افتتاحية

  • انتزاع المواقف .

    بقلم : صبري يوسف. قديما كنا نسمع عن انتزاع الاعتراف بالقوة ، الاعتراف المفضي إلى نتائج وتترتب عنه أح...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » سوء حظ الفيزازي.

سوء حظ الفيزازي.

بقلم : صبري يوسف .

في العهد اليوناني كانت اسبارطا المدينة الثانية بعد أتينا مهد المعرفة والعلم ، كانت هناك محكمة حفظة النظام ، كانت أحكامها الأسوأ هي التي لا تقوم بإنزال القصاص على الجاني بقتله أو إعدامه أو سجنه ..كانت أسوأ الأحكام تلك التي تعني “الإدانة ” الأخلاقية . كان الجاني يترك وسط الناس يموت ملايين المرات في مدينة “نموذجية ” ..يعرف أنها لا تحتمل الأخطاء والعبث ، فيموت وهو يمشي بين  ألاتينيين موتا بطيئا ..ليته قتلته أيادي القضاء وانتهى بين المقابر أو نثر جسده في الهواء .

علينا أن نعي  جيدا أن الإنسانية جمعاء تعيش اليوم مجتمعها “الثاني ” .المجتمع الالكتروني ، صار بيتا لمن لا بيت له ، محكمة للذين يريدون عدلا لأنفسهم ، للفقراء والمتاعيس ، للمظلومين ، ” ديوان للمظالم ” كما سمته جريدة الوطن الآن .

الإنسانية اليوم وجدت ضالتها وسيشكل هذا المنتوج تحديا في المستقبل يصعب إسقاطه من البال بالنسبة للدول والحكومات ..فالمسافة بين الشرق والغرب باتت قصيرة .لأن التكنولوجيا قربت بين الشعوب..حتى نظريات “فوكوياما “حول صراع الحضارات قد تموت .لأن الفايسبوك وأشقاءه من باقي التطبيقات ستمنع هذا الفكر من العيش ، هناك اليوم على طول حيطان الفايسبوك تقارب للرؤى وتجانس ، الشعوب المغلوبة تستنجد بالهيئات الحقوقية كونيا ، وبالمنتديات الدولية والجمعيات والائتلافات على طول خارطة العالم ، البسطاء يطلبون الإسعاف والشفاء من العالم كله ، المؤسسات الاجتماعية تضع غسيلها على الفايسبوك لتجد من يحمل عنها عارها في النصف الأخر من الكرة الأرضية ..العلاقات الإنسانية أصبحت متشابكة من خلال الفايسيوك ، تجمعها الصداقة الفرح  والعزاء والمساعدة الطبية.  في المرض والبحث الجماعي عن العلاج لكل شيء،  وطلبات المساعدات المالية والمصاهرات وبيع السيارات والساعات  والعشوب وكل شيء. لقد أضيف إلى الإنسانية مجتمع ثاني افتراضي يسمح بالحرية والتعدد الثقافي والاختلاف ..يسمح بقول كل شيء بدون رقيب . محكمة إنسانية يمكنها أن تنقد بريئا من السجن أو تؤجج الكون على فرد من المجموعة البشرية بحكمها ..إننا سنرى في المستقبل استحالة تجاوز هذه البنية الجماعية المشتركة المتعددة الجنسيات..حتى اللصوص صار الفايسبوك مجالا لمحاكمتهم وإدانتهم قبل أن تصل إليهم أيدي الشرطة بفعل ما ارتكبوه .لينالوا العقاب .مع مخاطر كل هذا على الإنسانية في جوانب كثيرة.

صار الفايسبوك مجالا “للإيتوبيا ” الضائعة منذ عصور ، حقق للإنسانية رفض انطوائها في الكثير من المواضيع والممارسات ، بالأمس  مثلا شخص يطلب أن يحاكمه الفايسبوك ، ويستغيث ، إننا باتجاه واقع أخر يجب استحضاره ..سيصعب السيطرة عليه أو تجاوز قوانينه . بعد الثورة الصناعية الكبرى والثورة الطاقية نحن بصدد الثورة الرقمية التي ستغير الأساسي في البشرية ، ستغير المواقف ، القرارات والأحكام ، ستسيد قانون الجماعة المشاع والتقليدي ليصبح ثقافة جديدة ، ستصبح الكتلة بهذا التطبيق قادرة على تغيير وجهات نظر الجماهير اتجاه الأشياء والأفراد والمؤسسات من الافتراضي إلى التأثير عليه في الواقع  ..لقد كان عام 2011 الربيع العربي إشارة لا يستهان بها . أما القادم فهو مخيف .

