افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » خردة من الأحزاب .. تصلح للتدوير .

خردة من الأحزاب .. تصلح للتدوير .

بقلم : صبري يوسف .

في المشهد السياسي المغربي الراهن لا شيء يبشر بالخير ..ما الذي حدث حتى صارت الأحزاب السياسية المغربية اليوم بعضها يضرب بعضا تحت الحزام .ماذا يجعل من الفعل السياسي في دول خرجت حديثا من الاستعمار فاقدة لذلك “التميز” والبريق واللمعان الذي يحدثه التراكم  في المؤسسات كما في الأفراد على حد سواء.

سيقولون الأحزاب المغربية شاخت ..غير صحيح فعمر السياسة في المغرب لا يتعدى قرنا من الممارسة . سيقولون الفاعلون السياسيون ..سنرد بأنه لا يجب إنكار أن الأحزاب المغربية أنتجت طيلة عقود مجموعة من الشخصيات التي لا يمكن بأي حال من الأحوال الدوس على مكتسبات تحققت بفعل هؤلاء . سيقولون لك المشهد العام برمته أضعف الأحزاب ..سيكون الجواب بأن الأوضاع السيئة و”البدونة المغربية” والاستعمار كلها ظروف كانت أشبه” بالحزن العام” والمؤشر الأبكم ، ومع ذلك كانت لا تقرأ في الحساب ..سيقولون لك بأن الأوامر والتأثير الأفقي وسلطة المخزن على الأشياء ..سيكون الجواب بأن تاريخ الأحزاب الوطنية المغربية كانت دائما مع الجالس على العرش لا تتأذى ولا تتأثر ولا تقر بوجود شيء ما يقف عائقا أمام دورها  ومسؤولياتها ، بالرغم من اللحظات التي عبرتها الأحزاب المغربية في طريق بنائها المزدوج ..التحرر من المستعمر ..وخلق دينامكية سياسية والتفكير الملي في كيف نريد المغرب معا .

إذن أين المشكل ..الدول العريقة ذات الإرث الحزبي الكبير والعميق تعيش حراكا سياسيا إن شئنا القول “راقيا ” يزداد نظافة ..شموخا ومساهمة . وتزداد الفئات الاجتماعية التصاقا بتجارب أحزابها ..الديمقراطيات العريقة في جوف أوروبا يؤمن فيها المواطن بالانتماء “الواعي ” الواقعي والوطني لمؤسسة الحزب ..كل هذه الرغبات تترجمها المشاركة السياسية في الانتخابات ..ويعكس الواقع الأوروبي البنية السياسية لدوله التي تنسجم مع رؤى مواطني أوروبا الغير “مكدرين ” ولا الغاضبين على سؤال ..أي ماهية خلقت من أجلها الأحزاب .

إننا لسن مثلهم ..ففيما مثلا يسخط الأوروبي على حزب في تجربة تدبيره لملفات معينة ..نحن ساخطون أصلا على الأحزاب ككيانات موجودة ..قبل أن تنخرط في تجارب التسيير اليومي لشؤون المواطنين ..أو تلك التي تمارس “الديالوغ ” السياسي ، ومقراتها مسدودة صدئت أقفال أغلبها ..واغبرت عتبات أبوابها كالأضرحة التي لا يخدمها المريدون.

ففيما نفقد التمسك برجالات السياسة تزداد العقيدة الأوروبية ارتباطا برجالها ..هناك مشكل في واقع الأمر حول من الأحزاب في نظر المواطن إلى شيء يثير السخرية أحيانا ..ويثير الغضب ..والحقد والكراهية من فعل السياسة الذي كان الأولى أن يعيش أفضل أيامه .بحكم أننا في مرحلة “جنينية “. لكن مسخت الولادة إن جاز التعبير وشاخ الجنين في يومه الأول،وحدث للمشهد السياسي كالذي حصل مع “ماري آن بيفان” ..هذه السيدة التي خلقت جميلة كباقي بنات حوى ..كانت تشتغل ممرضة ..تزوجت وأنجبت ثلاثة أطفال وعندما وصل عمرها 32 سنة ظهرت عليها أعراض مرض العملقة ..وتضخمت أطرافها وتشوه وجهها ..كانت تنمو هيأتها بشكل لا يصدق ..توفى زوجها وأمام مسؤوليات تنشئة أطفالها الثلاث وتراكم الديون عليها ومغادرتها مهنة التمريض،  وأمام إحباطها وحاجتها للمال اشتركت في مسابقة “أبشع امرأة في العالم” وفازت بالجائزة المذلة .

حتى أنها باتت تجوب كل المدن ببريطانيا ليراها الناس الذين تهافتوا على رؤية تلك البشاعة والأداء مقابل مشاهدتها..ومع تلك المصائب فضلت الاشتغال وتحملت سخرية الناس ..ونقلت مهنتها للولايات المتحدة الأمريكية في عز الاهانة ..

