افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » ثقافة » “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” .. ثورة الكواكبي في كتاب.

“طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” .. ثورة الكواكبي في كتاب.

من رحم المعاناة تولد الإنجازات، لعل هذه العبارة تنطبق على العالم عبد الرحمن الكواكبي الذي تجرع مرارة الاستبداد والقمع والمنع، فألف كتابه الذي بقي خالدا في التاريخ “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، والذي يعد بيانا ثوريا في وجه الاستبداد الذي كان جاثما على الشرق ومعه شمال إفريقيا.

الكواكبي الذي ولد سنة 1848 بمدينة حلب السورية، سرعان ما لمع نجمه. فبعد أن كان مسؤولا عن صحيفة تصدرها الحكومة العثمانية، قرر أن يغادرها وهو حينها في سن العشرين، ليؤسس صحيفته الخاصة، حتى يجد فضاء أرحب للتعبير عن آرائه، وسماها “الشهباء”، وهو اللقب الذي يطلق على مدينة حلب السورية. لكن التجربة لم تدم طويلا، ليقرر بعدها إنشاء صحيفة أخرى سيطلق عليها اسم “الاعتدال”، وسيتم إغلاقها هي الأخرى.

وجد الكواكبي نفسه محاصرا بالاستبداد وناسه، أينما يمم وجهه، ووجد أن الطغيان أصبح جاثما على صدور الناس، ليؤلف كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، الذي كان تحليلا لما يفعله الاستبداد بالناس وتأثيره على سلوكهم، وقدم وصورة واضحة عما يصير عليه المجتمع الذي يعيش تحت حكم مستبد، وأطلق عبارته الشهيرة “الاستبداد أصل كل فساد”.

ويصف الكواكبي شخصية المستبد بأنه “شخص يود أن تكون رعيته طائعة، وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خُدمت خَدمت، وعلى الرعية أن تعرف مقامها، هل خلقت لخدمة حاكمها وتطيعه إن عدل أو جار، وخلق هو كي يحكمها إن بعدل أو اعتساف أم هي جاءت ليخدمها لا يستخدمها”.

ويعتبر الكواكبي أن الاستبداد يحدث متى أصبحت الحكومة مطلقة العنان، لا يقيدها قانون ولا إرادة أمة، مشيرا إلى أن الاستبداد إذا أصاب أمة، فإنه لا يترك منها لا الرأس ولا القاعدة؛ ذلك أن “الحكومة المستبدة تكون مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفراش إلى كناس الشارع”.

ويحمِّل الكواكبي مسؤولية الاستبداد ليس فقط للحاكم، وإنما حتى للساعين إلى التقرب منه، ويصفهم بـ”الأسافل” الذين لا تهمهم محبة الناس، “وإنما غاية مناهم اكتساب ثقة المستبد، ويظهرون أنهم على شاكلته وأنصار لدولته وبهذا يأمنهم ويأمنونه ويشاركهم ويشاركونه”، قبل أن يؤكد أن استمرار الاستبداد ليس رهينا فقط بوجود حاكم مستبد أو حكومة مستبدة، وإنما “لوجود شعب يقبل هذا الاستبداد”، موضحا بأن قدرة الشعب على مقاومة هذه الظاهرة هي علاج الاستبداد.

الكواكبي الذي يعد من رواد التيار الإصلاحي، وكان من المنادين بالتمييز بين الدين والدولة وإظهار وظائف كل منهما، دون الوصول إلى حد الفصل بينهما، أكد أن الحاكم يخطئ ويصيب و”لهذا عليه أن يلتزم بحكم الدين”.

وعن خطورة الحاكم المستبد على المجتمع وتطوره، بل وحتى اضمحلال القيم فيه، أكد الكواكبي أن المستبد يحب المجتمع الجاهل، بل يسعى إلى تأسيس مجتمع جاهل، “فكلما تغلغل الجهل في أواصر المجتمع كلما ازدادت قدرة الحاكم على الاستبداد، فالعلم مقاتل مقدام يخشاه المستبد ويخشى من قدرته على إرشاد الرعية لمواطن الحقوق وسبيل الحصول عليها”.

وشدد الكواكبي على أن الاستبداد يؤثر حتى في التربية والأخلاق “فيفسدها ويضطر الناس إلى الحاجة إلى الكذب والخداع والنفاق والتذلل”، بيد أن كلمات الكواكبي الصارمة والقوية رجت كيان الحاكم التركي الذي اعتبر أنه لن يجد له راحة حتى يوقف الكواكبي عن الكتابة عن مظاهر الاستبداد والظلم، فقرر أن يقتله بالسم.

وهكذا توفي الكواكبي سنة 1902 بالقاهرة مسموما، إلا أن كتابه بقي خالدا في التاريخ الإسلامي، كأكثر الكتب قوة وصراحة في تشريح ظاهرة الاستبداد.