افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » رضيعة تفارق الحياة ..!

رضيعة تفارق الحياة ..!

بقلم: صبري يوسف.

فارقت طفلة الحياة بإقليم الرحامنة لأن “مراكز البؤس ” الصحي لا تتوفر هناك على حل “لإشكالية ” سم العقارب؟

مع القدرة على أن تكون كل أو جل المراكز تتوفر على ممرضين وأطباء يريدون القيام بأدوارهم المهنية، إنما الله غالب.

نحن أمام استهتار بأرواح وحياة الناس بدون ضمير حي مسؤول، نحن أمام كل الوجع الذي يفيض من كل جانب، ليغدر بحياة البؤساء فيما بعد العولمة؟ إذا كنا محليا محسوبين على هذا التيار الكوني الجارف الذي تنازل فيه كل شيء لسلطة العقل والعلم.

رضيعة بوشان كان بالإمكان لو توفرت الإرادة لذلك أن تبقى على قيد الحياة، نعلم أن أمصال سم العقارب فيها ما رافقها من النقاشات المستفيضة منذ ولاية وزير الصحة الوردي، وأنه ولسنوات تم إلغاء هذه الوصفة التي كانت هي البلسم الشافي، وأن صراعا بين الكبار حول من يصنعها؟ وما إلى ذلك يدفع في الأسفل بموجبه فقراء هذا البلد وبدويوه الثمن.

ترى من عليه أن يقول الحقيقة؟ ومن له الحق في الكلام؟

إذا نظرنا من زوايا متعددة إلى ما يسمى دراسة الخطاب كشكل من أشكال السلطة.

هل سيستمر المندوب الإقليمي صامتا بدون مبرر يوازي فاجعة أسرة مرمية بتخوم إقليم واسع تسيطر عليه البداوة ومراكز “النصيحة” الصحية  الباباوية  في غياب أي أداة أو دواء أو إمكانية يعود معها المريض معالجا والمعالج مرتاح البال؟

ماذا سيتمخض عنه الكشف والبحث “المتجرد” من كل النزعات حول وفاة هذه الصبية؟ وماذا بخصوص من له الحق في الكلام في هذه النازلة؟ وماذا علينا انتظاره من جهود احتواء وضع لم يبرح مكانه حتى مع كل الأناشيد وصكوك الجنة وتوزيع الشهادات اتجاه مرفق عمومي لم يتغير فيه أي شيء..؟ دون نسيان أن هناك أطرا وممرضين وإداريين يريدون القيام بواجبهم، ومرضى “عيانين” ينتظرون تلك الواجبات بشغف كبير لأنها حق .إنما يحرمون منها في غياب شروط تحقيقها الواقعية؟

فقدنا اليوم رضيعة في ديار بعيدة عن نقطة الضوء التي كان من المفروض أن تكون المستشفى الإقليمي، وفي غياب الدواء الذي تتنازع حول “إجرائيته” جهات بعينها بين معهد “باستور” والوزارة وشركات أدوية فرنسية وما إلى ذلك ، علينا التفكير بحلول أخرى لأن العقارب لن تموت ولن تغادر ،ولن تفكر معنا في إيجاد حل، ولن تمل، ولن تتعب بالرحامنة الجافة والقاحلة ، الجرداء الخاوية على عروشها، وموسم الجفاف أنهك البشر وما بالك بغير الإنسان الذي أعتبر أنه يتمتع بقدر كاف من الاعتياد كما يشير إلى ذلك “بيير بورديو”.

هذه الطفلة التي غادرت هي ابنتكم جميعا من باب المسؤولية الجماعية، وبنت والديها اللذان فرحا بها عندما رأت النور، وطفلة هذا المجتمع الذي عليه بأداء” بون” الإنسانية الأخلاقي  اتجاه بعضه بعضا، وطفلة هذا الوطن الذي ضاع فيها ، إنها رقم في معادلة كبرى لا يشعر بقيمتها إلا الذين يدرسون مجال “الديمغرافيا” بشكلها المنهجي النسقي المعياري الصادق…هم الذين يعرفون معنى وفاة طفلة كانت ستشكل في الزيادات السنوية بالمغرب إلى جوار أرقام أخرى قوة حقيقية ..مع كامل الأسف هناك كلام كثير بنيوي “توليدي ” يشد بعضه بعضا إنما يحتاج ذلك إلى ورق كثير …

المهم علينا الاعتراف بكوننا متخلفون جدا اتجاه معنى الصحة، واتجاه التوزيع بين قدر الله و”بغاها الله” ومسؤوليتنا المادية الصرفة” المنزاحة” عن أي تصور” مفاهيمي” أو نظري بدون سند، واتجاه أن الولادات والوفيات كمعدلات يستدل عليها بالأرقام في علم قائم بذاته لا يفهم قيمة تناقصها إلا الذين يعترفون اليوم بأن حجم القوة و”الكثافة “بات ينظر إليه من زاوية من هم أكثر عددا ليكونوا أكثر نفيرا..الصين والهند تتجاوز الولادات السنوية بين هادين البلدين 14 إلى 24 مليون سنويا ! وهنا تطرح معاني الخصوبة والنمو والخصائص والتوزيع والشروط الصحية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية التي تكسر حواجز المغامرة والتسليم بموت فرد أن يكون أكثر من أمر وجيه.

البلدان اليوم تتباهى بمن هي أكثر انخفاظا أو انعداما في عدد الوفيات السنوية ..استحي بسرد الكثير في هذا الباب، وقبل إغلاقه، تتجه العلوم  الاجتماعية لدراسة الخطاب كشكل من أشكال السلطة  كما وأشرت إليه آنفا، وإلى طرح السؤالين السابقين حول من يقول الحقيقة؟ ومن له الحق في الكلام؟ ومن يراقب؟

حيث صار إنتاج الخطاب مكان دراسة متميزة لعلاقات السلطة بين المراقبين والمراقبين..

نشعر بالحزن اتجاه ما وقع ، ونتمنى أن تصدر الجهة الملتزمة دستوريا بالسهر على صحة العباد إصدار بيان للناس بحكم أنهم رأي عام معني ومواطنون. وأن لا يتبع خياراتنا كرأي حر نكتبه أي محاولة لمسحه بحكم أنه يشوش، فالحقائق لا تشوش إنما هي مفيدة ، محاولة “نفيها” بكل الوسائل هي كملامح جريمة يقر منفذوها بطمس معالمها سرعان ما تتوسع لتفضح جميع المتواطئين..إن الرحامنة اليوم متأثرة بعلوم الفايسبوك التي ينشرها المثقفون والعالمون ويتفاعل فيها غيرهم ..”فيثتاقف” الأدنى مستوى من الأعلى، المهم قولوا للناس الحقيقة ، فليس دائما من لكم الحق في الكلام؟  لأن هناك من يراقب بشكل أو بأخر محتوى الخطاب.

لا تتأسس قناعات  مقبولة بالنفي لإخفاء “المسروق” على سبيل المثال إذا كان قد سرق، بل على الاعتراف به، وتحمل العقاب دون خوف من ضياع منفعة أو بقاء منصب أو شرف على حساب إعاقة بالمجتمع الإنساني،” إذا افترضنا أن الجاني معززا بالقدرة على الهام إنفاذ القانون منحه مبادئ خارج النص للدفاع بها عن نفسه في حالة استثنائية مقابل إخضاع غيره ! فخيار وحيد هو مواجهة الحقيقة بمثلها وليس بالحيف الذي لا يخدم إلا الغاضبين الذين يزدادون أعدادا في جنح الظلام..ظلام محاولة تعتيم المشهد.