افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » لا أهمية لابن كيران ولا لإلياس العمري..

لا أهمية لابن كيران ولا لإلياس العمري..

بقلم : صبري يوسف .

عندما سيتخلص الإنسان العربي من العواطف في المواضيع التي لا تحتاج إلى مثل هذا الإحساس سنكون دخلنا مجالا أخر ..مجال للتفكير الجيد العقلاني ، وستكون محسومة النتائج الايجابية فيه بكل تأكيد .

استقال الياس العمري من منصب الأمين العام  لحزب الجرار كتعبير عن لحظة تماهي مع وضع يحتاج إلى الاستقالة ..ليته استقال من تلقاء نفسه ..إنما الأكثر قبولا في الحالة المغربية أنه طلب منه أن يغادر وغادر ..الاستقالة بمعناها الأخلاقي الواقعي لا توجد في مخيلة المسؤول العربي إلا لماما ..سأذكر هنا بضع حالات معزولة ..واحدة لعبد الله ابراهيم وهو مغربي ، سياسي ومثقف ونابغة فكري وأمين عام لحزب كبير مارس المعارضة.. لم تدم حكومته سوى 20 شهرا فتحت أوراشا كبرى سيظل التاريخ يتحدث عنها كانتكاسة كبرى ، مع أن عبد الله إبراهيم لا يمكن مقارنته بما يسمون اليوم “بالزعما “.  فالرجل كان صموتا ناذرا ما يتكلم ،زاهدا . وهو صاحب القولة المشهورة ” المناصب أطلب إليها ولا أطلبها ” ..والحالة الأخرى لشخصية عربية فذة اسمها عبد الناصر . أما الباقي في الحالة العربية فيكون  استقالة أو إقالة تحت الإكراه . أو نزولا عند رغبة جهة ما ..أو لدواعي الموت الذي لم يبقي للسياسي معه سوى بضع إنشات من الموت ، أو حالات يستعصي فيها أن يبقى المسؤول على صدر مؤسسة أو حزب أو أي وظيفة يتمنى حملها معه إلى القبر لو كان بالإمكان ذلك ..الظاهرة العربية أعطت مثل هذا السلوك المكتسب في غالبيته من جذور عربية تتمرد وتسيطر وتحول التمرد إلى “استمرار ” ..لا ينتهي أجل تغييرالتفويض فيه إلا بتدخل السلطة الإلهية في غلب الأحيان ..”وشوف تشوف ” .

على كل ليس مهما أن يستقيل الياس أو يقال.  أو يقبل بالابتعاد في وضع حرج للغاية ..ولا شيء سيؤثر في ابتعاده ..دأبت الحالة العربية المشدودة إلى “البرانويا ” والاعتقاد الذي يمشي مع الأسطورة جنبا ، بأن من ينزل من مسؤولية قوم أو قبيلة أو شعب سيجعل السماء تبكي والأرض ..هو اعتقاد دهري  خاطئ..يأخذ بلب العقول التي تصدقه .وبعد زمن يكتشف الذي نزل من برجه ، أن الحي أو الدوار والقبيلة والمدينة والبلد كان الأسلم له أن يغادرها..باستثناء وحيد في كل هذا ..يبقى الذين مدوا حياة شعوبهم بالقوة والمنعة وساهموا في قراهم وبلداتهم وأحزابهم وحكوماتهم ذكرى للذاكرين ..تسمى بأسمائهم الشوارع والأسوار ومداخل المدن والكتب والصحف ..وتنظم على إيقاعات العالم أغاني تمجدهم في الأولين والآخرين ..

