افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » “عبد اللطيف الحسوني” الذي غادرنا إلى دار البقاء .

“عبد اللطيف الحسوني” الذي غادرنا إلى دار البقاء .

بقلم : صبري يوسف .

بالأمس عشنا اليوم كامله بمركز الصخور الرحامنة، حيث خيمت أجواء الحزن والألم والحسرة على فقدان شاب متزوج له أسرة وله امتداد عائلي ووجداني وطبيعي بالناس الذين أحبوه ،والمحيط الذي لعب فيه دوره كفاعل اجتماعي إيجابي .

وقبل أي شرح أكثر، وإعطاء اللغة بعضا من واقعيتها، وموضوعيتها ومعقوليتها ،وشموليتها .على اعتبار أن كل الظواهر الاجتماعية لا يجب إخراجها من سياقها المجتمعي، ومن علم الاجتماع الذي يتناولها تناولا يحتاج منا إلى إبعاد الذات عن الموضوع ..وقبل ذلك علينا بالسير في الأحياء والاستماع إلى الناس ،والنظر إلى البيئة والى المناخ ،والى حركة كل الأشياء بذلك المركز الصغير الذي عنوانه البارز أنه “لم يتحرك ” ولا قيد أنملة إلى الأمام …إلى التنمية منذ النشأة الأولى .

لأفترض ، أنني لا أعرف صخور الرحامنة ، ومن وجهة نظر تعتبر الملاحظة شرط ضروري للموضوع الاجتماعي، وللمنهج ،وللوظيفة لتي يتأسس من خلالها تفسير الواقع لا تبريره ،فإنني أقف اليوم على هذه الملاحظات .

  • بالصخور لم تعرف حركة العمران أو” المعمار” طفرة نوعية للتدليل على أن وضعا اجتماعيا اقتصاديا ثقافيا يتطور بتلك البيئة التي تعود إلى عقود خلت.
  • بالصخور لا توجد مرتكزات للحياة الاقتصادية ..لا توجد معامل ولا مصانع ولا مؤهلات “سوسيو اقتصادية “تنعكس على باقي التحولات .
  • بالصخور لا توجد مؤسسات تعليمية رائدة ،ولا توجد مراكز للتنمية “المدرسية ” ..والثقافية ولا مؤسسات للقرب “البيداغوجي “التربوي ولا شيء من هذا القبيل .
  • بالصخور توجد شريحة من الشباب البالغ القادر على الإنتاج والعطاء ،إنما لا تتوفر الإرادة ..إرادة السياسيين والفاعلين الآخرين .
  • بالصخر يوجد تاريخ قديم جدا ، وتوجد محطات من هذا التاريخ التي تلامس كل مكان بذلك المركز “الشبه حضري”، إنما ولا سؤال حول قيمة الإنسان هناك …؟ وماذا بإمكان التاريخ أن يقوم به في دورة الحياة المعاصرة المستمرة.
  • بالصخور لا توجد “حركة ” ،أي أن المركز وبحسب الذين حاورناهم لم يتحرك لا إلى الشرق ولا إلى الغرب، ولا إلى الشمال أو الجنوب امتدادا. فانحصرت “نفس البنيات” والمجالات التي يتحرك فيها السكان بشكل “ميت “.
  • بالصخور لا يوجد زخم للنقاش والتواصل مع جميع الفعاليات الرياضية والتنموية والثقافية والفلسفية من أجل الإجابة على أسئلة معلقة تحتاج إلى من يستفزها ..إلى من يطرح سؤالا حول ماذا تغير ؟ وماذا هو تابت ؟ وكأن الطبيعة بالأمس تقول أن الأشياء كلها ظلت إلى هنا ثابتة ميتة .

نكتفي بهذا الجرد ، ولعل الوافدين على ذلك “المركز”، والعابرين على حوانيته و”عشوائياتة ” تشكلان المنظر العام ،وحالات “التيه ” هناك تضع المشاهد في واحدة من “أسوأ ” الأوضاع هشاشة وفقرا بشكل منظم حتى بكل تعبيرات وتصريحات من سألناهم .

لنعد إلى المرحوم عبد اللطيف الحسوني ، الذي تبعته ساكنة الصخور بنسائها ورجالها وشبابها ، من بيت أهله إلى المقبرة ، تبعه كل معارفه وإخوانه والذين استشعروا بأن الرجل ظلم . وأنه تعرض “للحكرة” بتعبير زوجته والذين صادفناهم ..ولولا إحساسه بذلك ما كان لرجل أن يلقي بنفسه وسط النار لتأكله حتى الموت ..عموما هناك جهات مكفول لها القيام بدورها فيما جرى …مع أننا جميعا نقف ضد أن يلقي الفرد بنفسه في التهلكة والموت بشكل أو  بأخر .

في الشق  الثاني يطرح “سؤال جوهري” حول ماذا يختفي وراء مركز الصخور من المعاناة ؟

كم تختفي من “الاهانة “في كل من جماعة سيدي عبد الله ،وسكورة لحدرة ،وسيدي منصور، والجعافرة ؟ على الأقل الجماعات المتاخمة لمركز الصخور الذي تعتبره “نظريا ” حلها السحري للمشكلات الصحية والاجتماعية والثقافية والإنسانية المرتبطة بالخلاص اليومي من معاناة المرض والولادة والعطش والجوع والشغل والكسب . وكم من الساكنة تعيش على “الحاجة” بتلك الجغرافيا ؟ يمكنكم أن تتخيلوا كيف يقضي الناس “زمنهم النفسي” على تلك المناطق من الأرض الرحمانية بين حسرة الزمن ومحاصرة الظروف ..؟ حتى لو اعتبرنا المجال مجال قرويا..فسنسأل عن الكلأ للماشية والماء والحاجات الضرورية التي تعتبر بالأساس أقرب حل هو “مركز الصخور “؟؟ فيما هذا المركز بالأمس أطل علينا طيلة يوم كامل بصوره “البئيسة” التي تحتاج هنا إلى مساءلة ..

