افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » محليون ووافدون بالرحامنة .

محليون ووافدون بالرحامنة .

بقلم : صبري يوسف .

من يتابع اليوم الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية سيستنتج طبعا مجموعة من “الملاحظات ” العامة بهذا الإقليم .

أولها : أن الشروط التاريخية لم تدعم “النهضة ” المفروضة  ، لماذا ؟ الاستنتاج الأبرز والواقعي أن “الهيمنة ” السياسية أيا كانت لم يكن لديها وعي بالتحولات “في الجوار ” ، ظلت الطريق ،وفكرت في نفسها فقط. وضاع وضاق المجال “السوسيو ثقافي ” والسوسيو اقتصادي “..وبات مع الزمن “النسيج السكاني ” ثقلا ، وليس دعامة “للنهضة ” والتنمية هنا .

ثانيها : أن الإقليم قبل أن يصبح عام 2009 مستقلا ، كان تحت “الوصاية ” الإدارية ” لإقليم قلعة السراغنة ..أي أن الفاعلين الإداريين والسياسيين والاقتصاديين تعاملوا مع الرحامنة بمنطق “التبعية ” ، المعفية من نقاش حقوقها “المجالية والبشرية” .وفي هذا السياق كان على إقليم الرحامنة ممارسة دور “الضحية ” مرغما . كانت بعض المشاريع التي تباشرها عمالة قلعة السراغنة بجغرافيا الرحامنة لا تمس الجوانب “الحيوية ” من حياة جماعية ظلت مغروسة في “البداوة “، إلا قليل ممن استطاع بحكم شروط الطبيعة في ممارسة الحق في التغيير وامتلاك القوة …غالبية الرحامنة كانوا منسيين..هل هي نوايا “ظروف التبعية “؟ أم المناخ “الجيوستراتيجي ” الذي فرض على الإقليم “البقاء خارج التاريخ “؟

ثالثها : غياب هجرات اجتماعية “نوعية ” من جهات أخرى إلى الرحامنة ، أو إلى مراكزها أنداك “الشبة حضارية “،وبالتالي  لم يعكس ما يسمى “الإشعاع” أيا كان هذا الإشعاع ..اقتصادي .. فكري .. علمي .. أومعرفي .

بل هيمنت الهجرات “الداخلية ” بما يحمل فيها المهاجرون من “كل شيء” إلى داخل الألوية “الاجتماعية ” الأولى التي صارت تتشكل بابن جرير ،وسيدي بوعثمان ،ومركز صخور الرحامنة..عدا ذلك كان المنظور العام الذي يحكم “الذهنية الجماعية” لمعظم من يسمع كلمة “الرحامنة “، الارتباط الآلي بمقولة هل أريد بها حقا سحق ما كان واقفا من شموخ القبيلة إلى الحضيض .”.مساخيط السلطان “؟

هذا الفاصل والرمز “البنيوي” سيمد البداوة الرحامنية وأريافها بمزيد من الشعور بالعار والتعثر الاجتماعي والنكسة حتى العام 2009 ..على طول عقود إذن عانى الرحامنة من “اللغة ” السائدة اتجاههم .

في الجانب الأخر شكلت الهجرات من الإقليم إلى باقي جهات المغرب ..الدار البيضاء والمحمدية على الخصوص ،والجنوب المغربي ووسط البلاد “حلا عمليا “، وهروبا من منطق وصمة “العار ” تلك ، أو هروبا “براغماتيا” من الضيق والحرج والفقر بجميع أجناسه ..شكل الهروب الجماعي منطق الكثيرين بالدواوير ومراكز ابن جرير وبوعثمان والصخور الرحامنة ..كان  الاستقرار شبه مستحيل ، وكانت الطبيعة والمناخ الحار لا يمنح فرصة إضافة ساعة من نهار جوار بيئة لا ينادي فيها إلا الجوع والجفاف على بقية عمومته .

