افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » لكل شيء لا بد من ثمن في التاريخ .

لكل شيء لا بد من ثمن في التاريخ .

بقلم : صبري يوسف .

في القراءة المستفيضة للتاريخ الإنساني العام كانت دائما هناك تضحيات ..دائما هناك أثمنة ، أثمنة للتحرر سواء من ظلم الغير ..أو ظلم ذوي القربى ..الشعوب على طول التاريخ الإنساني دفعت مبالغ مكلفة جدا .

اختر ما شئت من الحقب والأزمة والعصور فلا بد من وجود مشاكل في تلك المرحلة بين طرفين .أحدهما يشد الحبل والأخر يريد أن يشد الحبل وفق إرادة متفاهمة على طبيعة ذلك الشد “المتساوي ”  المعياري “اللاتفاضلي” .

سواء افترضنا أن هناك مطلبا جماعيا لنيله،  أو هناك مطالب فردية فلا بد في النهاية من شيء اسمه التضحيات ..

إننا نقرأ الانتهاكات في العصور الغابرة بكثير من الإحساس بالأسف على الذين راحوا ضحيتها ..سواء في شرق الكرة الأرضية أو غربها . الإنسان منذ أن وجد اختارت له الطبيعة الصراع . الصراع الذي يترجم قيمة الوجود . صراع حول الأودية والأنهار ..حول الكلأ والنبات ..حول باقي الامتيازات التي وجدت” مشاعة ” .ولكن الصراع حدد الوصول إليها بحكم استحواذ الأخر انطلاقا مما راكمه عبر مراحل معينة من القوة في الجماعة التي ينتمي إليها ، أو بحكم أن تلك الإمكانيات وجدت في جهة دون غيرها بسبب ظلم الجغرافيا أحيانا ..لن ننسى أن الصراع اتخذ أشكالا وألوانا قبل أن يصبح نظما تحكم الإنسان ويخضع لها .

فقبل الوصول إلى الديمقراطية كشل للحكم ..الإنسان القديم قبل المعاصر والحديث قتل وقت كبيرا في التعريف بنفسه وحقوقه لبني جنسه من الذين بات يعتبر حقوقه عندهم …سخرية الوجود أن هناك سؤالا جوهريا دائما ما يطرح ، من سبق للامتيازات ولماذا تخلف الآخرون للوصل إليها ؟ وبالتالي يصبح طرف متضرر وجب عليه أن يشرح لبني جنسه ماذا يريد  ” مطالبه ” العادلة .

علينا أن نقرأ صيرورة التاريخ من المهد الإنساني العام إلى أخر نقطة مرسومة لتوقف  هذا الوجود  على الأرض ..علينا أن نؤمن أن مبدأ التطور والارتقاء مع داروين حتى ولو لم يكن في جوانبه العلمية قد أجاب عن الأسئلة المحرجة بخصوص إمكانية أن يكون الإنسان كإنسان قد بدأ قردا وهو ما ترفضه العقلانية . فإن المبدأ العام للارتقاء حالة طبيعية بين العصور .. تم كان علينا  في مرحلة أخرى أن نؤمن بأن الأفكار التي اختزنتها رؤى ” ماركس وانجلز “في فترة من التاريخ كانت تعد الأسمي  وقسمت العالم ..إلا أن العصور التي أعقبتها بددت الكثير من القيم التي اعتبرتها “الاشتراكية ” هي الحلال..كما علينا أن نعترف بأن فلسفة” نيتشه” قد أحاطت الصراع بأهمية بالغة لأنه يحدد “إرادة”  في  الوجود . ذلك الصراع الذي لا بد وأن يحسم في النتائج ..تلك التي تعتبر أحيانا غير متكافئة ولكن لا بد من التضحية كي ينتصر العقل السلمي في الرؤى الإستراتيجية للإنسان كبشر خلق وفق عادات وطباع تتجلى في الوجود العام وتخضع للزيادة والتقدم وليس العكس ..