وبالفايسبوك تزوج الكثير من الرجال والنساء ، تصاهر البشر ، اختصر المسافات والمشاعر والآمال بسرعة البرق من خلال فرصة الدردشة “المستورة ” عن عيون الغير . “الخاص” بالنسبة لصناع الفايسبوك مكن الكثيرين من  بناء الثقة والحفاظ على سرية ما يجمعهم ، ووحد الناس حول أهمية ما يتناولونه بالخاص ..والفيزازي الشيخ العالم والعارف استعمل التكنولوجيا وغدرت به وتلك أية من سوء حظه .وبناء الثقة لم يحفظه الطرف الأخر على الخاص الذي جمعهما ..وصار مشكلا عاما وحالة “فضائحية ” ..وهنا الممل في القصة .هو أن الخاص بالدردشة مقرون بالفضيحة ، حينما لا تصان الثقة ويغلب الانتقام ، وحينما تتداخل الأعمار والأشكال والأوزان والمراجع والأفكار وتنصهر في مجال مناف لهذه الإمكانية..

سوء حظ الفيزازي أنه فضح أمره أو افتضح في يوم “هادئ ” . لذلك غالبا ما يتعود الناس من الهدوء الذي تتبعه العواصف . فبغض النظر عن الحيثيات التي وحده القضاء مخول له البحث فيها لمعرفة المذنب ..وبغض النظر عن كون القضية شخصية وأخذت أبعادا كونية .الفيزازي كان سيء الحظ في عالم يحمل المخاطر بين دروبه  الالكترونية ..كم من القضايا فضحها الفايسبوك ، سرقة ، رشوة ، محاولة انتحار ، اغتصاب ، اعتداء ، واقع سياسي واجتماعي واقتصادي ، مخاطر ، كوارث ومسكوت عنه ، أوبئة وأمراض ،كم من الضائعين  والمختفين والمحتجزين فضح واقعهم الفايسبوك عبر عدسة مصور ، أو فيديو مسجل ، الفايسبوك ومشتقاته والصورة والفيديو حكمت العالم الراهن ، لقد كنا قبل هذا التاريخ نتفرج على الشاشة ونحاكي الآلة ، كانت اليابان تصنع الروبو ونتساءل هل بإمكانه أن يحل بدلنا ..اليوم فعلا حلت التكنولوجيا وحكمت علينا قواعدها ، قوانيننا ، شروطها التعجيزية وصرنا خدامها  . مجرد اعتداء على كلب “بكوالالمبور” يصل صداه ومداه بالصوت والصورة إلى محكمة العدل الدولية بلاهاي . وتصبح مطالبة بمحاكمة الجاني وتمكين الكلب  المجروح من حق للترافع عن قضيته في أخر نقطة بالعالم ..ويصبح بإمكانه الحصول على جائزة نوبل للصبر على محنته في بلد سيصبح مدانا بكونه لا يراعي حقوق الكلاب .

الفيزازي العالم ، والفيزازي السجين ، والفيزازي العائد من أهوال السلفية بعد المراجعات ، والفيزازي الإنسان ، المتمتع بحس الخروج والإفلات من عقاب الدولة حينما عاداها يوما بسبب فكره ..والفيزازي الذي صلى وراءه ملك البلاد ، والفيزازي الذي أصبح ابن الدولة العميقة العائد من غيابات “العقوق ” . نسي أنه في كل هذا لا ينتسب إلى جيل التكنولوجيا .

نسي أنه فقيه حتى بدون عمامة  على الرأس ، وأن عالم مارك يخاطب شباب أخرين ، أجيالا أخرى ، حتى عهد قريب كان مجرد “رؤية “حاسوب كبير تثير دهشتنا ، فما بالك بالنقر على “لكلافيي ”  بالنسبة لشيخ يكفر في وقت سابق صناع العلم .