رابعا: الصدف “المنحوسة ” يرجى فيها اللطف حينما تجتمع دفعة واحدة ، شكل منطق “الإزاحة ” المعرفي بالنسبة للرحامنة معضلة ستسري عليهم إلى اليوم .بمعنى أن المدرسة العمومية التي كانت تنتج “العلم والمعارف ” كانت بالرحامنة من سابع المستحيلات توفرها إلا باستثناءات معينة ، هذا الشرط الضروري لتخليق الحياة العامة قبل تاريخ اليوم غاب . وكانت قناعة “التلاميذ والطلبة وأولياء أمورهم” أن الرهان على التربية “تعاكس ” الإرادة الأسرية ،لأنها تنقطع في مستويات الثانوي ،ولا تمتد جامعيا إلا للذين سيعضون بالنواجذ على كل شيء يملكونه من أجل “استنارة ” أبنائهم ..

في هذا المجال الجغرافي المحدود ،قد تكون الأرقام مخيفة بالنسبة للتعليم العالي وإحصائيات الذين توفقوا في الوصول إليه . طبعا هناك اليوم العشرات من النخب في كل مكان من الوطن ، وهناك كذلك العشرات من النخب العالمة ، إنما بمجرد سؤال أحدهم يدعك تتخيل طبيعة الوصول إلى تعليم جامعي في فترات غادر فيها الآباء بشكل “مرغم ” البوادي والمراكز لقلة ذات اليد ورغبة هؤلاء في تعليم أبنائهم ..

بالرحامنة وابن جرير يوجد اليوم وقبل عقود أبناء من هذا الإقليم الذين “داسوا “على جميع الصعوبات لصناعة الفرحة..المسرح والسينما والموسيقى..والكتابة ونوادي القراءة وفرق الأحياء الكروية ..وهذا “التشكيل ” صمد فيه القليل على مستوى “التأثير ” في البقية التي جاءت بعده ..غاب ويغيب إلى حدود اليوم “التضامن ” بين الأجيال ، لأن السلوك العام هنا تأثر بالهروب ..هروب الأفراد من المحنة إلى فضاءات أرحب علم البقية بعد ذلك أن التضامن غير مجدي، وأن كل نفس عليها تحمل مشاق السفر إلى الجنة  لوحدها وبمواردها وأفكارها”المحرمة ” على الآخرين   ..ليس لأن “الأنانية ” غدت هذه المشاعر، وإنما لأنه لم يوجد ما يطمئن الجميع إلى ضرورة “الخلاص الجماعي ” ..كان الهروب “سرياليا ” عقديا بمعنى من المعاني..ستجدون أن المصادفات في كل شبر من المغرب هناك قصة رحماني أو رحمانية هرب أولياء أمورها بها لتصبح إما أستاذة جامعية أو فاعلة مهمة في مجال ما ..وأن فرصة الهروب غيرت الوضع لدى بقية أفراد العائلة ..إنما هنا يغيب “التضامن الآلي للجماعة ” لاعتبارات نفسية سيكولوجية سلوكية .

هنا نطرح السؤال ماذا حدث بعد العام 2008 الذي سيبقي بنظر الكثيرين مهما ؟

عام 2008 سيحل عاهل البلاد الملك محمد السادس ضيفا بأرض الرحامنة وعلى مركزها الحضري ابن جرير لانطلاقة مجموعة من المشاريع ،  ابن جريرالذي خرج من تعريفه القديم بكونه مركز” شبه قروي” إلى مركز حضري ..أصبحت فيه مجموعة من الخدمات واتضحت الرؤية حتى ولو عاكسها الفاعلون أيا كانوا ، لأن منطق الزمن لا يعود إلى الوراء.

ذلك العام شكل بالنسبة للرحامنة على المستوى “السيكولوجي ” شعورا بالفرح والامتنان والانتماء ، وشكل منعطفا “للتحولات ” التي طرأت من بعد على جميع المستويات .

المشاعر الإنسانية هي كل شيء ، هي الملكية التي بفضلها يصبح الفرد والجماعة قادرين على التحول من مجتمعات جامدة إلى أخرى سائلة ..إنما كان السؤال الأبرز ..هل يدرك الجميع بالرحامنة حجم التحديات ؟ وحجم الانتظارات ؟ والمطلوب من الجميع استحضاره في هذه الفترة ؟

لم تكن البنى التحية ولا بناء المؤسسات العلمية ولا ترصيف الطرق ولا كل الذي أنفقت بشأنه الملايير كافيا لخلق “الهوة ” بين ما مضى من ذلك وما هو آت .

