضع ..الإفريقي يصرخ والناس تتصرف من جيوبها صوب كيس وضعه تقذف فيه الدراهم المعدودة . إنما المثير هنا هو هذا اللغة المستعملة لديه :

خديجة مريضة  … J’ai besoin de pharmacie   .

يمنحه الكرماء من جيوبهم لأنهم فهموا قصده ؟ المختصر المفيد أنه بحاجة إلى المال واستعمل لغة مزدوجة “عرنسية ” مختلطة وعيا منه أنها “الحل “.

تجاوزت هذا الإفريقي الهارب من ويلات بلده ونشرها على شوارع المدن المغربية حيث لا يعرفه فيها سوى الله وعطف الناس .

لحظات من المشي هناك أمام ماركة تبيع الطعام السريع the fast food شابان يلبسان “الروبوت” كما في أغنية مايكل جاكسون “Smooth criminal “أو مشية القمر  Moon Walk التي أدهشت الملايين .

هذان الشابان اختفيا وراء طلاء من الصباغة وكتب على ورقة وضعت على الرصيف هذه العبارات “خد لك صورة وشجع موهبة “، الناس تستجيب لهذا الشكل الجديد ، الجميل المبدع لإلتماس الإحسان العمومي إن جاز التعبير  بشكل متحضر “عولمي “كذلك.

وقبلهما، شاب تحت أركان مبنى سوق ممتاز يعزف بيتهوفن وموزار وربما قطعا يبدو أنها من تراث الغرب الممتد في البشرية والإنسانية لعصور خلت .

تصورت بعد المسير الهادئ أن العالم يكتسح بعضه بعضا ثقافيا وهو شيء محمود . إذا كنا أقوياء ، أما إذا كنا أضعف ترتيبا في الأولويات فسنمحى من على الأرض يوما ما .

تخيلت أن مهنا ستمحى آجلا بحكم ما أسماه “أنتوني غيدنيز ” عالم “السوسيولوجيا” البريطاني والذي اشتغل مستشارا لأنتوني بلير ، حينما تحدث عن “الخيال السوسيولوجي”.  وأن الإنسان وجد لقرابة 100 ألف عام، بدأها بالزراعة وتطورت العصور إلى أن وفر الخيال السوسيولوجي قدرة على إبداع أشكال وأنماط منذ المرحلة الصناعية إلى ما بعد الحداثة والليبرالية  والعولمة التي عليك أن تنهار أمامها إذا كنت لا تساوي ولا تملك قيما للصمود .

فحتى (الطلبة  والسعاية) سيتغير موقف “العولمة” منها ، والمفاهيم على حد تعبير الفيلسوف “جيل دولوز” لن يتوقف إنتاجها مادامت هناك فلسفة وعلم “La production des concepts ” إنتاج  سيستمر . الفقراء والمساكين والبؤساء عليهم إنتاج شيء للجمهور “كري تبات شري تندغ “، كبضاعة !! والأسلوب القديم في كل المهن سيذوب ، ولو أن مهنا وجدت مع الإنسان كالقوادة والبغاء والعبودية عليها اليوم أن” تستجيب للسياق” بتعبيرات سوسيولوجية عالمة .

لنتجاوز كل هذا النقاش ونعود إلى الإفريقي الذي اختار “خديجة مريضة ” بلغة عربية صرفة . لماذا ؟

وهو العابر للآلاف الكيلومترات مشيا وهروبا من الفقر والهشاشة والضيق والإحراج ، جاء واستقر هنا . وربما عدلت له أوراق إقامة “إحسانا ”  على غرار الآلاف الأفارقة المنكوبين منذ أكثرمن قرن من الزمن”التجارة الثلاثية ” .بل حتى في فتح الأبواب شرعا لهؤلاء ألف تدبير “استراتيجي ” لا نعلمه وألف قرار .

                       سيقول أحدهم ماذا نريد من إثارة موضوع الإفريقي .

