افتتاحية

  • تجاوزنا الزمن.

    بقلم : صبري يوسف. أعتبر هذا الرأي ربما الأخير في هذا “الأسدس الأخير” من السنة  الجارية ع...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » صحون الاستقلال الطائرة .

صحون الاستقلال الطائرة .

بقلم : صبري يوسف .

بالأمس وعشية انطلاقة مؤتمر حزب الاستقلال السابع عشر بالرباط فجأة انتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي معركة بين طرفين استعمل فيها “الموجود ” والمتوفر . ولا يوجد في ذلك اللقاء سوى ما على مائدة العشاء ، الصحون ، والكراسي وخشب الموائد ..كانت الصور التي نقلت من هناك لتلك الليلة “السوداء ” .التي لن ينساها الاستقلاليون تعبيرا عن مرحلة وتاريخ مفصلي من حياة حزب عتيد كبير وعريق .المقلق أن “تريتور ” الخاسر الأكبر خصوصا إذا كانت أولى تجاربه في ضيافة الكبار..

كان من المتوقع أن يحدث شيء ما من التدافع داخل مؤسسة حزبية وصلت اليوم إلى الباب المسدود . ليس هي فحسب وإنما المشهد الحزبي برمته  سيعيش نفس الظروف في الأيام القادمة ، ما حدث صحي وأمر عادي ومسلم به في مغرب رغم كل مشاكله سيتقدم إلي الأمام ..مخاض إعادة إنتاج مؤسسة حزبية في المغرب يحتاج إلى تلك “المسخنات ” . من كان يعتقد أن  5000 من المؤتمرين سيأتون لانتخاب أمين عام وهياكل الحزب التنفيذية ويعودون إلى ديارهم بدون أدنى ردة فعل لا يقرؤون الوضع الراهن جيدا .

ما حصل ليس تعبيرا عن حياة سياسية انهارت ، وليس ترجمة لأفول حزبي مغربي انتهى ، وليس تعبيرا عن مواقف تعتبر الحالي في السياسة المغربية سقط مستواه ، وليس هي صورة مؤسسات سياسية بات يغلب عليها العنف واختلال في أدبيات الانتماء التي تستدعي الاتزان واحترام الأخر وتدبير الاختلاف بشكل سلمي . لكن ما حدث في الاستقلال أمر عادي ، والقادم في العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي والأحزاب الكبيرة القوية من زلازل سيجعل الذين قرؤوا المشهد بتسرع يعيدون احتساب ما استنتجوه بكونه خطأ.

فما بين خطاب العاهل المغربي محمد السادس لعيد العرش ليوم29 يوليوز 2017 وما سبقته من أحداث الريف وقبله لبلوكاج الحكومي ..والخطاب السامي للعاهل المغربي الذي ألقاه في افتتاح الدورة الأولى من السنة الأولى من الولاية التشريعية العاشرة في مسار كانت النخبة السياسية هي المشترك بين كل هذه الخطابات وتحميلها المسؤولية للنخبة السياسية دائما  .

كان هناك ما يدعو فعلا إلى القلق من وضع مغربي ركنت فيه التنظيمات السياسية إلى الزاوية وتركت أدوارها التاريخية ، هناك سرعتان غير متناغمتان ، سرعة الدولة المغربية التي تريد أن تمشي بالجميع على نفس المسار وبنفس المحرك.  فيما النخبة السياسية تجر الجميع إلى الأرض ،وبالتالي لن تلتقي الإرادتان.

انفتاح المغرب على محيطه الإفريقي ، وأوراش الشمال التي تعطلت بحكم أن الأحزاب تنتج الذين يدبرون شؤون المغاربة بشكل من التمييز بين الجهات والاعتبارات الضيقة .  وبالتالي سيظهر فعليا أن الوضع بعدما ارتفع الاحتجاج في مدن الشمال صار يحتاج إلى تصفية تركة وإرث سياسي ما عاد يصلح لأي شيء .من سيقوم بالمهمة ليس نزار البركة أو ولد الرشيد بتمويله وأسبابه ، وإنما التغيير سيحركه ضمير الذين يستمعون جيدا لوقع التحولات المتفاعلة أمام أعينهم وتدعوهم إلى تغيير قناعاتهم .

الوضع الراهن لا يعني أن هناك من سيتدخل أو بعبارة أخرى أن المخزن له اليد الطولى لتغيير الوجوه ، بل لأن الحقيقة تنطق بدون أن تحتاج إلى إشارة من أحد . تفاقمت الهوة بين الفاعلين السياسيين ومؤسسة البرلمان وبين المؤسسة الملكية.  التي تنتظر زخما يمكنه أن يساعد في تغيير منشود وتنمية كانت صلب خطابات العاهل المغربي. الذي لم يستوعب إشاراته  “الباكون ” ، وهو أن الأحزاب ليست ملكية خاصة وسندات ومنح تورث”..إنه توجيه أنانية الفرد لخدمة المجتمع ..” كما يقول علال الفاسي في نقده ..وليس العكس.

