افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » أراء » فرنسا الإقتصاد الذي يشتغل ببطارية ضخمة إسمها إفريقيا. 

فرنسا الإقتصاد الذي يشتغل ببطارية ضخمة إسمها إفريقيا. 

تعتبر فرنسا من الاقتصاديات الناجحة في العالم ،ورغم الأزمة الأخيرة فإنها ما تزال من القوى العالمية و كانت وما تزال تستمد قوتها بالأساس من مستعمراتها الشاسعة بإفريقيا . فرضت احتلالها على شعوب إفريقيا المغلوبة على أمرها ، ثم  منحت تلك الدول ما يشبه الإستقلال ،فقط لأن كلفة الإستعمار المباشر حملتها الكثير ، لذلك فضلت الإستعمار الإقتصادي لجل بلدان إفريقيا ، مخلفة ورائها انظمة مطيعة تمثلها أكثر مما تمثل شعوبها .

برزت فرنسا كقوة استعمارية منذ مطلع القرن 19 م .وبدأت الزحف على شعوب إفريقيا واحد تلوى الأخر ،مرة باستعمال القوة ومرة باختلاق القصص التافهة كحادث المروحة الشهير الذي احتلت بموجبه الجزائر . ثم عمدت الى تفقير شعوب القارة وبناء فرنسا الحديثة القوية التي تبسط سيطرتها اليوم على مقدرات وخيرات الأفارقة .فيما يموت الشباب الإفريقي على حدود الإتحاد الأوربي .

إن القارة الإفريقية مثل البطارية التي تشغل الإقتصاد الفرنسي ، فمحطات الطاقة النووية الفرنسية التي تنتج الكهرباء تشتغل بوقود إفريقي هو اليورانيوم القادم من مالي وتشاد والنيجر ، في الوقت الذي يعيش فيه المواطنون الأفارقة في ظلام دائم .وهو الأمر الذي جعل فرنسا تتدخل في مالي حماية لوقودها النووي وليس رأفة بالشعب المالي .

في كل بيت من البيوت الفرنسية يستعمل الغاز الجزائري في المطبخ والتدفئة ، بينما يعيش الإخوة الجزائريون ظروفا مزرية .في كل أرجاء إفريقيا المدارية ينتج المزارعون البسطاء كميات هائلة من الكاكاو في ظروف شقية ، ثم يقدمونه مادة خام رخيصة الثمن لمصانع الشكلاطة الفرنسية والأوربية .

في كل السواحل الغربية للقارة ، من المغرب شمالا الى الرأس الأخضر جنوبا ،تجوب أساطيل الصيد في أعالي البحار الفرنسية وأخواتها الأوربية المياه الإقليمية لهذه البلدان  ، تنهب ثرواتها السمكية المتنوعة ، مخلفة ورائها الدمار والقليل من سمك السردين الذي كان المواطنون الأفارقة يستعملونه كطعم لصيد السمك الفاخر .

أسطول كبير جدا من السيارات والشاحنات والحافلات والسفن العملاقة ، التي تجوب براري وسواحل فرنسا  تتحرك بنفط دولة الغابون الفقيرة ، حيث كانت شركة “إلف” الفرنسية للمحروقات تسهر على الديمقراطية المزيفة عبر تعيين من يحكم هذا البلد الإفريقي ، وبعد اندماجها في شركة “توطال” ازداد الأمر سوء ، وازداد تفقير الشعب الغابوني .

خلال فترة استعمارها المباشر ، خلفت فرنسا إرثا من المشاكل العويصة داخل الجسد الإفريقي ، كي تبقى إفريقيا تابعة منبطحة امام الجبروت الفرنسي .فإلقاء نظرة واحدة على الخريطة السياسية للقارة يدرك العاقل كيف تلاعب حكام فرنسا بخريطة إفريقيا ، تم زرع دولة “غامبيا”وسط دولة السينغال ، وتم خلق كيانات صغيرة حسب الموارد الطبيعية المتوفرة في إفريقيا الإستوائية . بل تم تضخيم حجم بعض الدول التي ظنت فرنسا أنها أصبحت جزءا منها كحالة الجزائر .