مساءلة الفاعلين الأساسيين، الذين تناولتهم مداخلات الشباب بالوقفة التي نظمت أمام مقر الجماعة . الوقفة التي حصرت الأسئلة المؤرقة التي كانت “فاجعة ” عبد اللطيف الحسوني بالنسبة إليهم مجرد مدخل “هام ” بالرغم من عنفها وقسوتها عليهم ، وفرصة للتعبير السلمي “الناضج ” عن وجودهم ،عن حياتهم ،عن معاناتهم ، عن “التكرفيص ” ، عن القهر والذل وجميع مراتب المعاناة الإنسانية في أشد صورها  ..

قالوا كلاما كثيرا .. صكوا مطالب بالجملة تبذأ من أول مطلب بتحديد المسؤوليات فيما جرى ؟ إلى ما يمكن أن يتخيله شخص في  جوابه في أي نقطة من الرحامنة عن ماذا يريد من هذا البلد ومن هذا الإقليم ؟

وعليه ،الوضع الراهن ستنسي فيه الأيام ما حصل ، ومن بكى سيمسح دموعه غدا ، ومن تألم سوف يصبر على حرقة الألم أيا كان موضعها وسبب وجعها . إنما في الطرف الأخر توجد معاناة بالرحامنة “مستثيرة ” عن الأعين ، هي ليس من اختصاص الساكنة ، بل هناك جهات أوكلت إليها مهمة إيجاد الحل . فدور المواطن هو فعله “الاجتماعي”، وعبد اللطيف عندما سألنا بخصوصه ،وتقصينا الأخبار كان يقدم واجبا ..كان يمارس حرفة على الرغم من أنها لا يمكن أن تجعله “ثريا ” . إنما كان مثابرا …كان يقوم بأداء واجبه للعيش بكرامة ، كان ينفق ، كان يرسم لنفسه وأسرته مسارا للتفوق الاجتماعي من خلال إبداع أفكار .. ويشارك الآخرين بشكل” آلي” تنمية موردهم ومورده ..إلى هنا كان هذا الإنسان قد قام بالذي عليه ، في مركز قروي ليس من مسؤوليته أن يلعب فيه أدوارا أكبر منه .

بمعنى ،أنه كان إنسانا ايجابيا ، إنما أين هي أدوار باقي الذين بالأمس كان عليهم أن يحضروا لسماع “صرخة ” السكان ..أنينهم ، لحن الحزن في حلقهم ، أين هي باقي الجماعات ورؤسائها من الرحامنة الشمالية ؟ عمالة الاقليم ؟ الجهة ؟ الحكومة ؟ وباقي المتدخلين الحقيقيين في صنع “التنمية ” .؟.رجال الأعمال والمنعشين ، وباقي الفاعلين أيا كانوا ؟

بالأمس تنقلنا بين أكثر من مشهد، وبين أكثر من بقعة ،ومساحة وتعبير ورأي ، وظهر أنه حتى أبناء الصخور لم يجدوا تفسيرا لوقوف الأشياء جملة وتفصيلا منذ عقود بنفس الألوان . كأنها لوحة من الزمن السابق على الإنسانية ..صورة مجردة من كل معاني الحياة والأمل  ، نفس السوق ونسف الأسوار ،ونفس الأوساخ تتراكم ونفس القمامة ،ونفس “الوجه القبيح” المعروض على الطريق الوطنية ،ونفس المواصفات في غياب البدائل ..أو نية التغيير.

الرحامنة تعاني ، بكل مجالها ، وقد يكون أحيانا دور لبعض الفاعلين من قبيل “تبييض” بقع جماعاتهم “السوداء المشهد  “.فيما لا توجد منطقة وسطى بين السواد والبياض ..الرحامنة الجنوبية تعاني ، والرحامنة الوسطى تعاني ، وابن جرير تعاني والأحداث التي لا تكون ضمن “التوقعات ” عليك بتوقعها ..

طوال عام 2018 عشنا أسوأ الأحوال التي هزت الرأي العام الوطني وكانت الرحامنة مسرحا لبعضها..ليس لأن الطبيعة أرادت ذلك ..وإنما لأن ظروفا “متكاملة ومتداخلة” أخذت وقتها الكافي كيف تخرج من حالة ما يمسى ” بالأسئلة المغلقة “، إلى الاستفهام العلني ،وتتحول إلى” ظاهرة اجتماعية” ،وقضية رأي عام يصبح بعد فوات الأوان علينا تفسيرها وإخراجها إلى النور فقط ..إنما أين الحل ؟ فيما صورة الإنسان والمجال والتاريخ والثقافة وباقي مفاصل الوجود تتأذى، لأن دورا مسنودا لجهة ما أو لفرد ما أو لمؤسسة ما لم يؤدى بشكل حقيقي واقعي ملتزم.