بالتالي اهتدت البشرية الحديثة إلى أن الديمقراطية هي الشرط الكفيل بأن تعيش الإنسانية فيه أجود أيامها ..تلك الديمقراطية التي  قد تصبح بحكم المستقبل الخاضع للتغيير والتجديد قديمة ومتجاوزة ..وهي بالمحصلة كانت  باكورة تضحيات الملايين من البشر في كل مكان من تلك الجغرافيا الأوربية بحكم أنها هي المقصودة. ولو أن الشرق سبقها بتعبير الفيلسوف “هيكل”  في كتابه “العالم الشرقي” ..ولكن امتحان الصراع وصيرورته كانت أوروبا أولى  الأمكنة ..ربما العهد “ألاتيني” وظف ذلك الامتياز لتكون أوروبا وغربها رحى امتحان التضحيات للخروج بصيغة نهائية اسمها الديمقراطية .

أردت فقط في هذا المقال طرح وجهة نظر حول طبيعة الإنسان المتعطش لديمقراطية الغرب ..لحرياته ..لحقوق المجتمعات والأفراد داخل التشكيلة الأوروبية ..وكوننا ننسى أو نجهل أن حقيقة التاريخ توظف توظيفا مشدودا إلى عناوينه في كل شيء. وبالتالي فإننا في الشرق حتى ولو كنا نحن في المغرب بالغرب الإسلامي العربي ..فالقاعدة العامة لتطور الشعوب وارتقائها تحتاج دائما إلى مزيد من الوقت والتضحيات ..تلك التي لن ينال حزمة تنازل الآخرين بخصوصها بجرة قلم. وإنما هناك أجيال ستأتي ..وستحتاج قبل ذلك أن ترثي حالنا في هذه الحقب التي نعتبرها أفقا ديمقراطيا بامتياز ، الوجود في الزمن يغير وجهات نظرنا ..فالآن نتخيل أن حرق كتب الفيلسوف العربي “ابن رشد” كان أكبر كارثة في القرن 11 عشر نأسف  . مقابل لو كنا معه وأقنعنا البعض بأنه مجرد “زنديق ” مارق فاسد وغيرها مما بات الآن رثاء عليه  له مسوغاته بحكم الزمن والتاريخ والابتعاد عن الجغرافيا وممارسة النقد بشكل صحي و “عالم “..إنما الصورة الحقيقية لكل ما يدور بنا يحتاج إلى قرون ليقرأ قراءة صحيحة مجردة من كل الأدوات إلا أدوات التاريخ والمؤرخ .

“فليس كل يتمناه المرء يدركه ” كما يقال ..التاريخ الذي سيعقبنا هو الذي سيحدد أي مسافة كنا فيها . تبعا وربطا بالأنساق الفكرية والثقافية والإيديولوجية،  وربما ستموت الايدولوجيا في المستقبل كموت الذات في الحاضر ، والتي أصبح  بموجبها “المواطن عالمي” بحكم الوسائط  الاجتماعية الالكترونية التي خلقت مساواة أبعدت” شعب” العنصرية إلى الظلام والفناء .

عموما أردت فقط أن أجيب على بعض ما أراه أهات ومتمنيات واستعارات على صفحات التواصل الاجتماعي  الفايسبوك و التي تريد أن تختزل تاريخ المجتمعات  بسرعة من أجل أن تتساوى، وأن تتجانس مع الأخر “المتقدم ” في كل المناحي ..مع أننا ننسى أن التاريخ الإنساني فيه فواصل عملاقة . وأن الزمن الجميل لن نراه بأعيننا لوجود الكثير من الهفوات التي تحتاج إلى الوقت  لترميمها على أسس قانونية أخلاقية تعاقدية يصبح مسلم بها كالحاجة لشرب الماء من أجل الحياة ..المهم أننا لا نتراجع ..وأن هناك تضحيات لا بد من أن تدفع من أجل غد ربما أكثر من أن نسميه “ديمقراطي “. قد يكون ربطا بالفلسفة الطبيعية التي أسست للمدينة الفاضلة و”الإيتوبيا” التي اشترك فيها أفلاطون والفارابي معا ..انتظرت من الأوروبيين زمنا طويلا من التضحيات لنراهم كما نشاهدهم اليوم ونتمنى مثلهم . فمزيدا من الصبر على حكمة التاريخ .