الجواب هو محاولة نقاش وفهم سياقات ما يثار اليوم بالمغرب من خلال قضية “فرنسة ” التعليم . والصراع والسخط الذي يعبر عنه الكثيرون ويرفضه غيرهم  في الجهة الأخرى.

فمحاولة فهم بعض جوانب الموضوع تحتاج قراءة متأنية اعتمادا على بعض المناهج العلمية التي لا بد وأن تقرأ موضع كهذا من خلال التاريخ ” أو” المجتمعات باعتباراتها التاريخية “.

الإفريقي اعتمد العربية وأخلطها بالفرنسية لإيمانه المطلق أن لغته “منفردة “لا تستجيب ، وأنه على أرض مغربية عربية  وأمازيغية المكون ..وصحراوية  لاتهمه فيها المحددات الدستورية فقط ، اللغة ، لا يهمه الصراع الأزلي بين التعريب وفرنسة المناهج في الإدارة والتعليم المغربيين . ما يعنيه أنه في المغرب العربي الإسلامي لغته هي “خديجة مريضة ” فقط .

ولتقريب الرؤية أكثر فاللغة العربية خاضعة للتأثير ، أما محوها فلا يمكن أن يحدث بتاتا ، لأن “المتخلفين ” في الانتساب إلى الثقافة الفرنسية هما حماة هذا الإرث و بتعبير أخر ومن حيث لا يدري من يسوقون فرنسة المغرب ، يصمد غيرهم وهم الأغلبية الشبه مسحوقة والمسحوقين و الممانعين .

قبل عقود كتب المؤ رخ “جرمان عياش” في مؤلفه الضخم “أصول حرب الريف ” حينما ساق مضمون الفكرة الاستعمارية الذي احتاجت معه فرنسا إلى شرطين اثنين : حزب استعماري يحركه التجار وآلة استعمارية عسكرية  لا غير.

اليوم تعيش معظم بلدان البحر الأبيض المتوسط سيادة كاملة لمؤسسات الدولة التي استعادت استقلالها ،وشيدت لنفسها تواجدا يضمن مفهوم للسلطة والشرعية والقوة وباقي تعبيرات مفهوم الدولة وأسسها وأركانها وهو جيد .

في المقابل بقيت اللغة الفرنسية سيدة الوضع تترنح بين القبول الاجتماعي والرفض ، سيقول أحدهم كيف استمرت اللغة العربية حاضنة أساسية حتى في ذروة الاستعمار المادي و الرمزي “بدون عنف “؟

هناك الأحزاب الوطنية والقيادات الرشيدة والزوايا والأضرحة، وهناك ما يسمى ب”المؤسسات الاجتماعية” وهي الأسرة والمدرسة والدين والسياسة والاقتصاد .

الاقتصاد هو المراد  هنا ، ويمكن إقصاءه من مؤسسات الممانعة في الحالة المغربية لأنه الشرط الذي حافظت من خلاله فرنسا على تواجدها هنا بالبحر الأبيض المتوسط وليس بالشرق.

ذلك الشرق الثائر الذي كان في لحظة منارة للعلم والمعرفة  وكان منتسبا إلى نفوذ بريطانيا ومع ذلك حافظ على يقظته اللغوية المتجذرة ، وهنا تقع البلدان الضعيفة “ثقافيا ” أو اقتصاديا ” في أزمة الضمير والاستقلالية .

عام 1919 ونهاية الخلافة العثمانية وظهور ما سمي بالنهضة العربية أو” التنوير العربي “إلى حدود ما بعد الناصريين ، وأفول فكرة دول عدم الانحياز والوحدة العربية وما إلى ذلك ، كان الشرق يمد عواصم مثل فاس ومراكش  وتونس والغرب الإسلامي بنفوذه المادي العلمي والإيديولوجي والمعنوي  المحمول على ظهر اللغة العربية حتى وبريطانيا ما يزال غبار استعمارها في السماء .