ما تزال فرنسا تنظر للقارة الإفريقية على أنها ملكا لها ، لا يمكن تفويته لغيرها ، وما تزال تعامل الشعوب الإفريقية مثل فئران التجارب . تجرب فيهم تعليمها الرديء وتفرض عليهم لغتها التي تتراجع باستمرار ،وتوقظ فيهم نعرات الطائفية والتفرقة ، لأنها تخشى اتحادهم ووعيهم بالواقع الذي يربطهم بها.

فرنسا تتمادى في احتقار شعوب إفريقيا ، لأنها لم تجد بعد قائدا إفريقيا يقض مضجعها ،  فعندما كانت تتعامل مع اسيا بنفس المنطق ، انبرى لها الزعيم الفيتنامي “هو شي منه”ولقنها درسا قاسيا في معركة “ديان بيان فو” التي يتقزز منها كل الفرنسيين .درس واحد كان كافيا لتغظ فرنسا الطرف عن اسيا وتكتفي بإفريقيا .

لماذا تضع فرنسا حواجز أمام قيام اتحاد المغرب العربي ؟ فقط لأن قيامه سيشكل حاجزا بينها وبين إفريقيا ، بطاريتها الضخمة … لماذا أصبحت فرنسا تعادي المغرب ” فقط لأنه فطن  للعبة وبدأ يتجه نحو جذوره وعمقه الإفريقي ، معتمدا مبدأ “إفريقيا للأفارقة” .وهو العمق الذي جعل المغرب  قوة إفريقية عظمى في فترات تاريخية سابقة  ، ولمن يخالفنا الرأى  عليه الرجوع  الى تاريخ الدولتين المرابطية والسعدية .

ظلت فرنسا عبر تاريخها الطويل تقاوم الأوربيين من أجل مجال حيوي في أوربا الضيقة ، ولم تصبح أمة ذات شأن وقوة إلا عندما وجدت ضالتها في القارة الإفريقية ، فاستنزفتها كما يحلو لها ، وبنت قوتها وأمجادها الخالدة ، وكونت نخبة من المثقفين الفرنكفونيين الأفارقة ، وهيأت لهم منابر إعلامية لتحقير شعوبهم والدفاع عن فرنسا .

علمنا التاريخ أن دوام الحال من المحال ، الهيمنة الفرنسية على إفريقيا مهددة بقوة من طرف الصين التي تعمل  في صمت ، وتحاول فك ألغاز التقسيم العالمي المقيت لثروات الشعوب المغلوبة على أمرها . فالعالم يبدو ككعكة كبيرة مهيأة للكبار فقط ، إفريقيا لفرنسا ، ومنطقة الشرق الأوسط لأمريكا ، والمحيط

الهادي للمملة المتحدة وهكذا …

فرنسا لا ترغب في أية صحوة من شأنها إيقاظ الأفارقة ، لا ترغب في التحرك المغربي في إفريقيا ، لا تحب قيام المغرب العربي ، لأنه حتما ستفقد السيطرة على “ضرعها” الذي لا ينضب ، فكل الخيوط التي تنعش فرنسا تمر عبر بلدان المغرب العربي .

فرنسا دون إفريقيا لا شيء، ستصبح مجرد دولة أوربية عادية كرومانيا أو بلغاريا أو اليونان . فعندما يستيقظ الأفارقة ويتحدون على شاكلة الإتحاد الأوربي ربما تصبح فرنسا خارج الكبار وينزع منها حق الفيتو الذي تستعمله لخدمة مصالحها ، وضرب وحدة الدول التي فطنت لها …فعندما تأكل من خيرات أمم أخرى وتسخر من مقدساتها فانتظر صحوتها .

عبد الهادي المــــوســــولي .