فالمصالحة إن كان الإقليم يحتاجها قد حصلت ، والمشاريع التي أعطيت غالبيتها مس كل مفاصل الحياة العامة، إنما بقي السؤال المعلق إلى غاية اليوم لماذا لا يشعر الفرد هنا بالامتنان أو بأنه يساهم ويشارك في تنمية إقليم صار بين فترات ومرحلة يتلمس التغيير ..؟ !

وقبل ذلك ما معنى التغيير ؟ وماهي ظروفه وشروطه ؟

قبل هذا علينا الاعتراف أن الذي أنجز منذ العام 2008 إلى الآن يطمئن بالرغم من حجم “الأخطاء ” والتجاوزات ، فالمسافة الفاصلة من إلى هنا (اليوم)هي عقد من الزمن .

وبين امتلاك إقليم للوسائل الإدارية الكفيلة بتقريب الخدمة من المواطنين ، وخلق مؤسسات تستجيب لأسئلته.. منها المتكررة كالصحة والمؤجلة كالجامعة ، برز إلى العلن معضلة “العنصر البشري ” الذي تريده الرحامنة لبقية الأيام؟؟

يوجد اليوم على سيبل القياس صراع أو سمه “نقاش عمومي ” بين مختلف الفاعلين ، سواء أولئك الفاعلون التقليديون أو الجدد وبنيات مؤسساتية ، طبيعة هذا “الجدل ” يدور حول من عليه أن يملك ومن عليه أن لا يملك ؟ من بيده سلطة الأمر والنهي ومن عليه أن ينفذ أو يرفض؟

من يسبق من ..بالرحامنة ،ستطرح جدلية ” الخير –الشر” أيهما كان الأول؟

ففيما كان التأسيس للتنمية التي أنكرها الزمن والظروف على الرحامنة وهي كثيرة عدا الذي أسهمنا فيه بوجهة نظرنا هذه ، كان هذا التأسيس يلقي بضلاله على من سيحكم ومن سيلتزم بالتنفيذ ؟

وكطبيعة جميع التحولات في المجتمعات حيث تظهر بنى اجتماعية جديدة ، لنعد إلى تاريخ 2008 وما رافقه من هجرات مضادة من مختلف الجهات إلى ابن جرير والرحامنة ، فهناك العودة للذين تذكروا أنهم تركوا أبوابا وأطلالا وذكريات، وعليهم العودة إلى الموت بأرض الأجداد ، وهناك الذين سمعوا لأول مرة “بصفح التاريخ ” على الرحامنة وعليهم مغادرة أين يعيشون والتوجه للرحامنة ، وهناك ألف قصة اعتناق الإيمان بأن الرحامنة يمكنها أن تكون حلا ،وهناك الذين “ترحمنوا ” فجأة .. مع أن علم “الانتروبولجيا ” لم يجد أسبابا وجيهة لقصة الانتقال الجماعي من مكان لمكان عدا تلك الأسباب الشائعة بيننا .

في هذا الباب علينا طرح سؤال مهم ..من هم الذين حلوا بالرحامنة وابن جرير ؟ وما هي مساهماتهم ؟ وما هي الأدوار التي بإمكانهم لعبها في بيئة صارت تتشكل “ديموغرافيا ” واجتماعيا وسكانيا من مجموعة من البنى السكانية المتداخلة الوعي والقدرة والسلوك والأسلوب ..؟ إنما في بيئة الرحامنة “الواعدة ” يطرح سؤال أي نوع من المهاجرين حل بها ؟ وأي نوع من “التماسك الاجتماعي سيحدث  أو التنافر؟ أو أي أسلوب من الحياة ستتمازج هنا لتشكل الرحامنة الجديدة ؟

للأسف أن “الملاحظة” كمنهج في علم الاجتماع يمكن الاستناد إليها في البحث العلمي لفرز مجموعة من المعطيات أعطت :

أن طبيعة التحولات بالرحامنة ، وطبيعة “الأنساق ” التي تؤسس للتوازن بمجتمع صار بعد العام 2008 واقعا ، لم تجد أمامها نخبا لقيادة هذا المجتمع الجديد..وليس المتجدد .

كانت القطيعة “الانستاريخية ” للنخب التي أصبحت خارج جغرافيا الإقليم قد أبتعدت كثيرا عن مفهوم “الحنين ” إلى العودة والمساهمة ، بالرغم من وعي فؤاد عالي الهمة في مرحلة وتم تشكيل “أنفاس ” ، وبقية القصة معروفة .