هذه ماري ..القبيحة التي كبرت وشاخت بسرعة قياسية جعلتها أبشع امرأة في التاريخ  ..

تلك هي حالة الأحزاب المغربية ..شاخت بسرعة وبالرغم من حاجتها إلى أن تتوقف لا تزال تعرض خدماتها ..تتحمل كم الاهانات والآهات ..مؤمنة بشيء وحيد هو أنها تخدم مصلحة ما .مصلحة مجهولة لم تعد بنظر الذين يتهافتون عليها جديرة بالقيام بها .

على الأقل ماري كانت لديها حجة في خروجها بوجه مكشوف ..فهي تعيل أسرة ..أما الأحزاب المغربية فتعيل من ؟

في العالم وجدت مهمة “تدوير النفايات أو “الرسكلة ” ..كانت تقوم بها الشعوب منذ “العصر البرونزي”.  حيث كانت تذاب المعادن وتتحول إلى أشياء أخرى ..والإنسان قام بتدوير فضلات كائنات حية من أجل أن تتغذى عليها مخلوقات أخرى ..المهم أن هذه “الرسكلة ” تحل مشاكل ولها العديد من الفوائد ..إلا أن الأصعب في التدوير هو التكلفة .

لذلك فالأحزاب المغربية في تقديري تحتاج إلى إعادة تدوير ورسكلة ..مادامت غير قادرة على الإجابة على أكثر الأسئلة إحراجا . ليس المهم أن تجتمع لتجيب جمهور الناس عن هواجس الحاضر والرؤية الضبابية حول المستقبل ..ووشائج الماضي الذي غادرته بكل كلفته وتكلفته، وملايين الأسطر حول رجالاته التي تحفظهم الذاكرة الوطنية .

الأحزاب المغربية عليها تلقائيا أن تتجنب الخوض باسم أسباب ومسببات تربطها أتوماتيكيا بجهة ما.  أو ظرف ما .حولها إلى “خردة ” لا تصلح سوى للتدوير الذي تبقى القاعدة الهامة فيه أن منتوجه دائما يكون أقل جودة من المنتوج الأصلي،  ولكن المغاربة سيصبرون .سيتحملون منتوجا أقل على أمل تطويره في المستقبل ..

البعض يعتبر ظهير 58 للحريات العامة قد ميع كل شيء . أحزابا وجمعيات وصحافة.  إلا أن الكم لا يؤثر على التنوع  والغناء وثراء الأشياء وقيمها. يجب أن ننظر جيدا حولنا لنتعرف إلى أن تاريخ العلاقات الدولية في تقييمه لقوة البلدان اعتمد الكثافة السكانية كمؤشر للتنمية ، بعدما كانت أولى نظرياته قد اعتبرت المساحة مؤثرة . فتبين أن البلدان الكبيرة الكثافة يمكنها أن تتقدم  إلى الأمام عكس الأقل كثافة سكانية  ولو توفرت المساحة..شريطة وجود ما اسماه نجيب محفوظ”  العقل الواعي “. فالخلق عيال الله  وكثرتهم في تدبيرهم وليس العكس.  وبالتالي فالأحزاب المغربية ولو تجاوزت المائة حزب وكانت تقوم بدورها قرابة العشرون سنة الماضية لكان المغرب اليوم يعيش خصوصية لوحده معزولة عن الموت القادم من الشرق في كل شيء ..الذي يعتبر بالنسبة للبلدان العربية حكم قيمة جاهز المقاس  .

يجب أن نتمعن الأشياء بعمق . ولا نقبل ببعض المسلمات التي لا تكون إلا بضاعة يريد مروجيها أن تصبح القاعدة ..الخصوصية المغربية و”القطرية” أمرا حاسما وليس نمطيا . بحكم الانتماء للعالم العربي الذي يجر ذيول الهزيمة ويفتش منذ عقود بمفكريه عن ما سر تخلفنا وتقدم الأخر..وأنه علينا أن نكون كبلدان الغرب بأربعة أحزاب أو أقل ..الكثرة لم تكن عبئا يوما.  ولكن تنقص الفعالية  و”صحوة الضمير” التي تحدث عنها طه حسين في أخر أيامه ، وينقص  الاعتراف كالذي مارسه عبد الرحمان  اليوسفي ببروكسيل عام 2003 ،والإجابة الصريحة الشافية على رزمة من الأسئلة بدون دعوى من الدعاوى الغير ممكنة والمقبولة .. تلك التي لا تصطدم بأمل الشعوب في غذ مشرق لا يهم كم شاركت فيه من أحزاب أو جمعيات أو صحافة …كله من أجل الوطن هذا هو الأهم .