الأجيال هنا تعرف رفاعة طهطاوي، طه حسين الذي درسه بالسربون “إميل دوركايم” وعاد متشبثا بمنهج ديكارت و”كوجيتوه” حول معرفة الحقيقة انطلاقا من الشك في كل شيء .

امتداد اللغة سيعيد إليها وهجها عبر نوادي الفكر والمعرفة ..لطفي السيد ،سلامة موسى ، حمود مصطفى ، عبد الرحمن بدوي قاسم أمين ولائحة طويلة  من الرجال والنساء .

السيادة الثقافية والحراك الفكري أعاد للغة اعتبارها .

لنربط هنا مسألة الاقتصاد التي تعني اليوم لفرنسا أكثر من مجرد “هوية ” لغوية غير بصرية ،بل يحركها “اللاشعور ” الثقافي المؤسس على الدين وتوجيه الأسرة وميلاد المدرسة .

فرنسا الأنوار عليها الآن أن تبقى في حوض البحر الأبيض بكل الوسائل ، في وجود للمثقف “المتواطئ ” معها على البقية . وغياب اقتصاد محلي قوي ،وغياب نخبة قادرة على ترسيم الحدود وحفرها جيدا أمام مسألة “هوياتية” اسمها اللغة  التي تشكل كل مضامين الوجود بتعبير “نعوم تشومسكي “.

على اعتبار أن الصراع وتبادل التأثير يحتاج إلى نضج للقوى الحية والعالمة والنسيج السكاني.

الصراع اليوم في المغرب بين تيارين أحدهما يريد ضمان استمرار المرفق العمومي والتربوي” بين بين”  فرنسي – عربي بوعيه أو بدون وعي حول لماذا وكيف ؟  وأخر يريد الضغط لتمرير قانون الفرنسة لأنها حسم لمعارك “الفوراق الاجتماعية “من خلال اللغة  ، ترى أيهما سينجح ؟

سينجح التمرير ، في اعتقادي ، وستنجح بقية الأدوات التاريخية في الحفاظ على جزء من اللغة العربية، لأن هناك مؤسسات اجتماعية احتضنت هذا العبء منذ قرون خلت ، وسينجح المكافحون على صمودها كما فعل غيرهم وبكل الأثمنة ، وسينجح الذين سيخفقون في التعليم العمومي ، إنما اجتماعيا سيبقون في الحضيض ، فمربط الفرس هنا .

فقضية التعاقد والأساتذة المتعاقدين هو المسلك الأول قبل القانون  للعبور إلى الفرنسة، بمعنى، أن الإملاء يذهب رأسا إلى توحيد رؤيتين إحداها تدفع باتجاه إغلاق المدرسة العمومية ،وأخرى إعادة الريادة إلى التعليم الخاص ومدارس البعثات ، وإغلاق الباب غدا في وجه الكفاءات التي ستنتجها المدرسة العمومية لأن سوقها غير موجود . وبالتالي إعادة إنتاج مجتمعية عبر عنها العالمان “بيير بورديو وجون كلود باسرون في كتابهما “إعادة الإنتاج الاجتماعي” .

أي أن البرامج التعليمية المستقبلية هي فصل بالتمام والكمال بين طبقات مجتمعية وأخرى ، بعضها الفوقي بتعبير ماركس في “البنى” سينتج نفسه . فيما الطبقات أو البنى التحتية ستنتج نفس شكلها وأسوأ.

الغاية من الفرنسة أبعد في تقديري أن تكون عامل خوف من تذويب الهوية التي لم تذب منذ أن كان الاستعمار مادي صرف .

