افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » كلهم يحبون المديح .

كلهم يحبون المديح .

إذا أردت أن تكسب مسؤولا فامدحه كثيرا ، قل له أنك أكبر ما خلق الله على هذه الأرض حكمة وتبصرا ، قل له أنك والملائكة وجها واحدا ، قل له أنك قوي أمين مكين ، قل له أنك لا تخطيء وأنك الداهية وأنك الماكر في السلم والحرب قل له ما يطرب سماعه ويطرب قلبه ويطرب كل “حثة” لحم فيه ، إياك أن تقول فيه شيئا مغايرا وهو فيه ، كأن تصارحه بعجزه وبضعفه وبعدم قدرته وبغياب صوابه وبقلة أذبه وقلة حيله ، إياك أن تذكره بالموت والفناء والمرض،  وبأنه لم يكن مناسبا في المكان المناسب.  كن دائما أكبر مادح  له وعظ على المدح والمديح بيديك ورجليك فإنه قربتك منه وبطانته فيك  وزاد الدنيا وتزلف يليق بالمادح فيك مدحه ومادمت كذلك فأنت لديه في أعلى الأماكن، في أبهى وأحلى المراتب .

هي ذي معضلة العرب عموما ، في كل العالم العربي يحب  الجميع المديح ، كبير القوم ومن ورائه الأصغر منه وأصغر الأصغر إلى أبسط رجل  تافه على قارعة الطريق يحبك أن تذكر مناقبه ولو لم تكن له مناقب ، فإنه يتمنى عليك تكرير العيوب إلى مناقب نفاقا ومدحا ترسله عليه مدرارا كي يستمر موجودا ، مؤسف أن يعيش الناس عكس حقيقتهم وعكس دواتهم ولا يرضون النقص والعثرات فيهم .

نثير هذا الموضوع لاعتبارات عدة نوجزها في سياق عام وفي حالة انفصام يعيشها معظمنا ولا يريد تجسيد الواقع ، عندما تنتقد مثلا الصحافة شخصا ما انطلاقا من عيوب تشوب تسييره أو مساره أو ما يدور في فلكه ، يصبح غاضبا ويصبح  حواريوه بنفس الغضب ولو على مصلحة الجميع وحاجة الجميع إلى الالتفاتة منه لما قيل فيه حتى يتساوى .

في المؤسسات وفي كل مكان لا يحب أحد أن يكون موضع انتقاد أو موضوع مسائلة أو موضع حقيقة في حقه .التاريخ العربي كله مر بالمديح ، مر بالشعر والنثر والزجل إلى يومنا هذا تنظم صالونات لمدح الناس ولمديح الحكام على عللهم التي تنتهي دائما بالغرق المبين .

بالأمس ملأ القدافي الكرة الأرضية مديحا وقبل على نفسه بملك ملوك إفريقيا وكان يغدق على من يدفعون الحطب في “نافوخ” المدح كي يكبر . وتبين بعد كل 42 سنة أنه كان ضحية ، ولم يكن يدرك حقيقة وضع بلد انتشله فيه المجد عن الحقيقة الضائعة التي خلعته من طرابلس وزمن العزيزية إلى التراب موتا وسحقا .

نفس المأساة عاشها صدام حسين المتبختر بفعل المداحين حتى انتهى نهاية غير سعيدة ،وهي نفس صور الرئيس المخلوع بن علي وصالح في اليمن وعمر البشير وكثير ممن خرب المدح والمديح بلدانهم .

هي نفس الحالة بسوريا وهي نفس الحالة حتى قبل اليوم وسقوط الأندلس أنهاه المدح وشعراء المدح ودواوين المدح  والمديح،  مع العلم أن الأكيد هو قبول الانتقاد والنقد لأنه يغذي النفس تواضعا ويرتب الأشياء موضوعا وينجي الأمة هوانا وارتهانا وينهي الأزمات ويرد الحقوق ويرد العدوان ، لا أحد رغم كل ذلك يحب النقد ، الجميع ملائكة لا تخطيء ، الجميع يعرفون من أين تأكل الكتف ، والواقع خلاف ذلك .

رأي الجميع سديد وأراء الجميع لا تناقش ، والمصلحة العامة يعرفونها القائمين عليها أكثر من غيرهم . وفي النهاية يتبين أن لو كانوا يعلمون ما لبتوا في العذاب المهين ، والإهانة هي حينما تنتهي المسؤوليات بنهاية حافلة عكس ما أشيع في زمن كله مر مدحا كان لا يليق بالمرحلة التي غالبا ما يدفع الشعب ثمنها أجزاءا من لحمه ودمه من ليله ونهاره ، فالأتعاب لا تعرف الزمن ويوم تشتد لا تعرف الهوادة  .

وإذا كان الأمر هكذا فلا مجال بعد اليوم أن يكون هناك نقاد في السينما كي تتطور،  أو في الأدب والفنون أو في السياسة بل يكتفي العالم بالرأي السديد للذين  يتخيلون  أنهم يحسنون صنعا مع أن الواقع هو العكس  ،  وأنهم حدهم القادرون على إنتاج هذا الفيض من الحياة الجميلة والعيش الكريم الذي نصادفه يوميا ، لا مجال للانتقاد وللرأي الأخر بل مزيد من الكليانية ومزيد من المدح وشعراء المدح ومزيدا من الاستماع” لمداح القمر” التي غناها عبد الحليم حافظ فهي تكفي الجميع نغما كي يعيش المنتشون  على نغمات حواريهم وأبواقهم ومستشاريهم وعرابيهم وكي يموت الشعب كمدا لأنه نفسه ألف المدح والمديح .