كما أن بن كيران لن يكون مفيدا ، فالرجل الذي جاء من وراء تجربة إسلامية لها ما لها وعليها ما عليها ..قاد المغاربة إلى الجحيم الاقتصادي ..كان متحدثا أكثر منه شخصا يحمل حلولا طيلة سنوات ..قدر لمسؤولين في بلاد أخرى أن يتخلصوا خلال نفس المدة من الدين العام الخارجي ..لا أريد أن أذكر “لوكوانيو ” في سنغافورة .الرجل الصامت الذي نقل بلاده من الصفر إلى أخر سلم التنمية بناتج إجمالي ثلاث مرات ناتج المغرب  ..أو تجربة العدالة والتنمية التركية في ربعها الأول الذي أنهت فيه الدين العام المقدر ب500 مليار دولار وحولت حياة الناس إلى رخاء ..إننا عاطفيون أكثر ..إننا نحب سماع أم كلثوم على هزات طيران إسرائيل في حروب”6 أيام ” وننشد معها .. موسيقى البكاء والأحاسيس والعشق والحب ..ننسى أن لكل مقام مقال  ..مصيبتنا أننا ننسى ونتشبث بالموت والهوان ..الرجلان معا أحدهما أساء إلى الحياة الحزبية والتراتبية “التاريخانية ” ، بالمدة والكيفية لصناعة رجل السياسة في المغرب وحولها إلى مضمون سريع الطبخة جعله أمينا عاما وزعيما ككتب تعلم اللغة  الانجليزية في أربعة أيام ..ورجلا قاد حكومة بكل صلاحياتها ومع ذلك ترك الشعب للعراء ..للفقر والهشاشة ..لم يكن بن كيران يجيد قراءة الواقع واستغلال الفرصة التي أتيحت له .كان المغاربة يراهنون عليه ..كان رهانا “حتى لموت “..أن تمشي معك الشعوب في لحظة وتستأثر بحبها فليس شيئا هينا ..ومع ذلك أخلف وعده ..سيقول متذرعا فيما بعد بوجود “العفاريت والتماسيح ” ..ويكتفي بقولته المشهورة “عفا الله عما سلف “.  ليقتل رغبة المغاربة في إنهاء أزمنة من العبث والتيه ..فضل الارتماء في الأحضان التي” صنفته” مع الوقت  ..وترك المغاربة لا يجدون حتى الأكياس البلاستيكية لوضع أغراضهم فيها ..تقويم الحياة الاقتصادية يأتي قبل تقييم الوضع الهش للمغاربة حقوقيا واجتماعيا واقتصاديا ..

الحقيقة المجردة لا تنفي عن بن كيران والياس وباقي الوجوه السياسية مسؤوليتها التاريخية فيما يحصل قرابة ربع قرن من الزمن ..ومع ذلك نتغاضى ونتباكى ..ونقيم الدنيا ولا نقعدها على الذين غادرونا ..مع أن لا شيء تحقق من وراء أيديهم . من يتحمل نتائج” لبولكاج الحكومي” الذي طال أمده لست شهور ؟ من يتحمل ضعف النتائج الهزيلة على كل المستويات ؟ إذا لم يكن رئيس الحكومة بن كيران فمن . أما أن نأتي للدفاع عن الرجلين.. كون أحدهما استقال تعبيرا منه على مضمون ديمقراطي أخلاقي في لحظة فارقة فهو العبث ..فالرجل أرخ بوجوده في تاريخ السياسة المغربية عن انهيار قيمها .بخلق حزب سيكون لبقائه تبعات تتعدى السنوات القادمة مع كل محاولات الإصلاح الرأسية ..وبن كيران أفسد على المغاربة ثقتهم فيه ..لا يجب الاستماع كل الوقت إلى موسيقى الكمان والألحان التي تجر إلى البكاء ..بل يجب الاستماع إلى موسيقى “الأواني ” لأنها تفقد الذوق السليم الذي يعلمنا أن لا نكون بكائيين مجانين .فرغم بكاء إخوة يوسف واجههم يعقوب بحكمة النبي المتبصر الذي يتخطى العاطفة إلى احتراز العقل ..

إن البرانويا أو”جنون العظمة ” ، و”المازوخية والسادية “كصور للاضطراب النفسي ..أو “متلازمة ستوكهولم” التي يصبح المسيء فيها يجد من يتعاطف معه ممن أساء إليهم كل هذه الظواهر في الحالة المغربية تحتاج إلى التأمل ..وإعادة صياغة دواء شاف ..من خلال التخلص من هذا الإشكال النفسي ..المغاربة يحبون وطنهم، يحبون من يستشعرون أنه (يحسن) إليهم في إطار مواطنة تحترم حقهم في الحياة أولا ..وحقوقا أخرى ينظمنها الدستور والتشريعات ..وينظمها القانون بإنفاذه . أما أن نعيش على الأطلال حتى مع “قرحتنا ” . فذلك مما ينذر بأنه لن تقوم لنا قائمة بين الأمم دون التخلص من عقدة الأسماء التي تقفز من النوافذ لتعود من الأبواب إن شاءت.  أو تعود من تحت الباب المسدود زحفا على البطن ولو بعد حين ..بالرغم من آهاتنا ..إهانتنا ..جنونا ..مرضنا ..صراخنا عاليا حتى يسمعنا ملكوت السماء ..فهي لا تهتم . تريد العودة وبس .