أعتقد لا يجدر بنا أن نخاف ، إنما هو أسلوب فرنسا ومدارسها الاجتماعية التي صنعت عصر الأنوار وفلاسفته “التعاقديين “، الذين تترجم فرنسا من خلال خطابها وقيم الجمهورية إعادة صياغة “مستعمراتها القديمة ” بما يلبي حاجتها إلى نخب وكفاءات وإمكانيات في ظل نظام السوق والعولمة ومجتمعات ما بعد الحداثة  ،للتخلص من عبء إفريقيا الذي يشكل ملايين الأفارقة نموذجه وهم موزعين بين شوارع الرباط والبيضاء وطنجة ومراكش، وفي كل نقطة من الأرض وتحت البحر وفي جوف الحوت، ملاذ يؤمن لها الاستمرار في الانتفاع باسم القيم “الوجودية ” لتحصيل رغبات بنيت منذ أكثر من قرن ونصف .وباتت أمريكا والصين تتنافسان على اختراق مجالها الحيوي ..إنها مسألة موت أو حياة تأخذ بقيم “الفرنكفونية” وإعادة استنباتها بما تملك من نفوذ وغيره .

أسوق هذا الرأي المتواضع وقد حاولت قراءة ما يمكن اعتباره تفسيرا لقضية متشعبة الأركان يغلب فيها الهم الاقتصادي،  وتمزيق “البنى الاجتماعية ” في كل مكان استطاعت إليه فرنسا سبيلا ، فالقادمون من الأجيال المنتمين إلى القاع المغربي فرص تشغيلهم ضئيلة لأن ظروف أسرهم غير قادرة على تعليمهم تعليما يليق بانتقالهم الاجتماعي أو ارتقائهم !! إلا الذين سيفعلون المستحيل لتدارك هروب قطار “التيجي في ” الذي لا يحمل إلا لغة موليير على متن عرباته .

فرنسا هذه نفسها فرنسا الأمس حينما عاشت أزمة “قرارات” خاطئة وعهدت إلى عالم الاجتماع “ميشيل كروزيه ” ببحث غياب تقدير للإدارة  والنخبة والنجاعة والأزمة الخانقة بفرنسا في وقت من الأوقات ، فبحث ووجد أن كل المتحكمين في سلطة القرار هم خريجو المدرسة الوطنية الفرنسية للإدارة من الأسر الكبيرة والعريقة  ، وأن التوريث  في المناصب ضرب التكافؤ والمساواة الاجتماعية في العمق، وهو ما أدى إلى توقف عجلة التنمية ، فكان الأهم هو إصلاح الوضع والسماح بأبناء المجتمع في إطار التنافسية بدخول المدارس بدون تمييز وتجاوزت فرنسا أزمتها  .

قبل عقد من الآن كان قد بات مسموحا لأبناء الأسر المتوسطة أن يصبحوا موثقين وأطباء وصيادلة ومحامون وقضاة  وتحسن وضع المغاربة وتشكلت نخبة وسطى لتغيير هرم المجتمع سكانيا ووو، وهو ما قد يكون ساهم في ما يطلق عليه “استمرار ” الأجيال بمنطق الديمغرافيا والاقتصاد والتنمية ، كروزي سبق ونشر كتاب La société ploquée تعبيرا منه أن فرنسا كادت أن تعيش السكتة القلبية  ، وأنه عليها إصلاح القرارات ومراجعتها من خلال المساواة الاجتماعية في حظوظ التسلق الاجتماعي ، ما يراد اليوم من “الفرنسة ” هو ترك الأغلبية يبدعون حلولا في الشارع للعيش أو تقاسم الشارع مع الأفارقة الفارين كما يحدث في أرقي الجادات المغربية لأنه بسبب فرنسا ،  إنما هؤلاء أفارقة فارين ونحن أصحاب أرض ..فهل علينا بالفرار إلى شوارع باريس يوما ما مع أن هذا الوطن قاوم سحر الاستعمار .على السياسيين أن يعوا أن مصلحة المغاربة أكبر من مصلحة فرنسا  “البراغماتية ” الضيقة ، و أنه لسنا جميعا مبدعون لفن “التماس الإحسان ” بنفس أسلوب “خديجة مريضة ” الإضطراري العميق الجرح في التاريخ وبمساندة المحليين الأفارقة ..أي السياسيون المشتتون في تلك أفريقيا تلك  ..نحن لا نرضى .