افتتاحية

  • تجاوزنا الزمن.

    بقلم : صبري يوسف. أعتبر هذا الرأي ربما الأخير في هذا “الأسدس الأخير” من السنة  الجارية ع...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » كان الله في عونكم يا عمال النظافة .

كان الله في عونكم يا عمال النظافة .

بقلم : صبري يوسف .

قبل يوم العيد البوادر كلها سوداء تقريبا بالنسبة لعمال النظافة ..للذين سيصادف ذلك اليوم اشتغالهم ..نحن نقدم لهم أعظم هدية في السنة .مزيدا من الأزبال ..ومزيدا من محنة هؤلاء الناس ..ومزيدا من إهانتهم بسلوكنا .

العقل عادة يخاطب سلوك الشعوب ..فإما تتماها معه أو يهرب العقل لجهة ما، ويبقى سلوك الناس كحالة السكر الطافح الذي تكون نهايته مأساة ..مشكلتنا أن هناك ردة في الأفعال في مثل هذه المناسبات ..سأدعوك تحتفل كما تشاء فقط لا تجعل حيك متسخ ..لا تعذب ذلك العامل الذي لن يكون بمقدورك أن تحل محله لجمع قمامة درب واحد فما بالك بمدينة .

في الواقع لا يترك الإنسان الانطباع عن مستواه إلا من خلال إشارات معينة تمدك بكل شيء حوله ..والعيد الكبير أو عيد الأضحى يفضح كل المبادرات بالمغرب ..سواء تلك التي اشترك فيها المجتمع المدني  منفردا أو تلك التي نزلت رأسا ..في عيد الأضحى نكتشف أن الأموال والبرامج التي تنفق على التوعية بضرورة مراجعة سلوكنا أو تفسير عاداتنا القبيحة لم تؤتي أكلها ..وبالتالي يكون عيد الأضحى تقييما واقعيا وصحيحا للنقطة الذي وصلنا إليها .

تملأ المشاهدة اليومية للأيام التي تقترب من هذه المناسبة تخطي كبير بدون اكتراث لأي قيمة سلوكية اكتسبها المجتمع ..بل يتولى التحدي الأنساق الإنسانية التي أسستها سلطة المجتمع على الفرد المنتمي للجماعة ،أو سلطة “السلطة” المتجدرة من خلال الإكراه للسلوك المعاقب على تعديه بالقانون  . في مناسبة العيد يغيب الوعي بضرورة أن نحمل أنفسنا على الخضوع التام لما أسسنا له كثقافة يجب أن تترسخ ..

هذه الأيام تحولت الأحياء إلى “زرائب ” لقطعان الماشية ..ليس غايتنا تلك البهائم .هي بالتالي ستباع وتشترى من أجل شعيرة من الشعائر.إلا أن الأحياء بموجب نهاية هذه المناسبة ستملأ وسخا وعفونة وأزبالا .وسيكون عمال النظافة في الأخير وجها لوجه مع قبح المجتمع ..مع فضاعة المجتمع ..مع انحطاط مجتمع يريد أن يربح ولا يراعي نهايته المأساوية ..

ويوم العيد ستكون الأحياء عرضة لمأساة عمال النظافة ، سيتجندون لتصفية تركة من القمامة ..تحكم على قيمة الفرد داخل المجموعة الإنسانية بغض النظر عن الذين ومحتويات إحياء شعيرة سماوية ..سيكون عمال النظافة وجها لوجه مع أيام عصيبة لا يمحوها سوى مجهودهم البدني ..الخالي من الإحساس باللامسؤولية ..ليس لأنهم يحتاجون إلى مال المقاطعات والجماعات الحضرية ..ولكن لأن أغلب العمال المشتغلين بهذا القطاع عندما تقترب إليهم تجدهم إما ألفوا هذه المهنة المتعبة ، أو لأنهم مؤمنون قبل اشتغالهم بحس إنساني نبيل حتى مع أن الحكم الجاهز لدى البعض بأنهم عمال نظافة وحسب .

كان الله في عون عمال النظافة هذه الأيام ..كان الله في عون هذه الشريحة التي ستربط نهار العيد بليال طويلة يجمعون فيها قمامة بلد بأسره . دون النظر إلى الجزء السفلي من قيمه ..بل يقومون بذلك دون أن يخطر على بالهم الإحساس بالمهانة ..لأنه واجبهم .ليس لهم رأي في الموضوع ..حتى لو حاولت ..إنما يجب على المواطن المدان أخلاقيا برمي القمامة أينما كان بأنه يسيء لنفسه وبلده ولعامل للنظافة الأولى أن يجد قمامة نظيره جاهزة لترمى بشاحنة عوض أن يصبح لباسه وحداءه عرضة لقمامة تعبر قبل نفسها عن جو البيت وثقافة البيت وحدود البيت وشيمه المعلقة بين ” السماء والأرض “.

عمال النظافة هم كاتمو أسرار المجتمع وبنيته الفكرية والثقافية مهما ارتفعنا عن هذا النقاش ..إنهم من يجمعون مخلفات يومية من أمام كل الأبنية مهما تفاضلا أصحابها ..وتناقضوا اقتصاديا واجتماعيا وحتى ثقافيا ..إنهم حراس الحياة اليومية ..بسحرها أو بوقاحتها التي لن تغيب عن أذهاننا حتى مع بعضنا البعض . وأن هناك ” أجلاف” عديمو الضمير.. إذا ما تركت الكلمة لعمال النظافة للإدلاء بها إلا أنهم لا يفعلون .لأن السر المهني الذي علمته لهم الأيام يتحاشى الهبوط لإدانة وفضح البيوت من خلال قمامتها ..

 

السلوك الجماعي  مهم هذه الأيام أن يتحسن على الأقل إن لم يكن كل العام ..كي تبقى الأحياء نظيفة والأزقة أنظف ..وكي لا يتعب ذلك العامل حينما نقدم له صورنا أمام البيوت بشكل مخيف ..حتى ولو لم يرانا العالم بأسره فإن الزمن كفيل بأن يجعل مدننا تفيض أبوابها وبيوتها بقمامة لا تحتمل ..تتأذى بها الذاكرة الجماعية والأخر الذي أخفينا عنه شكلنا . فقط كنا نقدم له اعتباطيا مدننا وأنفسنا كوننا البلد الأفضل في العالم ..وعندما يزورنا ذلك الأخر يتوقف إلى حجم الوضاعة في كل فضاءاتنا ..ألا نشعر بالخجل من الصور التي تنقلها عدسات المصورين من مدن شتى بالعالم وأريافها ..و نرجع ذلك إلى حمولة المواطن الثقافية والفكرية وتربيته على المواطنة البعيدة عن ما قد يفسر بأنه تنزيل عندهم أو ماشابه ..فما بالك إذا تساوت  عندنا نحن النظافة مع مطلب دين الإسلام الحنيف الذي أوصى بها وجعلها من أولويات الوجود  الإنساني على الكرة الأرضية .