ظرف ثاني، وهو أن أغلب الأسر والعوائل والأفراد الوافدين على الرحامنة باستثناءات المشتغلين في حقول مؤسساتية بعينها ..تعليم صحة وباقي المصالح الحيوية شكل الجزء الأكبر من تلك الهجرات إلى الرحامنة مفهوم “الأسرة البسيطة “، إما التي تعيش على إيرادات أكرية أو معاشات الآباء والأمهات، أو بعض المكاسب الاقتصادية ،أو باحثة في المجال الجديد الرحامنة عن فرصة “للترقية الاجتماعية” ..أو إنتاج مشاريع مدرة بشكل “أناني ” لا يقدم ولا يؤخر في التنمية العامة .

هذا “الشرط ” الجديد قوض إلى حد كبير جهود التنمية والارتقاء الاجتماعي بالنسبة للمنتظرين للتحولات “السوسيو اقتصادية ” ، الذي يؤسس بما يحمله الفرد سواء محليا أو وافدا من إمكانيات “معرفية ” عالمة أو من مواهب “فنية ” ..أو ما كان من المفروض أن يكون رؤوس أموال يتم استثمارها بشكل ما ، في بيئة صارت مع الزمن على مستوى الدعاية الإعلامية المباشرة والغير المباشرة فضاءا يوفر القدرة على خلق “وحدات ” إنتاج تساهم في نقل المركز الحضري ابن جرير إلى مدينة .وتشكيل الرحامنة اقتصاديا واجتماعية من خلال “تطهير وتغيير وتأطير المجتمع الرحماني الجديد وانخراطه في معنى المدينة بكل مفاصلها .

الذي يحدث لغاية اليوم هو أن التنمية بالرحامنة لا تعتمد سوى على رؤية مؤسسات الدولة ..عمالة ..بلدية ..مجلس إقليمي وجهة وهذا غير كاف ..حتى إنتاج الأفكار غير كاف ، وحتى إنتاج الإبداع والفرجة ودور الكتاب والقراءة وتوليد “الأخلاق ” بكل زقاق غير كاف ،وحتى صناعة مليون وظيفة وعقيدة “جمعوية “غير مؤثر ..لغياب شجاعة الذين يملكون الرأسمال من المحليين، الذين راكموا الثروة بحكم “الطبيعة ” كما يسميه نيتشه في فلسفة القوة ، أو تلك الهجرات الوافدة التي يبقى معظمها باستثناءات معينة في طبقة الأطباء والمهندسين وباقي الموظفين الإداريين غير قادرة ولا تملك أسس “المساهمة ” المندمجة في الحياة العامة بالرحامنة .

لذلك فمعضلة الرحامنة في العنصر البشري سواء منه المحلي أو الذي “تماهى” من الوافدين في هذه البيئة وكلهم غير قادرين على خلق التحولات  الجوهرية وليس المظهرية !! في غياب مؤهلات “علمية ” واعدة أو رؤوس أموال كتلك التي تشحن يوميا مجموعة من الحافلات إلى وجهة الحي الصناعي بسيدي بوعثمان من أجل “تشغيل” العشرات من” النساء العاملات “…قد لا يكون الظرف على أحسن ما يرام. إنما هو حل لمشكل التنمية التي تحتاج إلى “الاقتصاد” ،الذي يضبط إيقاع المجتمع، ويساهم في” السلم الأهلي” وتغيير معالم أي مجال جغرافي ، ويؤسس لمفهوم “اقتسام الثروة ” الذي يتعدى معناه البسيط ..إلى الاقتسام على شروط موضوعية أولها قاعدة” ..قل لي ماذا تملك من “المؤهلات العلمية ” أقول لك ما هو حقك في الثروة؟

غير هذا الحل الذي “رهن ” النقاش في الرحامنة إلى غاية اليوم حول من يتحمل مسؤولية “الإحجام ” عن التطلع إلى المستقبل ، والإسراف في تبادل الاتهامات والضرب تحت الحزام  ، وتنقيط هذا الفريق لفريق أخر في غياب “ميكانيزمات “مؤسسة للتفاضل الاجتماعي التي تراعي منطق ..الأفضل من عليه أن يكون في الأمام.  ورأسمال يصنع التنمية أفضل من ثرثرة في أي مكان لا تملأ الجيوب ولا العقول بالمهارات .