افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » راعي غنم بويبلان .

راعي غنم بويبلان .

بقلم : صبري يوسف.

مات الراعي في الخلاء مكسوا بالثلوج ، في واحدة من “أعقد ” الصور على الإطلاق ..ترى لماذا هكذا سؤال وجب طرحه؟

فقط لأن الراعي لم يمت كما كان يجب ، بل مات وحيدا ، مات وكم قاسى قبل أن ينال منه مجهوده وجهوده “البشرية” التواقة للحياة .

التخلص من العمر بالانتحار هو في الحقيقة نادر في المجتمعات  الإنسانية مهما ارتفعت أرقامه بحكم ارتباط الإنسان بحب العيش ..كيفا كان أسلوب العيش وقضاء سنواته ولو في الجحيم .

مات راعي بويبلان “كمجهولي” المصير ، وبالتالي يطرح فينا سؤال الوطن ؟؟ ما معنى أن يقضي رجل في مقتبل العمر أو طفلا كان أو شيخا منسيا بصورة ما في مكان ما دون تدخل أو رحمة أو عناية في الوقت الذي كان بالإمكان ..؟ سيقول البعض كان قضاءه أن يموت مهزوما بتلك المشيئة ، وأن يصبح وجهه صورة للاستهلاك “الإعلامي ” فقط .

إنما هل على الرعاة أن يموتوا جميعا بنفس الأسلوب خصوصا الذين تغزو أشهر البرد الآن قراهم ودوا ويره ومداشرهم ؟

القاعدة العامة تعني أن الوطن يتسع للجميع ، وأن الجميع يوفر إليهم الوطن بمؤسساته الدفء والنور والماء والكهرباء والدراسة والطعام ، وأن هناك القواعد القانونية وهناك الواقع . هذا الواقع الذي نحتكم فيه” للقيم العامة” ، نحتكم فيه للبحث عن حل للناس ، عن خدمتهم ، عن الاقتراب من قضاياهم . لا يود مواطن في المغرب يجدر بنا أن نقول أنه” خارج التاريخ “Out of time ..كما نخضع للإحصاء وللقواعد القانونية وللتصويت وللأداء وللعقاب نحتاج إلى من يهتم بنا ، إلى ممارسة الحق في التعبير وفي الرعاية الاجتماعية والنفسية إذا اقتضى الأمر ذلك ، نحتاج إلى تقريب الإدارة منا ، إلى توفير تغطية صحية ، وملاذ آمن من البرد والجوع والضياع ..نحن لسنا خارج التاريخ .

هذه المهمة يقوم بها رئيس جماعة على جبل بويبلان ، قائد المنطقة ، أعوان السلطة ، المغرب الممكن لا يعترف بوجود مواطنين خارج اختصاصات مؤسساته ، أي لا يوجد تائهون ، ولا يوجد بيننا غيرنا ، سواء بالقمة أو بالسفح ..

المواطنة” صك وجداني” لا يفصل بين الذين يوجدون داخل المدن والذين بالقرى ، ولا يميز بين الذين ضاعت عليهم فرصة التقاط الأنفاس والغارقون في محن المرض والجنون والتشرد . فقط الوطن من خلال مؤسساته ومن يديرها من عليهم البحث في كل نقطة من هذا الوطن عن الذين تعذر عليهم الوصول إلى نقطة معينة في مسير الليل والنهار ..

راعي جبل بوبيلان لو سبقنا الزمن والتقيناه قطعا سنجد لديه مليار فرصة للنجاة ، لو بإمكاننا استعادته وسؤاله عن الألم لكان شرحه عن لحظات مواجهة قدره المحتوم “محزنة ” ، راعي بويبلان لو بإمكاننا إعادته إلى الحياة وسألناه عن أحلامه لوجدنا ما يفجر قلوبنا فيها بالرغم من الجبل والبرد والهامش والضياع ..

راعي بويبلان هو صورة للملايين من المقهورين ، للملايين من الذين يوجدون في كل متر مربع من هذا الوطن الذي لا يشتد عوده إلا بناسه ، بأجياله أكانوا رعاة أم حفاة .

راعي بويبلان يثير فينا القلق العميق بكون ضمانة “توقير ” الآدمية فينا واحتضانها في لحظات “السواد ” غير موجودة ، وأنه علينا يوميا أن نفعل ما بوسعنا من السلوكات حتى لو كانت “مرفوضة” فقط لأن وضعا يجعلنا أنانيين لا نخاف إلا على  أنفسنا ومن ينتمون إلى محيطنا ، أما الباقي فعليه أن يجد حلا لنفسه في غياب ما يسميه دارسوا الاجتماع “بالمجتمعات ذات التضامن الآلي” التي تعوض الفرد وضياعه في الخلاء، وموته وحيدا يكابد مصيرا مهولا لولا أن “الصورة “في هذا الزمن هي الباقي في ساعة ما بعد “الإنعتاق ” التي نجد فيها عزائنا بعد فوات الأوان .

أن يضيع راعي في الخلاء فهو مصيبة “إنسانية ” تضاف إلى سجل” الأخطاء الجسيمة” التي يرتكبها من كان عليه التواجد في نقطة خاضعة بحكم جميع الأحكام إلى نفوذ ترابي وقانوني، وتجري عليه أحكام وتقاليد ووقائع وعادات وممارسات وأخلاقيات ..وإلا ماذا يعني ترك رجل يموت وحيدا في مواجهة الثلوج ، بدون أن يقوم غيره (برد قدر عليه بمائة إمكانية لتغييره) ..أو على الأقل تجاوز مقادير على الأبواب سنتابع ضحاياها في كل نقطة من “التيه الجغرافي “، حيث ينعدم الأمان في ظروف الطقس ، وتنعدم الرحمة” المجالية ” وقيمة الفرد المنتمي إلى المجتمعات ذات التضامن العضوي، أو مجتمعات “ما بعد الحداثة” إذا أمكن وصفنا ، حتى فيها هي الأخرى يضيع جوهر القصة ،ويصعب هضم أن راعي أخر سيلقى حتفه ببيته أو في الطريق كمدا، لأن البرد قهر عظامه المبنية على العلل والأمراض في غياب من يطرز قميصا له ،أو يحمل ماءا دافئا له ،أو دواء لشفاء نفس حسابها عند الله كحساب “قتل الناس جميعا “.