افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » شخصية نهاية السنة .

شخصية نهاية السنة .

بقلم : صبري يوسف .

على بعد أيام من نهاية سنة ميلادية وبداية أخرى دأب العالم على وضع لائحة بأسماء شخصيات للسنة . إنتاجات المبدعين في السينما والمسرح والصحافة والفكر والأعمال الإنسانية . هي لحظة للفوز ببعض ما بات ينتمي إلى ماضينا . فالسنة التي تصبح بعد12الثانية عشرة ليلا تعتبر من تاريخ لن يعود ، ونكتفي بتوديعها وتكريم الذين كانوا خلالها أصحاب قرار في القيادة التي شغلت رأيا عاما ، أو خلقت تحولا ، أو تلك التي كانت لحظات فاصلة وتراجيدية فقدنا خلالها السيطرة على العقل ، أو فقدنا فيها الذين نحبهم .

السنة الجديدة تفترق عن السنة التي سبقتها عند منتصف الليل ، ويبدأ تأريخ جديد بمزيج من الأسف على الأعمار التي تمضي ..على النكبات التي لاحقتنا ، أو تلك التي كنا فيها أسعد الشعوب .

في هذا الكم الهائل من الذكريات يصبح الفرد منتشيا ببعض ما حققه. منشغلا بالجروح التي سببها له العام الذي يودعه . بعضهم يتوقف عند أعداد السنة ، فمنهم من يعتبر مثلا رقم 7 كان عليه سوءا ، ومن يعده فأل خير . والناس بين الأرقام مختلفون . وفي النهاية تكون السنة على الجميع متباينة التوصيف .

في مدننا وقرانا المغربية ،ووضعنا العام كمغاربة نستفتي تلقائيا بحكم الوعي العام في الذين ملئوا سنة بروحهم ، بأصواتهم ، بصورهم ، بفرحهم أو نكدهم . نتقاسم الاختيار ونبعد أنفسنا عن أن نكون أبطالا ،أو منكسرين في السنة التي ضاعت من بين أيدينا .

نترك للأخر فرصة تحريك البحث عن من يستحق شخصية العام . رجلها أو سيدتها بامتياز . هو تقييم صارت عليه الشعوب ، من أجل غاية ما . قد لا يعرفها حتى الذين يقومون بالاختبار على الباقين .

إنما علينا أن نعي أن شخصية السنة ليس كلها تلك الأسماء التي تثير فضولنا على وسائل التواصل الاجتماعية والإعلام ، أو تلك التي نعتقد أنها الأكثر استحقاقا . فهناك من الرجال والنساء من يستحقون أن يكونوا شخصيات لسنوات طويلة ، بينما لا تمنحهم الأيام سقفا للتعبير و زمن للخروج إلى العلن ، وإعطاء الحصيلة .

يوجد في كل مكان من هذا الوطن شخصيات كثيرة . فيهم أصناف وأجناس ، فيهم المتعلمون والأميون ، فيهم الفلاحين والحرافيش ، فيهم الفقراء والمحتاجين ، فيهم من فعل شيئا لم يعلم به إلا هو ومن تلقى هدية أفعاله . ويوجد في المقابل الذين ناموا بالجوع لأيام وشهور وتمسكوا بإظهار الكرامة وحب الوطن بصمتهم  . ومن التحفوا الأرض والسماء وصبروا . ومن مشوا حفاة وعراة ، ومن خرجوا من ديارهم بحكم من الأحكام ، إما لسقوطها أو لفيضانات الأنهار أو لقهر معين .

شخصيات السنة يجب أن يكون درسا مفيدا للأجيال الراهنة . أن تكتب الأسماء على السجلات بمداد مختلف . أسماء الوزراء الذين أثروا النقاش وقدموا شكلا يصلح ليكون ابتكارا جديدا يسهل حياة إخوانهم  . للبرلمانين والمستشارين الذين أفنوا ساعات من النقاش الهادف الصادق لجلب المنفعة للمغاربة ولقراهم ومدنهم . للعمال والكتاب العامين الذين خلقوا فرصا بأقاليمهم تنبع بالحياة  بدون الحاجة إلى طرق أبوابهم ، للباشاوات والقياد والقضاة والمدنيين والإعلاميين والكتاب والمسرحيين والمبدعين والمهندسين والأطباء والمربين والأستاذة ، هكذا إلى أخر رقم في مكان ما. حكم فيه السكان على سيرة فرد منهم بصلاحها . حتى لو كان خادمهم . إنما كان يبلي بلاءا حسنا .

كانت أعماله تحرك شيئا إيجابيا في وقائع البشر .

شخصيات السنة للذين غادروا وهم يعاندون الموت في لحظات العطاء ، للذين أنفقوا أموالهم على مرضى لم يجدوا شكلا لضمان الكرامة في أوج المرض العضال . للذين فتحوا هواتفهم الخلوية وصوروا وجها من القبح والظلم كي تتدخل سلطة المجتمع وتفعل واجبها . كل هؤلاء.  والذين يفكرون في إعلاء سلوك  المواطنة بهذا البلد يستحقون شخصيات للسنة . لأن العام الذي يمر دون أن يكون هذا الحساب ، لا يجدر الاحتفال به . فالأهمية تكمن بالملموس ، وليس كما يحدث عادة في الإعلام العمومي الذي يختار عيناته من وجوه يراها تستحق شخصيات للسنة حتى وإن لم يكن لديها ما يبرر ذلك . شخصيات لم تصنع نصا في القانون ،ولا تحقيقا في الصحافة عن ظاهرة انتهت بمجرد خروج التحقيق ، لم تداوي مرضا .ولم تنتج عقارا شافيا . شخصيات من الكرتون ، لم ترفع صوتا يناشد الحرية وينفي الظلم عن الإنسان .

إن الذين يستحقون أن يكونوا على موعد مع السنوات لا يكرموا عادة . بل يعرفون أنهم يستحقون إنما تتجاوزهم الأسباب . وتتجاوزهم بداية السطر . لكن بفضلهم تستمر الحياة . هم مصادفتك في كل مرافق هذا البلد ومؤسساته أعلاه وأسفله ، إلى حدود بائعة الخبز على الرصيف وماسحي الأحذية بالشارع .  ذاك الذي يجعلك تشعر بالإجلال وأنت تخطب في مجلسك ومؤسستك بانتشاء وعزة لا يضاهيها شيء . إلا أنها من فعل ماسحي أحذية بالشارع هو من جعلك تشعر بذلك الإحساس الذي يستحق عليه شرف رجل السنة مع الجميع .