يحكى أن الولايات المتحدة الأمريكية في مذكرات وكالة الاستخبارات، يوم فاز شاه إيران بالحكم بعد الثورة عام 1979 ، اعتبرته أمريكا نظام للعمائم لا يمكنه أن يحدث شيئا أكبر من مجرد كونه تجمع للفقهاء والشيوخ  . سيفتون في أمور الغيب والحاضر بدولة سيكون سهلا التحكم في قراراتها …إلا أن نظام العمائم قفز فجأة وتجاوزها لصناعة النووي وأغرق بلدا في الفقر والحرمان والعقوبات .

الفيزازي المتمكن من كل شيء ، الواثق من نفسه ، المشهور ، اعتبر باقي الموجودات بالنسبة إليه محاكاة سهلة . كان يتخيل أن الذهاب إلى أصقاع الأرض والزواج والمصاهرة شيء عادي. إلا أن سوابقه “الالكترونية ” بالدردشة الخاصة تمكنت منه . لا نلومه على تعدده فله مبرراته ، ولا نلومه على أفعاله لأنها تعبيرعن فكر سلفي انتهى اليوم إلى مزبلة التاريخ . وقدم الفيزازي من حيث لم يكن يدري هزيمة لأفكاره ولأفكار غيره ،وأراح بلدا يعيش شعبه مؤمنا بالله بحكم “فأبواه إما يهودانه…”. ومن خلال ما حصل له وما حصل من قبل ل”با احماد” العدالة والتنمية يفهم بكون نية المغاربة تربح دائما . التكنولوجيا حجبت عن رواد الظاهرة السلفية نموذجهم إلى لا عودة . والمغرب بما وقع للفيزازي تخلص تقريبا وبصفة نهاية من هذا التيار .

فقط هو سوء حظ الفيزازي الذي لم ينتبه إلى اختراعات مارك الكافر ، التي فضحته ، في يوم هادئ انتبه إليه فيه الجميع ..وصار مادة دسمة بالنسبة لكل الصحافة . وتحول إلى طفل صغير يحتاج من يعيد له كبرياء الأطفال الضائع ..سيتجاوز المحنة .إلا أنه لن يستطيع الوقوف على رجليه ، “ولي عضو لحنش يخاف من القنبة” . سيعود إلى مضاجعه كما يفعل قساوسة ورهبان الأديرة ..سيعود إلى الزمن الذي يراه مناسبا لرجل دين كان الأهم بالنسبة إليه أن لا تطول يديه “فأرة “مارك . لأنها هربت به على ظهرها إلى أن التهمته قطط العالم ..

الفيزازي درس ومحصلة ايجابية أنعشت رأيا عاما مغربيا  ظهر أنه كان يعادي الأفكار السلفية المتطرفة أو حتى التي صارت معتدلة تخفي ورائها مركبا عقد ونقص كبيرين  ..والفيزازي منح المغاربة السوط ليضربوه وعليه أن يتحمل ..فبواقعة ما حدث له أرخ لتيار قتل هنا وألان .وأراح الأعصاب بالنسبة للذين كانوا مشدودين لتطور الظاهرة ..و”حيد” عن الدولة مسؤولية أن يدعي فرد غدا أو مجموعة بأن الدين لأحدهم أو لجماعتهم . الفيزازي أكبر غنيمة  “للاستقرار ” يقدمها للمغاربة الذين لا يوجد واحد منهم اصطف إلى جواره ..يعادونه ، ينتقدونه لخرجاته ، لا يريدونه خطيبا ولا إماما ، لأنه جسد فكر الكنيسة” القروسطي” مع صكوك الغفران ..التي يكرهها الجميع . فالدين لله والوصاية الشرعية عليه تملكها الدولة بحكم الدستور وإمارة المؤمنين . وغيرها مجرد لعب ولهو مغلف باللحى وتكفير الجميع لتحقيق مآرب شخصية ، فوتها الفيزازي على نفسه يوم أن غادر السجن ..واستقر بمساجد طنجة إماما وواعظا .في تلك الحدود كان عليه أن يتوقف عند ظلمات المحراب بالليل يسجد لربه . لأن الدولة المغربية على الأقل تعاملت معه بمبدأ أن الوطن غفور رحيم ونسي هو الحكاية ..ولم ينساها المغاربة الذين لم يرحموا ضعفه في يوم كان أسوأ حظوظه ..لأنهم يعلمون أن “لمزوق من برا عندو أخبار أخرى من الداخل ” ولأن إثبات العكس تحكمه الأيام بسوادها ودهورها فيثبت .