واقعة الأمس في عشاء الاستقلال مع كل الأناشيد ومضامين تاريخ علال التي استخلصها في كتابه “النقد الذاتي ” شيء لا يفهم في تسلسل الأحداث بين نظريات واضع تاريخ الحزب والحقيقة المرة الراهنة . يجب الاعتكاف على ” الموجه ” النقد الذاتي وإعادة تلاوته من طرف الاستقلاليين ، فحين يتحدث عن “منطق الشارع ” هنا يجب أن يقفوا جميعا ويقرؤوا بصوت عال مضامين أفكاره حيث يقول “.. وأنه علينا تطوير فكر مناهض لمنطق الشارع ،وتجاوز إعادة الارتجال التي تحكمنا من السياسة إلى الإبداع الفني ..” ، على كل حال ما يحصل اليوم هو إعادة إنتاج حزب برمته ، السؤال الذي تصعب الإجابة عليه ، هل ستكون إعادة إنتاج إلى جيدة أو سيئة.. ولادة سليمة معافاة أم ولادة معاقة ..على اعتبار أن مركزية فكر علال الفاسي ومن جاؤوا من بعده لا يمكن بأي حال من الأحوال الوصول أو ضمان الارتفاع فوقها.  وهنا مصيبة جميع الأحزاب الوطنية المغربية كالاتحاد الاشتراكي الذي سيعيش الأيام القادمة نفس الثورة …

فقط الأحزاب التي صنعت في ظروف معينة كالعدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية والأحرار والأصالة والمعاصرة يمكنها أن تتكيف مع المشهد القائم وتحتويه وتقدم وتؤخر لأنها لن تلام . إنما الاستقلال بحكم ما سبق لا بد وأن يحدث فيه التراشق حتى بالرؤوس . على اعتبار أنه موجه أساسي في الحياة السياسية المغربية  وانفتاحها وديمقراطيتها ، هو المرآة،  وشباط تعبير مادي ملموس حانت وقت الردة عليه بتقدير منتقديه كي يعود للمرآة صفائها .  فغرمائه يفهمون تاريخ الحزب ولو بالرجوع اختصارا إلى “بيوغرافيا ” علال للوقوف على التراجع الخطير لحزبهم العريق . للإشارة فالحزب مليء بالأفكار والمنظريين والفقهاء والمفكرين واختصارهم في شباط أمر لن يقبل به الطرف الأخر الذي ارتمى على صحون موضوعة على الموائد لوجبة عشاء القوم..

فخطابات العاهل المغربي مست جوهر الواقع المغربي بإنتاجاته الإدارية والمنتخبين واليومي للمغاربة الذي يؤثر فيه الفاعل السياسي بالرغم من الانتقادات التي كان يوجهها شباط ويسميها بالتحكم، وهي نفسها التي استعان بها بن كيران للمرور بين اللحظات الأشد عسرا واسماها بالعفاريت والتماسيح . ولكن ما لم يفهمه الساسة المغاربة أن نهاية التاريخ على رأي فوكوياما يمكنها أن تطال الكون وأن تطال التجمعات البشرية والكيانات السياسية والإتنية برمتها بدون مساعي لإعادة الاعتبار لمن ضاقت بهم ، خصوصا وأن الوضع القائم يحتاج إلى الاعتراف والنقد الموضوعي والذاتي من لدن هؤلاء ومغادرة كراسيهم طواعية دون الإذن من أحد .

ما على بقية الأحزاب  “هنا وألان ” سوى تدوير ما تبقى منها لإنتاج ما هو أقل جودة يمكن اعتباره خلاصا  مقبولا مما قد يكلفه المستقبل . إذا لم تخضع تلك الأحزاب نفسها تلقائيا للتغيير  ..وإلا فإن مناضلي أحزابها سيعبثون بما تبقى لديها من الكرامة . فالطبيعة تخشى الفراغ ، وتخشى الجمود ، وعصبها التطور والارتقاء  ، والعقل السياسي المغربي استبدل الحرية وإنتاج القيم بالوراثة السياسية التي تتقاطع مع المصلحة العليا للوطن.  وبالتالي فلابد بأي طريقة إنهاء هذا السلوك الذي يأسر الجميع ويأخذ البلدان نحو الكارثة والسكتة بكل مالها وما عليها .